أثار تغيير كلمات أغنية “تعرف تتكلم بلدي” للفنانة لطيفة ردود فعل واسعة في مصر، حيث اعتبرها كثيرون خطوة تُعبّر عن تراجع الالتزام بالهوية الفنية لصالح المكاسب المالية، وبخاصة عندما تتجاوز هذه المكاسب الحفاظ على القيم التراثية والفنية للأغنية الأصلية.
لم ترَ فئة كبيرة من الجمهور في ما حصل مجرد تعديل بسيط في كلمات أغنية، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن توجّه أوسع نحو “خلجنة” الفن العربي ليخدم رؤى سياسية معينة، وهو ما يمكن اعتباره “تطويعاً” للفن ليتناسب مع رؤية ثقافية تتجنّب المواضيع السياسية الجدلية.
تعود أغنية “تعرف تتكلم بلدي” إلى فيلم “سكوت هنصور” للمخرج المصري يوسف شاهين، الذي عُرض عام 2001، وتعد الأغنية جزءاً من بنية الفيلم السينمائية. استخدم شاهين هذه الأغنية لتجسيد لحظة درامية معينة تخص الفيلم، لكن كثرة عرضها مع خفة لحنها المبهج لعمر خيرت منحتها مكانة خاصة في ذاكرة الجمهور، فالأغنية لم تكن مجرد عمل موسيقي منفصل، بل كانت جزءاً من “مُركّب” من عمل أوسع.
تغيرت كلمات الأغنية التي أدتها الفنانة التونسية لطيفة في احتفالية “تحدي القراءة” في دبي، من “تعرف تتكلم بلدي، وتشم الورد البلدي… وتعيش الحلم العصري يبقى إنت أكيد المصري” إلى: “تعرف تحيا بتحدي على كل الصعب تعدي، إيدك تستقوى بيدي يبقا أنت أكيد العربي. تعرف بالحب تنادي، دي بلاد العزة بلادي ورسولي نبض فؤادي”.
لحظة مفصليّة في الفن العربي
لم تكن تلك هي المحاولة الأولى من الإمارات لإعادة تغيير كلمات عمل شهير في الذاكرة الجمعية بعد تحويل مضمونه. ففي مارس/ آذار الماضي، أعادت الإمارات برعاية محمد بن راشد آل مكتوم، إنتاج “أوبريت الحلم العربي” بمضمون جديد ضمن مبادرة “صناع الأمل” التي تهدف الى دعم العمل الإنساني.
النسخة المعدلة من الأوبريت، التي أُطلقت بمشاركة فنانين عرب، جاءت خالية من أي إشارة إلى القضايا العربية الحساسة، بخاصة القضية الفلسطينية. توجّه يميل إلى “تعقيم” الأغنية، وجعلها تبدو مجرد رسالة عامة عن “الأمل” بمعزل عن الأزمات الواقعية التي يعاني منها الوطن العربي.
بالمقارنة مع النسخة الأصلية التي قُدمت عام 2000، كانت الأغنية تُعدّ رمزاً للتضامن العربي، وقد ظهرت في وقت حساس أثناء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لتكون بمثابة صوت فني للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومع الشعوب العربية التي تعاني من الاحتلال والاستبداد. لكن في النسخة الحديثة، أُفرغت الأغنية من أي معنى سياسي أو قومي، ما أثار انتقادات واسعة حول محاولات لتقزيم الفن العربي وتقديمه كوسيلة ترفيهية تتماشى مع سياسات معينة.
المحاولتان تثيران تساؤلات حول اتجاهات “تطويع” الفن ليتماشى مع رؤى معينة، وهي ظاهرة ليست بالجديدة لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة مع تدخل رأس المال الخليجي في دعم الإنتاجات الفنية، بتوجه فصل الفن عن القضايا التي تمثل وجدان الشارع العربي، وابتعاده عن دوره كوسيلة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية، كانعكاس للنهج المتصاعد الذي يسعى إلى تقديم الفن العربي في إطار “آمن” و”محايد” خالٍ من القضايا السياسية، وهو ما تكرر مع التغيير الذي تم على “تعرف تتكلم بلدي” والذي جعلها تبدو بعيدة من أصولها.
