ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

تسريبات المفاوضات السورية-الإسرائيليّة: هل تلتزم دمشق بـ”السلام”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يمكن فهم الدور الأميركي بوصفه سعياً إلى “شراء” مكسب سياسي – أمني قابل للتسويق، أو “صفقة” حسب تعبير دونالد ترامب، صفقة تتجاوز الجنوب السوري ذاته نحو سردية أوسع: واشنطن استطاعت تحويل سلطة ذات ماضٍ جهادي أو سلفي إلى طرف مندمج في منظومة “محاربة داعش” وضبط الاستقرار المحلّي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تزداد في الآونة الأخيرة كثافة التسريبات التي تتحدث عن تفاهمات سورية – إسرائيلية برعاية أميركية، تُقدَّم أحياناً بوصفها ملامح “سلام منشود” يعيد صياغة خطوط الاشتباك في الجنوب السوري، مع منح السويداء وضعاً أمنياً خاصاً يرتبط بحماية الطائفة الدرزية وضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مصدر تهديد لإسرائيل. 

وفي بعض النسخ الأكثر إثارة، تذهب التسريبات إلى الحديث عن موافقة سلطات دمشق على صيغة شبيهة بـ”تأجير” هضبة الجولان لمدة 25 عاماً، عبر إعادة إنتاج التنازل بلبوس مؤقت، بما يُفرغ عملياً خطوط 1974 من مضمونها السيادي.

التدقيق في طبيعة هذه التسريبات يفرض قراءة أكثر تحفظاً على مستويات عدة، قانونية وسياسية. فالمطروح حتى الآن أقرب إلى هندسة أمنية مرحلية هدفها خفض المخاطر وتثبيت قواعد اشتباك مستحدثة، لا تسوية تاريخية تنهي الصراع. الفارق هنا جوهري؛ فالسلام بالمعنى القانوني والسيادي يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتفاهمات حول ملفات سيادة شديدة التعقيد، في مقدمها الجولان، إضافة إلى شرعية داخلية سورية قادرة على تحمّل كلفة التحوّل وما يرافقه من انقسامات واعتراضات.

 هذه الشروط ليست متوافرة في سلطة دمشق التي تراهن على التوافقات الدولية، فيما تخسر رهانها الداخلي على توحيد البلاد سياسياً، أو تُظهِر عجزاً عن إنجاز ذلك إلا بأدوات القوة وما تخلّفه من تشققات مجتمعية إضافية.

في المقابل، يمكن بناء ترتيبات أمنية من دون المرور بأثمان سياسية كبرى، لأنها تنتمي إلى حقل “إدارة التهديد” أكثر مما تنتمي إلى حقل “حل النزاع”، وتقوم على مبدأ قابلية التحقق والقياس: تخفيض التسليح جنوباً، منع التموضع المعادي، ضبط الحدود، وإقامة آليات اتصال تمنع الاحتكاك والتصعيد غير المحسوب، هذه الملامح نقرأها في البيان السوري – الإسرائيلي المشترك الذي أصدره البيت الأبيض.

تضخيم هذه الإجراءات في الخطاب الإعلامي محاولة لتحويل “تفاهم تشغيلي” إلى “إنجاز سياسي”، وهو نمط مألوف في بيئات تفاوض غير متكافئة، حيث يُستخدم العنوان الكبير لتغطية مضمون محدود لكنه وظيفي ومفيد لجميع الأطراف في لحظته.

مكسب واشنطن: إعادة تدوير سلطة إشكاليّة إلى شريك ضد داعش

يمكن فهم الدور الأميركي بوصفه سعياً إلى “شراء” مكسب سياسي – أمني قابل للتسويق، أو “صفقة” حسب تعبير دونالد ترامب، صفقة تتجاوز الجنوب السوري ذاته نحو سردية أوسع: واشنطن استطاعت تحويل سلطة ذات ماضٍ جهادي أو سلفي إلى طرف مندمج في منظومة “محاربة داعش” وضبط الاستقرار المحلّي.

