نشر مظهر الويس وزير العدل السوري، مقالاً في صحيفة “الثورة السورية”، حمل عنواناً بصيغة سؤال بسيط: “هل تأخّر مسار العدالة الانتقالية؟”.
المقال يشرح في قسم منه ما وصفه بـ”الإنجازات والإجراءات العلمية”، التي اتّخذتها القيادة السورية الجديدة في سبيل العدالة الانتقالية، متحدّثاً عن إعادة تنظيم المحاكم والقضاء، و”إنهاء العمل بالأحكام والإجراءات الاستثنائية”، مؤكّداً الالتزام بالإعلان الدستوري.
كلمة الأحكام والإجراءات الاستثنائية تحوي غموضاً. نعم، هي تشمل المحاكم الاستثنائية وغيرها من أدوات نظام الأسد للقتل وشرعنة التحكّم بمصائر السوريين، لكن في الوقت نفسه، نحن أمام ترسانة قانونية ومراسيم وتشريعات، صمّمها نظام الأسدين وما زال بعضها فعّالاً، وأحياناً يُطبّق.
غياب دستور ومجلس شعب (مجلس تشريعي)، يتركنا أمام ما يشابه حالة الاستثناء، أو حالة الطوارئ، حيث يتمّ “الاختيار” من القوانين السابقة التي يتمّ تطبيقها التي لا صيغة واحدة لأسلوب تطبيقها، وربما المثال الأوضح هو استخدام قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية الأسدي، الصادر في عام 2022، الذي وصفته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بأنه “كرّس قمع حرّية الرأي، والتعبير، وتسبّب في عشرات حالات الاعتقال التعسّفي والتعذيب”، وذلك في تعميم لوزارة العدل حول نشر وتبادل وثائق من عهد نظام الأسد، كما استُخدم مرّة ثانية في اتّهام الصحافي إياد شربجي بتهمة “إثارات النعرات الطائفية”.
ردّ حمزة مصطفى وزير الإعلام السوري، على الجدل الذي أثاره استخدام هذا القانون، مشيراً إلى أنه “يواجه عوائق أخلاقية وإجرائية تحدّ من تطبيقه بشكل عادل وفعّال، ما دفع الوزارة إلى البحث عن بدائل عملية”.
هذا التخوّف من تفعيل قوانين سابقة، أو عدم تعديلها، اتّضح في تعميم وزارة العدل بخصوص حقّ الأمّ في استخراج جواز سفر لابنها، الشأن الذي بالأصل يمسّ قانون الأحوال الشخصية، كما يفتح الباب أمام تطبيق قوانين أخرى، والمفارقة أن أحمد الشرع الرئيس المؤقّت في المرحلة الانتقالية، يمتلك صلاحيات غامضة، هو يصدر مراسيم تُعيد هيكلة بناء الدولة، كسلسلة الشركات القابضة التي أمر بإنشائها، لكنّ بعض القوانين لا يتمّ الحديث عنها، وحين السؤال، تكون الإجابة أن هكذا قوانين بحاجة إلى مجلس شعب، في حين يمكن للشرع مخالفة الإعلان الدستوري وإصدار مراسيم من اختصاص هذا المجلس غير الموجود!
أحد أخطر هذه القوانين هي تلك الخاصّة بمكافحة الإرهاب، التي أصدرها بشّار الأسد في عام 2012 بعد رفع حالة الطوارئ، “السلاح” الذي وظّفه الأسد لاعتقال آلاف السوريين، نطرح هذا السؤال الآن، كون سوريا تعهّدت بـ”مكافحة الإرهاب”، وألقت القبض على العديد من المتورّطين في “أعمال إرهابية”، سواء من مسلّحين محسوبين على النظام أو منتمين إلى تنظيم الدولة، لكنّ السؤال، في ظلّ أيّ قانون ستتمّ محاكمتهم؟
بعض هذه القوانين والمراسيم ما زالت آثارها ملموسة إلى الآن، وتتجاهل السلطة مطالب المظلومين، كالمرسوم التشريعي رقم 66 الذي ما زال سكّان “بساتين الرازي” يتظاهرون مطالبين بإلغائه، على الرغم من الأخذ والردّ مع محافظة دمشق.
إقرأوا أيضاً:
غياب مصدر تشريع واضح غير أحمد الشرع وسلطاته، يترك الكثيرين في تخوّف ربما، أبرز المخاوف، تلك الخاصّة بالقانون رقم 49 للعام 1980، الذي وصفه أحد المنفيّين السوريين في فرنسا بأنه “سيّف مصلت على الرقاب”.
معالم نظرية مؤامرة
في اجتماع شهدته مدينة باريس مع “الناشطين الإعلاميين” هادي العبد الله و محمّد الفيصل، قام رجل من الحضور ووجّه رسالة قد تصل إلى أحمد الشرع، رسالة تطالب بإلغاء القانون رقم 49 للعام 1980، الرجل الذي ترك سوريا في هذا العام، قال إن هذا القانون ما زال “سيفاً مصلتاً على الرقاب”، وهذا القانون باختصار، أصدره مجلس الشعب في عهد حافظ الأسد، وينصّ في المادّة الأولى على التالي: “يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كلّ منتسب إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين”.
هذا النصّ القانوني الذي ما زال جارياً، لم يُستخدَم بعد سقوط النظام، لكنّ وجوده بحدّ ذاته وقابلية تنفيذه كما غيره، ترك الكثيرين متخوّفين، خصوصاً في ظلّ الحملة التي تعرّض لها التنظيم في سوريا نفسها، إذ كتب أحمد موفّق زيدان مستشار أحمد الشرع للشؤون الإعلامية مقالاً في “الجزيرة”، بعنوان: “متى ستُحلّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟”، وقدّم حججاً حول “الفجوة العمرية” التي يعاني منها “الإخوان”، وعدم حلّ أنفسهم “منع شبابهم من المشاركة في بناء الدولة”، كما وصفهم بـ”المغرّدين خارج السرب”.
كلّ هذه الحجج لا تنفي وجود القانون السابق، ناهيك بأن الجماعة نفسها صُنّفت مؤخّراً كإرهابية في أميركا، ومحظورة في السعودية والأردن ومصر التي تصنّفها كـ”جماعة إرهابية” أيضاً.
ما زال تطبيق أحكام من ترسانة الأسد القانونية محطّ جدل، ولا يُسكت عنه سواء من قِبل الرأي العامّ أو القائمين على مؤسّسات الدولة، في الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى بقاء هذه الترسانة وعدم استخدام الرئيس في المرحلة الانتقالية سلطاته الاستثنائية، سوى كأدوات سياسية بانتظار التطبيق في اللحظة المناسبة، خصوصاً أن حلفاء “سوريا الجديدة” مواقفهم تجاه “الإخوان المسلمين” واضحة، عدا قطر وتركيا!
تعديل القوانين الخاصّة بحماية السلطة في سوريا، قائم، إذ عدّلت وزارة الدفاع بناء على “توجيهات” من رئاسة الجمهورية، تغليظ عقوبة الإساءة والاعتداء على “عناصر الجيش العربي السوري، وقوى الأمن الداخلي أو شرطة المرور”، لكن في الوقت نفسه، تحتوي المدوّنة القانونية السورية، المرسوم رقم 5409 للعام 1969، الذي ينصّ على التالي: “لا يجوز ملاحقة أيّ من العاملين في إدارة المخابرات العامّة أو المنتدبين أو المُعارين إليها، أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قِبل المدير، ويبقى استصدار أمر الملاحقة واجباً حتى بعد انتهاء خدمته في الإدارة”.
تحوي البنية القانونية السورية حالياً ترسانة من القوانين القمعية، التي ورثتها السلطات الجديدة في دمشق، ترسانة ما زال استخدامها خجولاً في ظلّ تحرك الرأي العامّ في حال الإشارة إليها في الدعاوى والتعاميم، التي تصدر عن مؤسّسات الدولة، بعض هذه القوانين يثير الرعب بمجرّد الإشارة إليه كما في الأمثلة السابقة، وبعضها شديد الهزلية، والبعض الآخر، الإشارة إليه تفتح مجموعة من التساؤلات، مثلاً ماذا عن تجريم “التخابر مع إسرائيل” بوصفه خيانة عظمى؟ وعلى من ينطبق هذا القانون في حال تمّ تفعيله؟
على الرغم من مخالفة أحمد الشرع كثيراً من بنود الإعلان الدستوري في الكثير من المراسيم التي أصدرها، وتجاهله صلاحيات مجلس الشعب غير الموجود، حين يتعلّق الأمر ببعض القوانين كتلك المذكورة سابقاً، لم يستخدم سلطاته الاستثنائية.
تعطيل السلطات الاستثنائية هذا، يمكن تبريره بضعف مؤسّسات الدولة، لكنّ بعض المراسيم والقوانين والإجراءات تعرقل عودة السوريين إلى بلادهم، مثلاً، كحالة آلاف الموفدين الممنوعين من السفر، الذين لم يزوروا سوريا خوفاً من عجزهم عن المغادرة، العجز عن تسيير أعمال هؤلاء، يضاف إلى التهم الموجّهة إلى السلطات الجديدة في استثناء وإبعاد كوادر لا تراها “مناسبة” للانضمام إلى الدولة!
إقرأوا أيضاً:













