أفاد موقع “أكسيوس”، يوم الثلاثاء الماضي، وفقاً لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، خلال مكالمة هاتفية يوم الخميس 9 تموز/ يوليو الجاري، بضرورة بدء إسرائيل سحب قواتها من جنوب سوريا ولبنان، نظراً إلى التوترات الأمنية التي يخلقها وجود الجيش الإسرائيلي في تلك الأراضي. يأتي هذا الطلب من ترامب لنتانياهو بعد يوم واحد من لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، وقبل ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية في إسرائيل، التي ستُجرى في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهي تُعدُّ مصيرية بالنسبة الى نتانياهو، سواء على مستوى مشروعه السياسي-الحربي، أو على مستوى حريته الشخصية.
يأتي طلب ترامب أيضاً في سياق تصاعد الأطماع التوسعية الإسرائيلية، وتنامي الخطاب الاستيطاني في أوساط اليمين المتطرّف الصهيوني عبر حركات ومجموعات متطرّفة مثل “أوري تسافون” و”رواد الباشان”، على الرغم من عدم إبداء حكومة نتانياهو تأييداً علنياً لمشاريع استيطانية في جنوب لبنان أو سوريا والضفة الغربية، إلا أن مثل تلك الحركات تلقى تعاطفاً وتأييداً من عدد من الوزراء الإسرائيليين مثل وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الاتصالات شلومو كريهي، ووزير الشتات عميحاي شيكلي، ووزير تطوير النقب والجليل يتسحاق فاسرلاوف، ووزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان، بالإضافة إلى عدد من أعضاء الكنيست الذين ينتمون إلى أحزاب الليكود (بقيادة نتانياهو) وعوتسما يهوديت (بقيادة بن غفير) والصهيونية الدينية (بقيادة سموتريتش).
من المرجّح أن المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين لم ينقلوا لموقع “أكسيوس” الحقيقة كاملة، فمن المستحيل موضوعياً أن يفرض الشرع شروطاً على ترامب، وبالتالي على نتانياهو، ولا بد أن يكون هناك مقابل أكبر حتى يسعى ترامب الى التوصل إلى اتفاق أمني جديد بين إسرائيل وسوريا ينتج منه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب سوريا، وجنوب لبنان (وربما بقاعه) لا ينفصل عن هذا السياق، بخاصة بعد التصريحات المتواصلة لترامب في الفترة الأخيرة التي أدلى فيها بأن الشرع “تعهّد” له بالمساعدة في ملف “حزب الله” في لبنان (من دون أي تأكيد لهذا الالتزام من جهة الرئيس السوري). ففلسفة ترامب في الحكم قائمة أساساً على مبدأ أنه “لا شيء مجاني”. ولا شكّ في أن لعدم تقبّل المجتمعات المحلية السورية في محافظتي درعا والقنيطرة بجنوب سوريا، وجود القوات الإسرائيلية دوراً أيضاً، إذ لا تتوقّف التوترات والاشتباكات حتى لو كانت محدودة بعد كل توغّل إسرائيلي بري، إلى جانب الاحتجاجات وقطع الطرقات، في حين يفتقر الجانب الإسرائيلي إلى “مبرّر” مماثل لذاك الموجود في لبنان أمام المجتمع الدولي لاستكمال تمدّده في الأراضي السورية من دون استجلاب ردود أفعال عربية ودولية حادة.
وفيما تستمر إسرائيل بإطلاق الوعود لبدء الانسحاب من منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، و”السماح” للجيش اللبناني بالدخول إليهما بموجب اتفاق الإطار، وبعد ست جولات من التفاوض المباشر، فإن الواقع الذي تفرضه حكومة نتانياهو مختلف، فهي ترفض تثبيت الانسحاب ضمن جدول زمني، وتسعى جاهدة إلى إحداث صدامٍ مسلّح بين الجيش اللبناني و”حزب الله”، وتماطل إلى أقصى حدّ ممكن لتحقيق “مكاسب” أمنية وسياسية جديدة وفرض الحد الأقصى من الشروط القاسية على لبنان.