ردود فعل غاضبة من المثقّفين
لاقى تعديل كلمات الأغنية استياءً كبيراً بين المثقفين المصريين، واعتبر البعض أن هذه الخطوة بمثابة “سرقة” للتراث المصري وتحويله إلى سلعة تجارية تتماشى مع متطلبات الرعاة.
الناقد سمير درويش عبّر عن رفضه التعديلات، واصفاً التغيير بأنه “سقطة” للفنانين، مؤكداً أن هناك تراجعاً في وعي الفنانين بخصوصية أعمالهم. وقد تبعه الكثير من الكتاب والفنانين، منهم الشاعر عمر طاهر، الذي انتقد تغيير الكلمات، قبل أن يعرف أن جمال بخيت، مؤلف الأغنية الأصلية، هو من عدّل الكلمات بنفسه، بناء على الطلب نفسه الذي جاء لمدحت العدل.
يعد تأثير رأس المال الخليجي على الإنتاج الفني جزءاً من مسألة أعمق تتعلق بعلاقة المال بالثقافة، إذ يتزايد تدخل المؤسسات الخليجية في تمويل الإنتاجات الفنية، ويفرض هذا التمويل قيوداً تتوافق مع سياسات الدول الممولة، ما يؤدي إلى تطويع الفن وجعله يتماشى مع أجندات معينة.
ومن هنا، قد يُنظر إلى تغيير كلمات “تعرف تتكلم بلدي” كجزء من هذا التوجه الذي يسعى إلى تقديم صورة “آمنة” للفن، تتجنب القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل.
تأثير رأس المال الخليجي على الإنتاج الفني
يرى الباحث محمد نعيم أن تحالفاً عربياً جديداً تشكل في العقد الماضي، يتسم بـ”روح الصهيونية” وإن لم يتبنَّ سرديتها المباشرة، ويعمل على فرض هيمنة اقتصادية وثقافية على المنطقة.
هذا التحالف، وفقاً لنعيم، يستمد قوته من رؤوس الأموال الخليجية التي توحدت وتغلغلت في القطاعات الحيوية في العالم العربي، ونجحت في تسبيط الثقافة والإنتاج المعرفي العربي، وتشكيل طبقة جديدة من المستثمرين تسيطر على مشاريع الترفيه والإعلام. هذه الهيمنة تتجاوز الاقتصاد لتشمل التأثير في وجدان الشعوب، حيث يُعاد تشكيل الهوية العربية لتناسب “أجندات بعيدة من الهوية الأصلية”.
ويضيف نعيم أن “عروبتنا” اليوم باتت تحمل طابعاً مادياً ومعاصراً، لم تعد مجرد رابطة وجدانية أو دعوة ثقافية، بل صارت واقعاً تفرضه القوة الاقتصادية الخليجية على المشهد العربي.
هذه “العروبة الاقتصادية” الجديدة تخلق توازناً غير مريح، يجبر النخب الثقافية والسياسية على التكيف مع شروط رأس المال الخارجي، بينما تخلق في الوقت ذاته تناقضات داخلية مع شعوبها، التي تشعر بالاغتراب عن هويتها الأصلية بفعل هذا النفوذ.
ربط نعيم بين هذا التحالف وتأثيره على الثقافة المصرية، شارحاً كيف أن هذه الهيمنة تمتد إلى المجال الفني، بحيث تتدخل رؤوس الأموال الخليجية في توجيه الإنتاج الفني المصري، وتجعل الفن المصري أقرب الى إرضاء الأجندات الاقتصادية والسياسية لهذه الدول، بعيداً من القضايا الوطنية التي تمس وجدان الشعب المصري، مثل القضية الفلسطينية.
لماذا يدفع الإماراتيون مبالغ باهظة مقابل الرداءة؟
رغم ذلك، تأتي المفارقة أن الأغنية الأصلية سيئة في الأساس، ولا تقل رداءة عن أوبريت الحلم العربي، وهو ما يصير موضوعاً للسخرية، لماذا يدفع الإماراتيون رغم تقدّم مواطنيهم على المستوى المهني والمعرفي في العقود الأخيرة، مالاً في تلك الرداءة؟
حاول تامر عزت، مساعد المخرج والمونتير الذي عمل مع يوسف شاهين في فيلم “سكوت هنصور” الإجابة، إذ عبر في منشور له على فيسبوك عن استغرابه من الجدل الدائر حول تغيير كلمات أغنية “تعرف تتكلم بلدي” التي قدمتها الفنانة لطيفة.
