انتشر في الأيّام الماضية مقطع فيديو يُظهر مقاتلاً يجلس، أو ربما يقف تحت شجرة، وتحوم حوله مسيّرة ثم تقترب منه فيغطي وجهه بيديه قبل أن تغتاله.
هو ليس المقطع الوحيد الذي ينشره الإعلام الحربي الإسرائيلي لأحد مقاتلي “حزب الله” أثناء تعقّبهم وتصفيتهم مباشرة أمام الكاميرا، ولكنّ هذا الفيديو مختلف، وبسبب فحوى اختلافه اكتسب على مواقع التواصل الاجتماعي تعاطف شريحة أوسع، علماً أن إظهار التعاطف ليس شرطاً حصرياً لوجوده.
أنا عادة لا أتأثّر بسرعة، وغالباً لا أُظهر تأثّري. إخفاء تأثّري بأيّ شيء هو أمر طبيعي جداً، فمكانه في داخلي، أما إظهاره فهو عادة المفتعل. أُبقيه في طبقة عميقة منّي. وعندما يطفو يكون بتحفّظ أو على مضضٍ لتلبية حاجات الآخرين إلى المشاركة.
لم يضطرّني أحد لمشاركة تأثّري من عدمه بمشاهد الشابّ المقاتل المحتمي بيديه. لكنّني أفهم جداً حاجة الآخرين إلى مشاركة هذا التأثّر، كما يمكنني القول إنني أفهم سبب توسّع شريحة التعبير عن هذا التأثّر.
الفيديو أظهر شابّاً أعزل، أو على الأقلّ لم تُظهر الصورة استحواذه على سلاح، ولا وجود سلاح في مكان على مقربة منه، أو يحاول الوصول إليه.
فإذاً هذا الشابّ كان مقاتلاً ومدنياً في الوقت عينه، مقاتلاً ولسبب ما مجرّداً من سلاحه. ربما خذله سلاحه قبل دقائق أو وقع منه أثناء ركضه الذي سبق احتماءه بشجرة، أو عندما حانت اللحظة تعطّلت قدرته على استخدامه أمام سطوة المسيّرة.
هذا الشابّ وفي تلك الدقائق القليلة وجد نفسه أمام حقيقة عارية. كان هو نفسه عارياً ليس فقط أمام مسيّرة، بل أمام كاميرا تصوّره وتصوّر المسيّرة الموجّهة نحوه، فيحتمي بيديه من مسيّرة وربما من الكاميرا أيضاً.
الشابّ في تلك اللقطة يحيل إلى الذاكرة مشاهد في ذاكرة أيّ منّا، وربما حتى من فيلم حيث يكون أحد شبّان الحيّ (أيّ حيّ) نحيلي البنية، يحاول الاختباء من أحد زعران الحيّ (أيّ حيّ) أقوياء البنية، الذي يركض خلفه قبل أن يتفرّد به، يمسكه وينهال عليه ضرباً.
الشابّ في الفيديو احتمى من المسيّرة كما يحتمي الشابّ نحيل البنية من صفعة أو قبضة قويّ البنية: أخفى وجهه بيديه العاريتين ليحميه، وكي لا يرى الضربة، وربما كي لا تتعرّف إليه الكاميرا.
وضعية جسمه، ومراقبته الهادئة والحائرة للمسيّرة، وعدم إتيانه بأيّ حركة حتى اللحظة الأخيرة عند احتمائه بيده، جعلته يبدو كمسافر عبر الزمن، انتقل من مكان إلى آخر فجأة، ليجد أنه من دون عتاد في أرض معركة.
أظنّ أن هذا الفيديو لن يعجب “حزب الله” ولا جمهوره، فليست هذه صورة المقاتل التي يريدها أن تنتشر. علماً أن هذا الشابّ قبل الصورة لا شكّ في أنه كان يقاتل ويستبسل في قتاله. ولكن لحظة التقاط الصورة كان مستسلماً لسطوة التكنولوجيا ومقرّاً بها وبعجزه وبغرابة الظرف والموقف.
كما أن التعاطف مع الشابّ لم يعجب كثراً من جمهور الحزب أو المقاومة (لمن يفرّق بين الاثنين، ويتّخذ موقفاً معارضاً للحزب ومؤيّداً للمقاومة)، وشكّكوا في صدق التعاطف وأنكروه على من أظهره، لأنه بالنسبة إليهم هذا التعاطف لا ينبغي أن يصدر عن معارضي الحزب ومؤيّدي قرارات الدولة المتأخّرة أصلاً، بسحب السلاح من عناصره وتوقيفهم.
إقرأوا أيضاً:
مؤيّدو الحزب يريدون تجريد معارضيه ومعارضي صواريخه الستّة وسلاحه المتفلّت ورصاص المآتم و B7 التشييعات، من أيّ مشاعر أخرى غير مشاعر خصومتهم للحزب وقياداته ومركز قراره. بالنسبة إليهم ممنوع على أيّ معارض للحزب أن يشعر بتعاطف أو حزن على شابّ مقاتل، لأن هذا التعاطف DON’T MIX مع الموافقة على حظر الحزب عسكرياً، ومحاولة الدولة لملمة ما يمكن لملمته من بسط سلطة الجيش، أو مفاوضات لوقف الحرب العبثية التي لم يساهم عنصر الصواريخ الستّة المفاجئة في وضع حدّ لِما كان يحصل على مدار 15 شهراً.
هذا الشابّ كان واقعا في ورطة. والمتعاطف كلّ من موقع ورطته تعاطف معه. التعاطف كان مع شابّ أعزل أمام مسيّرة، ومن أشخاص عزّل أمام مسيّرة أو طائرة حربية أو حتى جدار صوت، وأمام قرار فُرض عليهم ببدء حرب جديدة.
وبسبب هذا التشابه في الحال عبّر منّا من عبّر عن تعاطفه.
نحن – من أظهر ومن لم يُظهر – عند مشاهدة هذه اللقطة، تعاطفنا مع أنفسنا.
إقرأوا أيضاً:












