تزامنت وفاة المطرب الشعبي أحمد عامر مؤخّراً، مع دعوات تداولها أصدقاؤه لحذف أغانيه بعد رحيله. ووفق ما صرّح به مدير أعماله، فقد أوصى عامر بحذف أعماله الفنّية حتى “لا يلقى الله بذنوبها”. ومنذ ذلك الحين، بدأ عدد من زملائه المطربين، خاصّة في ساحة الغناء الشعبي، بالمطالبة بالأمر نفسه: “احذفوا أغانيي بعد وفاتي!”.
هذا الموقف دفع نقّاداً فنّيين ومتلقّين إلى التساؤل: إن كان الغناء يُعدّ “حراماً”، فلماذا لا يتوقّفون عنه الآن؟ لماذا الانتظار حتى الموت؟
العلاقة بين الديني والفنّي في مصر لطالما كانت ملتبسة، لكنّ اللافت في هذه الظاهرة هو تصاعد ميل بعض الفنّانين إلى التبرّؤ من نتاجهم الموسيقي. فبعد دفن عامر في قريته في محافظة الغربية، كتب المطرب الشعبي حمو بيكا عبر صفحته على “فيسبوك” أنه حذف جميع أغاني عامر من قناته على يوتيوب، قائلاً: “أتمنّى من كلّ شركات الإنتاج، وكلّ من قدّم دويتو مع أحمد، أن يحذف الأغاني”.
أثار منشور بيكا جدلاً واسعاً حول “تحريم الغناء”، وانقسمت التعليقات بين من استنكر تناقضه، وسأله عن سبب استمراره في الغناء إن كان يراه حراماً، وبين من طالبه بالاعتزال طالما أنه مقتنع بحرمة ما يقدّمه.
أما المغنّي طارق الشيخ، فصرّح بنيّته حذف جميع أغانيه وأنه سيوصي أبناءه بذلك بعد وفاته، في حين قال نقيب الموسيقيين مصطفى كامل في مداخلة إعلامية: “إن وفاة أحمد عامر شكّلت لحظة مراجعة ذاتية له، ولمجمل سلوكيات الوسط الفنّي”، وأشار إلى أن “العمل في الملاهي الليلية، رغم أنه ليس مثالياً، يمثّل مصدر دخل أساسياً للكثير من الفنّانين”، معتبراً أن “ما حدث محطّة تأمّل لإعادة النظر في كثير من المواقف”، وأكّد تمسّكه بـ”القيم وعدم التعدّي على الأخلاق”.
هذا التذبذب بين “الضرورات المهنية” و”الوازع الأخلاقي- الديني”، أثار انتقادات عدّة، أبرزها من الناقد طارق الشناوي الذي كتب عبر حسابه: “حالة من اللا جدوى تجتاح الوسط الغنائي، خاصّة بين المطربين الشعبيين. بعد رحيل أحمد عامر، صار معظمهم يوصي بمنع تداول أغانيه بعد الوفاة، واعتبروها وصيّة لا يجوز التفريط فيها، على أساس أن الغناء حرام”، وأضاف: “حتى نقيب الموسيقيين دخل على الخطّ، وبدلاً من الدفاع عن الفنّ، تحدّث عن مراجعات ذاتية. تلك هي مأساة الفنّ في مصر: جزء من المطربين يمارسون الغناء بقناعات داخلية بأنه حرام، يتكسّبون منه في الدنيا ويحرّمونه في الآخرة”.
ما بين السلفية و”صوت المرأة”
الناقد الموسيقي محمد شميس قال في حديثه لـ”درج”: “قبل أن أكون صحافياً، كنت طالباً في الأزهر الشريف، وكان كلّ أساتذتي يُحرِّمون الغناء. لكنّني بعد التخرّج، اكتشفت أحاديث في صحيح البخاري تؤكّد وجود الغناء في بيت النبي، بصوت جوارٍ نساء، ما يعني أن الغناء لم يكن محرّماً، وصوت المرأة ليس عورة”.