 هذا التحوّل لا يُقرأ بالضرورة بوصفه تحوّلاً أيديولوجياً عميقاً، بل بوصفه تحولاً وظيفياً تُفرض شروطه عبر حزمة من الحوافز والقيود في آن واحد: الاعتراف والغطاء مقابل الانضباط، والانفتاح الدولي مقابل الالتزام بعدم عودة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، وإعادة إدماج سوريا تدريجياً مقابل تقديم تنازلات أمنية تتعلق بالجنوب وحدوده وترتيباته الميدانية.

وهنا يدخل العامل الخليجي بوصفه رافعة مكمّلة لهذا المسار؛ إذ تُدار الصفقة وفق قاعدة “الدعم مقابل الضبط”، حيث تصبح الموارد الخليجيّة أداة لتثبيت سلوك سياسي وأمني محدد، لا مكافأة مجانية. وفي حال ارتبط هذا المسار بمناخ سياسي أميركي يبحث عن إنجازات سريعة قابلة للعرض – كما في منطق “الصفقات الكبرى” الذي فضّله ترامب تاريخياً – فإن قيمة هذا المكسب تزداد: تهدئة حدودية، تقليص تهديد داعش، وإظهار انتقال لاعب إشكالي إلى موقع “الشريك” ضمن معادلة الأمن الإقليمي، من دون تورط عسكري أميركي واسع.

هذا كله يبقى رهناً بشرط حاسم: قدرة السلطة في دمشق على تحويل هذا التعهد إلى وقائع قابلة للاستمرار، لا إلى التزامات لفظية تنهار عند أول اختبار داخلي. وهو شرط صارم لأن صورة السلطة الجديدة لا تُختبر في ملفات داعش فقط، بل أيضاً في سجلها الداخلي، وفي كيفية إدارتها التوترات المجتمعية، ودرجة انضباط أجهزتها وفاعليها المحليين. 

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن عنف ذي طابع طائفي أو مناطقي افتراضاً تحليلياً بقدر ما أصبح واقعاً تُثبته الوقائع بعد عام من حكم الشرع؛ إذ برزت مجازر مارس/ آذار بحق العلويين في الساحل السوري، ثم جاءت مجزرة السويداء في تموز/ يوليو، حيث ارتكبت القوات التابعة للحكومة المؤقتة – بحسب توصيف منظمات دولية عدة – جرائم حرب موثّقة، وقد تعززت خطورة هذه المؤشرات مع التقرير المبدئي الذي قدّمه سبعة من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، بما يمنح هذا الملف بعداً قانونياً دولياً لا يمكن اختزاله في سرديات أمنية داخلية أو تبريرات سياسية ظرفية.

إضافة إلى ذلك، فإن انتقال مركز الثقل في التهديدات من ملف داعش إلى ملف الامتداد الكردي، يضع واشنطن أمام خيار إعادة ترتيب تحالفاتها، لا سيما بعد إضعاف شريكها الأكثر فاعلية ميدانياً ضد داعش، أي قوات سوريا الديمقراطية. فقد ساهمت الحملة الأخيرة التي شنتها قوات تابعة لسلطة دمشق على كل من الرقة ودير الزور، في تقليص هامش حركة “قسد”، فيما تقبع مناطق تمركزها تحت ضغط عسكري وأمني واقتصادي متصاعد، في سياق دفعها نحو “اندماج مفترض” يُقدَّم كتنفيذ لاتفاقية العاشر من آذار/ مارس. 

وبذلك لا يعود ملف محاربة داعش أولوية قائمة بذاتها، بل يتحول تدريجياً إلى ورقة ضمن إعادة توزيع النفوذ الداخلي، بما قد يفتح ثغرات أمنية جديدة أو يعيد إنتاج مخاطر مؤجلة تحت عنوان توحيد السلطة.