وبالعودة إلى الاتصال بين ترامب ونتانياهو، لا بد من التوقف عند مسألة جوهرية، هي أن التباين بين الرجلين غدا أكثر تجذراً، سواء من جهة كيفية إدارة الصراع في الشرق الأوسط، أو في ما يتعلّق بملف غزة و”مجلس السلام”، أو مستوى استخدام القوة المفرطة واستهداف البنى التحتية المدنية في لبنان، أو تدخلات نتانياهو في السياسة الخارجية الأميركية في سوريا وتركيا ودول الخليج العربي. وفي المحصلة، فإن تأثير نتانياهو على شعبية ترامب في الداخل الأميركي كان سلبياً، حتى بين الجمهوريين أنفسهم، وبخاصة الفئات العمرية الشبابية في الحزب الجمهوري. لذا، فالخلاف بين الرجلين لم يعد موضعياً، بل بدأ بالتحول إلى خلافٍ أو تصادمٍ موضوعي (جزئياً فقط، لكي لا تكون في الأمر مبالغة)، بعدما كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل متكاملة استراتيجياً لعقود من الزمن.
ولا بد من التذكير بمقولة ترامب إن “نتانياهو يعرف جيدًا من هو الزعيم” في العلاقة بينهما، نقلاً عن موقع “أكسيوس” أيضاً، إذ إن طلب ترامب من نتانياهو “إعادة الانتشار” خارج سوريا ولبنان يندرج ضمن محاولات ترامب استعادة السيطرة بعدما شهدت العلاقات بين أميركا وإسرائيل تحوّلات تطاول عمق البنية التبعية، إذ تسعى إسرائيل إلى تحقيق استقلالية تكنولوجية وعسكرية أكبر تخوّلها فرض سياستها الخارجية في الشرق الأوسط بمعزلٍ عن التباينات بينها وبين السياسة الخارجية الأميركية. وقد شكّل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فرصةً تاريخية لإسرائيل لكي تفرض “تبعيةً معكوسة” في السياسة الخارجية على الولايات المتحدة، بخاصة وأن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن كانت ضعيفة وتفتقر إلى الحزم، ليس فقط في ما يتصل بإسرائيل، بل في جميع الملفات الدولية، من أفغانستان إلى أوكرانيا.
يبرّر نتانياهو احتلال الجيش الإسرائيلي أراضي في جنوب لبنان وسوريا بـ “الضرورة الأمنية والاستراتيجية”، وهي في العمق استراتيجية ردعٍ للنفوذين الإيراني والتركي، وليس فقط للجهات الفاعلة اللبنانية والسورية، ويصرّ على أن بقاء قواته في تلك المناطق هو “قرار إسرائيلي سيادي”، ويحظى هذا التوجّه بتأييد جميع أركان الحكومة اليمينية المتطرّفة في إسرائيل. في المقابل، يصطدم هذا الإصرار الإسرائيلي باعتراض أميركي متزايد.
إقرأوا أيضاً:
وإذا كانت إسرائيل قادرة على كسب هامشٍ من الاستقلالية في القرار، لأسباب متعدّدة، من ضمنها توسّع قدراتها التكنولوجية والاستخباراتية والعسكرية، وإمكاناتها الاقتصادية الذاتية، على قاعدة الابتكار التكنولوجي والاستقلال في قطاع الطاقة وتعزيز الصادرات العسكرية، فإن حق النقض (الفيتو) الأميركي في مجلس الأمن الدولي يبقى حجر الزاوية في نهاية المطاف. ولا قدرة لإسرائيل على فرض نفوذها بالقوّة من دون الغطاء الأميركي في مجلس الأمن. بالتالي، فإن “القرار السيادي” الإسرائيلي لا يملك شرط تحقّقه الذاتي، وإذا ما تمسّك نتانياهو بهذا التوجّه، على الرغم من الإرادة الأميركية، فإن الصدام بين إدارة ترامب وحكومة نتانياهو سيبلغ آفاقاً جديدة ستكون مفاجئة لجميع من يتعاملون مع السياسة بوعيٍ دوغمائي.
