بعد اعتصام اقترب من 90 يوماً للمطالبة بالحدّ الأدنى للأجور، ورغم عدم تقاضيهم رواتبهم للشهر الثالث، سوف يخضع صحافيو جريدة “البوّابة نيوز” المعتصمون في مقرّ نقابة الصحافيين في القاهرة، للمحاكمة في 22 شباط/ فبراير الحالي، في أولى جلسات محاكمتهم بتهمة قذف الإداري في الجريدة عبد الرحيم علي، بعد تقدّمه ببلاغ ضدّ عضوي مجلس نقابة الصحافيين إيمان عوف ومحمود كامل وعدد من صحافيي “البوّابة”.
في سياق متّصل، أُحيل عبد الرحيم علي إلى المحاكمة أيضاً، بتهمة الامتناع عن العمل بقرار الحدّ الأدنى للأجور، لما يُقارب 257 عاملاً في المؤسّسة، في 23 شباط/ فبراير الحالي.
وكان صحافيو “البوّابة” قد اعتصموا منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي داخل مقرّ الجريدة، بسبب رفض الإدارة مطالبة عدد منهم منذ ما يقرب من عقد كامل بالالتزام بالحدّ الأدنى للأجور، حيث كشفت الأزمة عن تقاضي الصحافيين ما يقرب من 1500 جنيه (35 دولاراً) شهرياً، وهو أقلّ من الحدّ الأدنى للأجور الذي أقرّته الدولة، والذي يبلغ 7000 جنيه (148 دولاراً).
ومع بداية العام الحالي، فوجئ صحافيو “البوّابة” المعتصمون داخل مقرّ جريدتهم، بهجوم من “بلطجية” في صورة حرّاس شخصيين، أجبروهم على إخلاء المقرّ، تنفيذاً لسلسلة من الإجراءات التي اتّخذتها الإدارة الممثّلة بالإعلامي عبد الرحيم علي وابنتيه، لإجبار المعتصمين منذ ما يقرب من شهرين على إخلاء المقرّ، شملت قطع الكهرباء والمرافق العامّة عن المقرّ.
وخلال الشهور الثلاثة الماضية، خاضت نقابة الصحافيين مع المعتصمين معركة من المفاوضات مع إدارة الجريدة، لإيجاد حلّ لأزمة الصحافيين بعيداً عن التصفية التي لوّحت بها الإدارة، قبل أن تعلنها رسمياً في بيان أصدرته في 5 كانون الثاني/ يناير الماضي، وعلّلت ذلك بتراكم خسائر الشركة المالكة للجريدة، لتصل إلى 24 مليون جنيه.
في المقابل اتّخذت نقابة الصحافيين إجراءاتها الرسمية المتمثّلة بشطب عبد الرحيم علي من جداول النقابة، وإقامة دعوى قضائية لوقف التصفية بسبب وجود نزاع عمّالي قائم، وهو ما يمنع التصفية طبقاً للقانون المصري.
“البوّابة نيوز” لم تكن الجريدة المصرية الوحيدة التي تواجه التصفية، فخلال أزمتها اندلعت أزمة صحيفة “الفجر”، وهي واحدة من أقدم الصحف المستقلّة في مصر، حيث أعلنت إدارة تسيير الأعمال في الصحيفة إغلاق مقرّها، وذلك بعد التوقّف عن طباعة العدد الورقي، وعن دفع رواتب الصحافيين لفترة طويلة.
وبحسب تدوينة للصحافية ميسون أبو الحسن إحدى العاملات في “الفجر”، فإن الصحيفة “توقّفت عن الطباعة منذ شهور طويلة، فيما توقّفت الرواتب منذ فترة أطول”، مشيرة إلى أن “قرار غلق المقرّ لم يكن بدافع التطوير أو إعادة الهيكلة، بل للتهرّب من دفع الإيجار”، وقالت: “هناك صحافيون أمضوا أكثر من عقد داخل المؤسّسة، وجدوا أنفسهم فجأة دون عقود، أو رواتب، أو حتى اعتراف مهني”.