السويداء كاختبار للترتيبات لا كملفّ إنسانيّ

في المقابل، تتعامل إسرائيل مع هذه التفاهمات بمنطق مختلف جذرياً عن المنطق الأميركي؛ فهي لا تنظر إلى التحول كقصة سياسية قابلة للتصديق، بل كمعادلة أمنية تُختبر وتُراقب وتُردع. الخلفية الأيديولوجية للسلطة السورية الجديدة، وما تحمله من تناقض بنيوي مع وجود إسرائيل، تجعل تل أبيب تُسقط من حساباتها فكرة “السلام القائم على الثقة”، وتستبدلها بفكرة “الهدوء القائم على الضمان”. 

الضمان هنا ليس وثيقة، بل تصميم أمن حدودي يجعل النتائج مستقلة عن النوايا: منطقة منخفضة التسليح، منع للسلاح النوعي، قيود على التموضع، وآليات اتصال تمنع المفاجآت، مع بقاء اليد الإسرائيلية طليقة في الردع والتدخل عند الضرورة.

ضمن هذا المنطق، تتبدى السويداء لا باعتبارها ورقة تفاوض قابلة للتنازل، بل باعتبارها عقدة أمنية حساسة لا يجوز انفجارها. فالفوضى هناك تعني تهديداً مباشراً على تماس الجولان، وتفتح الباب أمام تموضع خصوم إسرائيل أو عودة شبكات متطرفة، وتخلق في الوقت نفسه كلفة سياسية داخل إسرائيل نفسها بحكم العلاقة الخاصة مع الدروز. لذلك لا يبدو منطقياً افتراض أن إسرائيل ستتخلى عن الدروز لصالح تفاهمات مع سلطة تراها غير مضمونة السلوك والاستمرارية؛ الأرجح أنها ستعيد تعريف “الحماية” من صيغة مباشرة إلى صيغة مشروطة عبر ترتيبات أمنية وضمانات وتهديدات ردعية، بما يحافظ على الاستقرار من دون التورط في إدارة المنطقة علناً.

هل نحن أمام “سلام”؟

السؤال الحقيقي ليس: هل نحن أمام سلام؟ بل: هل تستطيع الترتيبات الجديدة إنتاج هدوء قابل للاستمرار تحت ضغط ميزان قوى مختلّ؟ الإجابة ستظهر من اختبار واحد لا يخضع للدعاية: كيف ستُدار السويداء حين تتقاطع فيها الدولة والفواعل المحلية والضغوط الخارجية، وكيف ستتصرف إسرائيل إذا شعرت أن “الضمان” بدأ يتآكل. 

يبقى التضارب الأيديولوجي عائقاً لا يمكن القفز فوقه؛ صحيح أن السياسة تفتح باب البراغماتية حتى أمام أكثر الخصومات تطرفاً، لكن إسرائيل، بوصفها الفاعل الأكثر حساسية للأمن الحدودي، تقيس الأمور على أفق طويل. المعضلة في نظرها ليست فقط: ماذا تريد دمشق الآن؟ بل أيضاً: هل ستبقى دمشق قادرة على فرض ما تريده بعد خمس سنوات؟ وهل تمتلك بنية حكم تضمن استمرار الضبط، أم أن التفاهمات ستكون رهينة اهتزاز الداخل السوري وتبدّل الولاءات وتنافس مراكز القوى؟

لا تقتصر النظرة الإسرائيلية الى الجنوب السوري على زاوية أمن الحدود بمعناها العسكري المباشر، على رغم أنها المنطلق الأول والأكثر حسماً. فتل أبيب تنظر إلى المنطقة أيضاً من خلال منظار المصالح الاستراتيجية المركّبة المرتبطة بالتحولات الاقتصادية الأوسع في الإقليم، وبحسابات خطوط الإمداد للوقود والغاز، وبملف أمنها المائي، وما يتصل به من اعتبارات جيوسياسية متشابكة.