المكابرة الإسرائيلية تستند إلى حالة يوفوريا خلقتها سلسلة من الانتصارات الساحقة في جميع أنحاء المنطقة، وقد حفّزها صمت معظم حكومات العالم على الحرب الإبادية في غزة وجنوب لبنان، وليس إلى رؤية استراتيجية صلبة وقابلة للحياة، وهذا هو بالذات مأزق اليمين الصهيوني المتطرّف الذي بلغ طغيانه ذروته. وعندما يطلب ترامب من نتانياهو الانسحاب من لبنان وسوريا، فهو بذلك لا “ينتهك السيادة الإسرائيلية” بقدر ما يحاول إعادة فرض الهيمنة الأميركية على إسرائيل، وذلك من أجل إسرائيل. فاليمين الصهيوني المتطرّف يقود إسرائيل بخطوات ثابتة نحو التسبّب بحربٍ إقليمية واسعة النطاق، من شأنها أن تحدث كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تزايدت ضغوط عدد من القادة الإقليميين في الشرق الأوسط على ترامب، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكي يعمل على احتواء التوسّع الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية.
لكن نتانياهو المهدَّد بالسجن، سواء بمذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أو عبر محاكمته الجنائية الجارية في إسرائيل بتهم الفساد، ينظر إلى الحرب باعتبارها الوسيلة الوحيدة للنجاة. ولا يجب التقليل من شأن دور أي فردٍ في موقع قوةٍ مماثلة في التأثير بمجرى التاريخ عموماً. وهنا، تتعارض مصلحة نتانياهو الشخصية في العمق مع مصلحة ترامب الشخصية، الذي يسعى بدوره إلى الوصول إلى اتفاق إقليمي شامل مع الحفاظ على حصّة كبيرة من “المكتسبات” لإسرائيل. غير أن الاصطدام هنا ليس بين شخصين فحسب، بل بين مسارين سياسيين مختلفين، تقاطعا في فترات معينة، لكنهما يتباعدان أكثر فأكثر، وربما لن يلتقيا مرة أخرى. بالإضافة إلى أن زمن نتانياهو قد يكون قصيراً إذا ما تعرّض لخسارةٍ في الانتخابات التشريعية بعد ثلاثة أشهر، في حين أن ترامب باقٍ في الرئاسة لسنتين ونصف السنة.
كان بإمكان إسرائيل أن تلتزم بأطر التعاون الثنائي في علاقتها مع الولايات المتحدة، وأن تكتسب موقعاً استراتيجياً متقدماً لا يتعارض مع السياسة الخارجية الأميركية بل يستند إلى التكامل الاستراتيجي معها، إلا أن اليمين المتطرّف يسعى إلى تحقيق الاستقلالية عن القرار الأميركي بسرعةٍ قياسية، وهو ما يبدو أنه سيؤدّي إلى ردة فعلٍ أميركية قاسية، لا تزال بوادرها تختمر في البيت الأبيض. لا يبدو أن “حرية الحركة” التي تتمسّك بها إسرائيل في غزة وجنوب لبنان، ستحصل عليها في علاقتها بالولايات المتحدة، على الأقل ليس في المدى المنظور، على الرغم من التنامي الهائل لوزن إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة.
نقف الآن على أعتاب ثلاثة أشهر مصيرية، يجب أن نتوقّع فيها تطوّرات جذرية في السلوك الإسرائيلي: إما تمرّدٌ لليمين الصهيوني المتطرّف ضد الإملاءات الأميركية وتوسيع للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، وبالتالي تصعيدٌ مدفوعٌ بأوهام أرماغدونية يخرج عن السيطرة، أو تراجعٌ وانسحابٌ تدريجي وعودةٌ إلى القمقم، وبالتالي نهاية لأسطورة حكم إسرائيل للشرق الأوسط بالحديد والنار. وللسيناريوهين ارتدادات داخلية سيواجهها اليمين المتطرّف بمزيدٍ من الانفصام بين التخيّلات الصهيونية اليوفورية وموازين القوى الإقليمية المعقّدة التي يتعامل معها ترامب، على الرغم من طبيعته المتهوّرة، بالكثير من الحذر. أو سيناريو ثالث وهو الاستمرار في المماطلة على الرغم من أنها لا تغيّر في حسابات وموازين القوى، وبالتالي لن تغيّر شيئاً في وضعية نتانياهو المأزومة. وفي شتى الحالات، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد شهدت تغيّرات كبيرة في طبيعتها الجوهرية، على الرغم من أنها لم (وربما لن) تنتهِ أبداً، لكن العلاقة بين الطرفين لم تعد في الوقت الحالي كما عهدناها منذ عقود طويلة.