إقرأوا أيضاً:
ولفتت أبو الحسن إلى أن “المالكين الجدد الذين اشتروا أسهم الجريدة، يرفضون الاعتراف بالعاملين الحاليين، أو تحمّل المسؤولية القانونية تجاههم، ما وضع كياناً صحافياً استمرّ نحو 20 عاماً على أعتاب التصفية”، في إشارة إلى “الشركة المتّحدة للخدمات الإعلامية”.
ومن الصحف الخاصّة إلى الصحف الحزبية، حيث تلوح أزمة جريدة “الوفد” المتكرّرة بسبب تأخّر صرف الرواتب، والمطالبة بالحدّ الأدنى، وعدم حصول الصحافيين على مكافأة نهاية الخدمة، وكان آخر الأزمات نهاية 2025، بعد اعتصام الصحافيين بسبب تأخّر صرف رواتبهم، ما دفع أحد المرشّحين لرئاسة حزب “الوفد”، للتبرّع بمبلغ راتب شهر، لأنهاء الأزمة بصورة مؤقّتة.
صحف متوقّفة
تُعتبَر مصر من أوائل الدول العربية التي عرفت الصحافة، رغم بدايتها كنشرة رسمية في عهد محمّد علي بإصدار ما عُرف بـ “جورنال الخديوي” في عام 1828، ثم جريدة “الوقائع الرسمية” في العام نفسه.
ومع الحراك السياسي الذي شهدته مصر منذ بداية الاحتلال البريطاني، وتزامناً مع الثورة العرابية، صدر العديد من الصحف منها “الأستاذ”، ومع ثورة 1919 زادت إصدارات الصحف رغم وجود الرقيب، لا سيّما في فترات الأحكام العرفية، حيث لم تتوقّف الإصدارات واستمرّ بعضها إلى الآن مثل “روزاليوسف” و”الأهرام”.
ومع “ثورة يوليو” 1952، قُيّدت حركة إصدار الصحف، بعد قرار مجلس قيادة الثورة بتأميمها، لتُعرف حينها بالصحف القومية، فيما سُمح بعد عودة الأحزاب السياسية المصرية بإصدار الأحزاب صحفاً خاصة.
وفي عام 1980، ومع رغبة السادات في الظهور بمشهد الرئيس الديمقراطي صدر قانون 148 لسنة 1980 المعروف بقانون تنظيم الصحافة، وهو القانون الذي سمح بإصدار الصحف الخاصّة أو المستقلّة، ليصبح لدى مصر ثلاثة أنواع من الصحف، هي: القومية، والحزبية، والخاصّة أو المستقلّة.
ومنذ العام 2005، ومع الحراك السياسي المنادي بعدم التمديد للرئيس الأسبق حسني مبارك أو توريث ابنه جمال، ظهرت حالة من السيولة في إصدار الصحف، فارتفع عددها من 71 في عام 2007 إلى 142 في عام 2010.
وبعد “ثورة يناير”، انخفض عدد الصحف المصرية إلى 102، قبل أن يسجّل عددها 67 في عام 2019، طبقاً لآخر نشرة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء حول عدد الصحف المصرية.
أزمات الصحف المتوقّفة دفعت نقابة الصحافيين للمرّة الأولى، إلى صرف ما يُعرف ببدل البطالة للصحافيين المصريين المتعطّلين، ممّا شكّل عبئاً جديداً على ميزانية النقابة.
اقتصاد مأزوم
خلال المؤتمر العامّ السادس للصحافيين في مصر الذي نُظّم في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، قال نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي “إن نحو 72% من الصحافيين يعيشون على أقلّ من الحدّ الأدنى للأجور، البالغ حينها 6000 الآف جنيه”.
ما قاله البلشي يتماشى مع الدراسة التطبيقية التي أعدّها الصحافي حمّاد الرمحي، عضو مجلس نقابة الصحافيين سابقاً والمتخصّص في اقتصاديات الإعلام، التي قال فيها “إن نحو 19% من الصحافيين يتقاضون أقلّ من 3 آلاف جنيه شهرياً، و40% أقلّ من 5 آلاف جنيه، فيما يعمل 20% بلا أجر على الإطلاق”، مؤكّداً أن “84% من الصحافيين لا يضمن لهم دخلهم حياة كريمة، في حين يحصل 2% فقط على أجر كافٍ، ويغادر 43% منهم المهنة من دون مكافأة نهاية خدمة”.