 وبهذا المعنى، يغدو الجنوب السوري عقدة مصالح متداخلة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، لأن أي تراجع عن الاستثمار فيها – كمنطقة نفوذ وضبط وإسناد – قد يفرض على إسرائيل كلفة أعلى لاحقاً، سواء على مستوى الردع الحدودي أو على مستوى حماية مصالحها الحيوية في بيئة إقليمية سريعة التحوّل.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
05.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes

يمكن فهم الدور الأميركي بوصفه سعياً إلى “شراء” مكسب سياسي – أمني قابل للتسويق، أو “صفقة” حسب تعبير دونالد ترامب، صفقة تتجاوز الجنوب السوري ذاته نحو سردية أوسع: واشنطن استطاعت تحويل سلطة ذات ماضٍ جهادي أو سلفي إلى طرف مندمج في منظومة “محاربة داعش” وضبط الاستقرار المحلّي.

تزداد في الآونة الأخيرة كثافة التسريبات التي تتحدث عن تفاهمات سورية – إسرائيلية برعاية أميركية، تُقدَّم أحياناً بوصفها ملامح “سلام منشود” يعيد صياغة خطوط الاشتباك في الجنوب السوري، مع منح السويداء وضعاً أمنياً خاصاً يرتبط بحماية الطائفة الدرزية وضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مصدر تهديد لإسرائيل. 

وفي بعض النسخ الأكثر إثارة، تذهب التسريبات إلى الحديث عن موافقة سلطات دمشق على صيغة شبيهة بـ”تأجير” هضبة الجولان لمدة 25 عاماً، عبر إعادة إنتاج التنازل بلبوس مؤقت، بما يُفرغ عملياً خطوط 1974 من مضمونها السيادي.

التدقيق في طبيعة هذه التسريبات يفرض قراءة أكثر تحفظاً على مستويات عدة، قانونية وسياسية. فالمطروح حتى الآن أقرب إلى هندسة أمنية مرحلية هدفها خفض المخاطر وتثبيت قواعد اشتباك مستحدثة، لا تسوية تاريخية تنهي الصراع. الفارق هنا جوهري؛ فالسلام بالمعنى القانوني والسيادي يتطلب اعترافاً متبادلاً، وتفاهمات حول ملفات سيادة شديدة التعقيد، في مقدمها الجولان، إضافة إلى شرعية داخلية سورية قادرة على تحمّل كلفة التحوّل وما يرافقه من انقسامات واعتراضات.

 هذه الشروط ليست متوافرة في سلطة دمشق التي تراهن على التوافقات الدولية، فيما تخسر رهانها الداخلي على توحيد البلاد سياسياً، أو تُظهِر عجزاً عن إنجاز ذلك إلا بأدوات القوة وما تخلّفه من تشققات مجتمعية إضافية.

في المقابل، يمكن بناء ترتيبات أمنية من دون المرور بأثمان سياسية كبرى، لأنها تنتمي إلى حقل “إدارة التهديد” أكثر مما تنتمي إلى حقل “حل النزاع”، وتقوم على مبدأ قابلية التحقق والقياس: تخفيض التسليح جنوباً، منع التموضع المعادي، ضبط الحدود، وإقامة آليات اتصال تمنع الاحتكاك والتصعيد غير المحسوب، هذه الملامح نقرأها في البيان السوري – الإسرائيلي المشترك الذي أصدره البيت الأبيض.

تضخيم هذه الإجراءات في الخطاب الإعلامي محاولة لتحويل “تفاهم تشغيلي” إلى “إنجاز سياسي”، وهو نمط مألوف في بيئات تفاوض غير متكافئة، حيث يُستخدم العنوان الكبير لتغطية مضمون محدود لكنه وظيفي ومفيد لجميع الأطراف في لحظته.

مكسب واشنطن: إعادة تدوير سلطة إشكاليّة إلى شريك ضد داعش

يمكن فهم الدور الأميركي بوصفه سعياً إلى “شراء” مكسب سياسي – أمني قابل للتسويق، أو “صفقة” حسب تعبير دونالد ترامب، صفقة تتجاوز الجنوب السوري ذاته نحو سردية أوسع: واشنطن استطاعت تحويل سلطة ذات ماضٍ جهادي أو سلفي إلى طرف مندمج في منظومة “محاربة داعش” وضبط الاستقرار المحلّي.