ويرى شميس أن ما يسود اليوم هو “ثقافة المنع”، ويصف بعض المغنّين بأنهم “يمارسون نفاقاً علنياً: يبيعون للجمهور مشاعر لا يؤمنون بها، ويشعرون بالذنب من مهنتهم، ولكنّهم أجبن من المواجهة، سواء مع أنفسهم أو مع الجمهور”.
ولفت إلى أن الظاهرة لا تقتصر على مطربي المهرجانات، بل تطال مغنّي البوب، وكتّاباً وملحّنين، ممن يطالبون بعدم تداول أعمال زملائهم بعد وفاتهم “حتى لا تُحتسب ذنوباً عليهم”، كما حدث بعد وفاة الملحّن محمد رحيم.
ويختم شميس: “من يرى أن الفنّ حرام، عليه أن يعتزل، حتى يتحرّر المجال الفنّي من أولئك الذين لا يؤمنون بجوهره”.
إقرأوا أيضاً:
تردّد مزمن و”شعور بالعار”
ومن النماذج الدالّة أيضاً، المطرب الشعبي مجدي الشربيني، الذي اعتزل الغناء في عام 2015، ثم عاد بعد خمس سنوات بألبوم جديد مع أولاده الأربعة، قبل أن يتراجع ويعتزل مجدّداً، تارة يظهر كمذيع في برامج دينية، وتارة يعود إلى الأفراح، في مثال حيّ لحالة “إمساك العصا من المنتصف”.
هذا التردّد، وصفه الشناوي وشميس بأنه دليل على انعدام اليقين أو الإيمان الحقيقي بالمجال الفنّي، وهو ما يؤكّده أيضاً الناقد رامي المتولّي في حديثه لـ”درج”: “التخبّط عند الفنانين يأتي من منطق مغلوط لدى الجمهور ينعكس على السوشيال ميديا، ما يدفع بعض الفنّانين – خاصّة أنصاف المواهب – إلى مغازلة أفكار الجمهور، حتى لو لم يؤمنوا بها”.
ويضيف: “المشكلة لا تتعلّق فقط بالمطربين الشعبيين أو أصحاب الأعمال الضعيفة فنّياً، بل تمتدّ إلى مجالات الثقافة والإعلام. عدد كبير ممن يعملون بهذه المجالات يرونها “مهناً غير شريفة”، يمارسونها لمكاسب مادّية، ثم يظنّون أنه بإمكانهم التبرّؤ منها لاحقاً بالتوبة أو بالاستغفار، كأنهم يمسحون ماضيهم بأستيكه”.
بين سطوة الدين وحرّية الإبداع
ما يثير القلق في هذا المشهد، ليس فقط ما يبدو من تناقض فردي أو نفاق شخصي، بل ما يكشفه من عمق الأزمة بين حرّية التعبير وهيمنة التفسيرات الدينية. لا يدور النقاش هنا حول تقييم نوعيّة الفنّ، بل حول أحقيّة وجود الفنّ نفسه، وقدرته على الاستمرار في مناخ يشجّع التوبة عن الإبداع بدل تطويره، ويكافئ التبرّؤ من العمل الفنّي بدل مساءلته أو تحسينه.
حين يُختزل الفنّ إلى ذنب يجب محوه، وتُعامل الموسيقى بوصفها خطيئة، تتحوّل الثقافة إلى مساحة مهدّدة دائماً، وتضيق مساحات التنوّع والتجريب، ويُفرض على الفنّان – كما على الجمهور – نمط واحد من “الطهارة”. في مثل هذا المناخ، يصبح الاعتراف بجدوى الفنّ أو الدفاع عن حرّيته عملاً شاقّاً، ومحفوفاً بالاتّهام.
لكنّ الفنّ الحقيقي لا يطلب إذناً دينياً، بل يفتح نافذة على الروح الإنسانية بكلّ تناقضاتها، ويظلّ – رغم الرقابة والمحرّمات – ضرورة لا رفاهية.