في المقابل تعتمد النسبة الأكبر من الصحافيين على ما يُعرف ببدل التدريب والتكنولوجيا، وهو مبلغ شهري تمنحه الدولة لكلّ صحافي عبر نقابة الصحافيين، ويبلغ حالياً 4500 جنيه (97 دولاراً) وتستخدمه الدولة في كلّ انتخابات لمحاولة دعم مرشّحها.
أزمة محتوى وتكتّل ملكية
في تصريحات سابقة لنقيب الصحافيين، رأى فيها أن “هناك أزمة في تكتّل الملكية في الصحافة المصرية، حيث تتوزّع الكتلة الأكبر من الصحف بين الصحف القومية، وصحف شركة المتّحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة بشكل غير رسمي للدولة أيضاً، التي تمّ إنشاؤها للسيطرة على المشهد الإعلامي المصري، بنقل ملكية أغلب الصحف المصرية إليها، بينما يتوزّع عدد صغير من الصحف بين الملكيات الخاصّة والصحف الحزبية”.
وفي التصريحات ذاتها، قال النقيب “إن هناك أزمة تتعلّق بالمحتوى، فالمواطن بسبب غياب حرّية الصحافة، لا يرى الصحافة المصرية معبّرة عنه، ولذلك انصرف عنها”.
ما قاله النقيب يظهر بوضوح في تراجع توزيع الصحف المصرية، بحسب التقرير السنوي للإحصاءات الثقافية للعام 2021، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، حيث بلغ عدد النسخ اليومية الموزّعة من الصحف التسعة اليومية الصباحية باللغة العربية 351 ألف نسخة، ليصل المتوسّط اليومي لتوزيع الصحيفة الواحدة إلى 39 ألف نسخة.
بحسب تقرير منظّمة “مراسلون بلا حدود” الصادر في عام 2025، فقد تراجعت مصر إلى المركز 170 من أصل 180 من حيث حرّية الصحافة، وأشار التقرير إلى حجب عدد من الصحف المصرية المستقلّة منها “مدى مصر” و”المنصّة”، بالإضافة إلى ملاحقة الصحافيين في هذه المنصّات وعلى رأسهم رؤساء التحرير، علاوة على حبس ما يقرب من 25 صحافياً مصرياً بتهم تتعلّق بنشر أخبار كاذبة أو الانضمام إلى جماعات ارهابية، فيما أتت مصر في المركز السادس عالمياً في حبس الصحافيين للعام 2024، يسبقها الصين وميانمار وإسرائيل وبيلاروسيا وروسيا.
وتسبّب قانون تنظيم الإعلام الصادر في عام 2018، في الحدّ من حرّية الصحافيين، مثل مطالبة الصحافيين بالحصول على تصريح من وزارة الداخلية قبل التصوير في الشارع، بالإضافة إلى منح صلاحيات واسعة تتيح للمجلس الأعلى للإعلام حجب المواقع والحسابات، التي يزيد عدد متابعيها عن 5 الآف، في حالات متعدّدة منها نشر أخبار كاذبة.
يتوقّع الصحافي المصري حمّاد الرمحي في مقدّمة دراسته، أن يمتدّ حريق الأجور في الصحف المصرية ليشمل عدداً كبيراً من الصحف التي لا يتقاضى محرّروها الحدّ الأدنى للأجور، الذي يضمن للصحافي حياة كريمة، إلا أن المؤكّد أن أزمات الصحافة المصرية لا تتركّز فقط في الدخل الكريم، إنما أيضاً في أزمة حرّية تجعل الصحافة المصرية عبارة عن نشرة تمّ إرسالها من جهاز “سامسونج”، لا تجذب المواطن، ولا يرى فيها سوى أنها “كلام جرايد”.