 هذا التحوّل لا يُقرأ بالضرورة بوصفه تحوّلاً أيديولوجياً عميقاً، بل بوصفه تحولاً وظيفياً تُفرض شروطه عبر حزمة من الحوافز والقيود في آن واحد: الاعتراف والغطاء مقابل الانضباط، والانفتاح الدولي مقابل الالتزام بعدم عودة التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، وإعادة إدماج سوريا تدريجياً مقابل تقديم تنازلات أمنية تتعلق بالجنوب وحدوده وترتيباته الميدانية.

وهنا يدخل العامل الخليجي بوصفه رافعة مكمّلة لهذا المسار؛ إذ تُدار الصفقة وفق قاعدة “الدعم مقابل الضبط”، حيث تصبح الموارد الخليجيّة أداة لتثبيت سلوك سياسي وأمني محدد، لا مكافأة مجانية. وفي حال ارتبط هذا المسار بمناخ سياسي أميركي يبحث عن إنجازات سريعة قابلة للعرض – كما في منطق “الصفقات الكبرى” الذي فضّله ترامب تاريخياً – فإن قيمة هذا المكسب تزداد: تهدئة حدودية، تقليص تهديد داعش، وإظهار انتقال لاعب إشكالي إلى موقع “الشريك” ضمن معادلة الأمن الإقليمي، من دون تورط عسكري أميركي واسع.

هذا كله يبقى رهناً بشرط حاسم: قدرة السلطة في دمشق على تحويل هذا التعهد إلى وقائع قابلة للاستمرار، لا إلى التزامات لفظية تنهار عند أول اختبار داخلي. وهو شرط صارم لأن صورة السلطة الجديدة لا تُختبر في ملفات داعش فقط، بل أيضاً في سجلها الداخلي، وفي كيفية إدارتها التوترات المجتمعية، ودرجة انضباط أجهزتها وفاعليها المحليين. 

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن عنف ذي طابع طائفي أو مناطقي افتراضاً تحليلياً بقدر ما أصبح واقعاً تُثبته الوقائع بعد عام من حكم الشرع؛ إذ برزت مجازر مارس/ آذار بحق العلويين في الساحل السوري، ثم جاءت مجزرة السويداء في تموز/ يوليو، حيث ارتكبت القوات التابعة للحكومة المؤقتة – بحسب توصيف منظمات دولية عدة – جرائم حرب موثّقة، وقد تعززت خطورة هذه المؤشرات مع التقرير المبدئي الذي قدّمه سبعة من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، بما يمنح هذا الملف بعداً قانونياً دولياً لا يمكن اختزاله في سرديات أمنية داخلية أو تبريرات سياسية ظرفية.

إضافة إلى ذلك، فإن انتقال مركز الثقل في التهديدات من ملف داعش إلى ملف الامتداد الكردي، يضع واشنطن أمام خيار إعادة ترتيب تحالفاتها، لا سيما بعد إضعاف شريكها الأكثر فاعلية ميدانياً ضد داعش، أي قوات سوريا الديمقراطية. فقد ساهمت الحملة الأخيرة التي شنتها قوات تابعة لسلطة دمشق على كل من الرقة ودير الزور، في تقليص هامش حركة “قسد”، فيما تقبع مناطق تمركزها تحت ضغط عسكري وأمني واقتصادي متصاعد، في سياق دفعها نحو “اندماج مفترض” يُقدَّم كتنفيذ لاتفاقية العاشر من آذار/ مارس. 

وبذلك لا يعود ملف محاربة داعش أولوية قائمة بذاتها، بل يتحول تدريجياً إلى ورقة ضمن إعادة توزيع النفوذ الداخلي، بما قد يفتح ثغرات أمنية جديدة أو يعيد إنتاج مخاطر مؤجلة تحت عنوان توحيد السلطة.

السويداء كاختبار للترتيبات لا كملفّ إنسانيّ

في المقابل، تتعامل إسرائيل مع هذه التفاهمات بمنطق مختلف جذرياً عن المنطق الأميركي؛ فهي لا تنظر إلى التحول كقصة سياسية قابلة للتصديق، بل كمعادلة أمنية تُختبر وتُراقب وتُردع. الخلفية الأيديولوجية للسلطة السورية الجديدة، وما تحمله من تناقض بنيوي مع وجود إسرائيل، تجعل تل أبيب تُسقط من حساباتها فكرة “السلام القائم على الثقة”، وتستبدلها بفكرة “الهدوء القائم على الضمان”. 

الضمان هنا ليس وثيقة، بل تصميم أمن حدودي يجعل النتائج مستقلة عن النوايا: منطقة منخفضة التسليح، منع للسلاح النوعي، قيود على التموضع، وآليات اتصال تمنع المفاجآت، مع بقاء اليد الإسرائيلية طليقة في الردع والتدخل عند الضرورة.

ضمن هذا المنطق، تتبدى السويداء لا باعتبارها ورقة تفاوض قابلة للتنازل، بل باعتبارها عقدة أمنية حساسة لا يجوز انفجارها. فالفوضى هناك تعني تهديداً مباشراً على تماس الجولان، وتفتح الباب أمام تموضع خصوم إسرائيل أو عودة شبكات متطرفة، وتخلق في الوقت نفسه كلفة سياسية داخل إسرائيل نفسها بحكم العلاقة الخاصة مع الدروز. لذلك لا يبدو منطقياً افتراض أن إسرائيل ستتخلى عن الدروز لصالح تفاهمات مع سلطة تراها غير مضمونة السلوك والاستمرارية؛ الأرجح أنها ستعيد تعريف “الحماية” من صيغة مباشرة إلى صيغة مشروطة عبر ترتيبات أمنية وضمانات وتهديدات ردعية، بما يحافظ على الاستقرار من دون التورط في إدارة المنطقة علناً.

هل نحن أمام “سلام”؟

السؤال الحقيقي ليس: هل نحن أمام سلام؟ بل: هل تستطيع الترتيبات الجديدة إنتاج هدوء قابل للاستمرار تحت ضغط ميزان قوى مختلّ؟ الإجابة ستظهر من اختبار واحد لا يخضع للدعاية: كيف ستُدار السويداء حين تتقاطع فيها الدولة والفواعل المحلية والضغوط الخارجية، وكيف ستتصرف إسرائيل إذا شعرت أن “الضمان” بدأ يتآكل. 

يبقى التضارب الأيديولوجي عائقاً لا يمكن القفز فوقه؛ صحيح أن السياسة تفتح باب البراغماتية حتى أمام أكثر الخصومات تطرفاً، لكن إسرائيل، بوصفها الفاعل الأكثر حساسية للأمن الحدودي، تقيس الأمور على أفق طويل. المعضلة في نظرها ليست فقط: ماذا تريد دمشق الآن؟ بل أيضاً: هل ستبقى دمشق قادرة على فرض ما تريده بعد خمس سنوات؟ وهل تمتلك بنية حكم تضمن استمرار الضبط، أم أن التفاهمات ستكون رهينة اهتزاز الداخل السوري وتبدّل الولاءات وتنافس مراكز القوى؟

لا تقتصر النظرة الإسرائيلية الى الجنوب السوري على زاوية أمن الحدود بمعناها العسكري المباشر، على رغم أنها المنطلق الأول والأكثر حسماً. فتل أبيب تنظر إلى المنطقة أيضاً من خلال منظار المصالح الاستراتيجية المركّبة المرتبطة بالتحولات الاقتصادية الأوسع في الإقليم، وبحسابات خطوط الإمداد للوقود والغاز، وبملف أمنها المائي، وما يتصل به من اعتبارات جيوسياسية متشابكة.

 وبهذا المعنى، يغدو الجنوب السوري عقدة مصالح متداخلة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، لأن أي تراجع عن الاستثمار فيها – كمنطقة نفوذ وضبط وإسناد – قد يفرض على إسرائيل كلفة أعلى لاحقاً، سواء على مستوى الردع الحدودي أو على مستوى حماية مصالحها الحيوية في بيئة إقليمية سريعة التحوّل.