يوضح عذت أن الأغنية لم تكن مجرد أغنية مستقلة، بل كانت جزءاً من السياق الدرامي للفيلم، وقد سمع الأغنية مئات المرات خلال فترة المونتاج في عام 2000، ويقول إنه كلما استمع إليها خارج سياق الفيلم يشعر بأنها مليئة بـ”التوابل الدرامية” والمبالغة التي تنتمي الى عالم سينمائي غير واقعي.
يشرح عذت أن فيلم “سكوت هنصور” بكامله كان يحتوي على لغة سينمائية كاريكاتيرية مقصودة، سواء في مشاهد طيران مصطفى شعبان وروبي في البحر، أو خروج عيني أحمد بدير من مكانها كأنها من أفلام الكرتون.
يعتبر عذت أن هذه المبالغات كانت جزءاً من أسلوب سردي اتبعه شاهين، بهدف خلق “كوميديا على الطريقة الشاهينية” التي قد تروق للبعض وتثير تساؤلات آخرين، لكنها تتسم بـ”التناسق مع رؤية المخرج الذي كان يعرف تماماً ما يفعله”.
يشير عذت أيضاً إلى أن الأغنية في سياق الفيلم كانت تعكس لهجة مصرية، وكلما تم سحبها من هذا السياق وعرضها كأغنية مستقلة يصبح فهمها صعباً، بخاصة لدى جمهور غير مصري. وعند تغيير كلماتها أخيراً لتتناسب مع حفل في دولة عربية أخرى، يعتبر عذت أن الأمر قد زاد من مستوى “الكاريكاتير” في العمل بشكل يتجاوز ما كان مقصوداً في الفيلم.
ويختم عذت بأن يوسف شاهين، لو كان حياً، ربما كان سيسخر من الجدل الحالي، فقد قدم هذه الكوميديا و”الكيتش” في الفيلم عن قصد، وكأنه يضحك في سره على من أخذها بجدية وحوّلها إلى رمز ثابت، ويقول في عقله: “صدقوا الكيتش اللي عملته عن قصد وحولوه لحقيقة”.
لكن هذا الكلام مردود عليه بحسب الكاتب والشاعر محمد خير، فمن يسمع أغنية مثل “أنا وطني بانشد وبطنطن” من فيلم “سمع هس” يدرك تلقائياً أنها ليست أغنية وطنية جادة، ولا يحتاج الى أحد يشرح له أن الأغنية تحمل طابعاً ساخراً أو أنها بارودي.
يُلمح خير في رده إلى أن الأعمال الساخرة أو المبالغ فيها تستطيع أن تصل الى الجمهور من دون الحاجة الى تفسير مقاصدها. بينما التبريرات التي قدمها تامر عزت تعكس، من وجهة نظره، ضعفاً في القدرة على تقديم فكرة واضحة ومتّسقة، بحيث يشعر الجمهور بضرورة توضيح ما إذا كانت المبالغة مقصودة أم لا، ما يضعف تأثير العمل ويفتح باباً للجدل الذي نشهده الآن.
جمال بخيت يوضح موقفه
في ردّه الأول على الجدل الدائر حول تغيير كلمات أغنية “تعرف تتكلم بلدي”، أوضح الشاعر جمال بخيت أنه تلقى طلباً من أحد المسؤولين في مبادرة “تحدي القراءة” الإماراتية لتقديم أغنية لمناسبة الحفل الثامن للمبادرة.
وقد اتفق مع الموسيقار عمر خيرت على إعادة استخدام اللحن الأصلي للأغنية مع كلمات جديدة تتناسب مع أهداف المبادرة. وأكد بخيت أنه كان حراً تماماً في كتابة نص جديد يتماشى مع روح “تحدي القراءة”، والتي تركز على أهمية العلم والمعرفة كوسيلة لمواجهة التحديات العربية.
أوضح بخيت أن النص الجديد لا يستبدل النص الأصلي، بل هو نص “موازٍ”، حيث أن الأغنية الأصلية ما زالت متاحة في الفيلم وفي وجدان الجمهور. وقد اختار الرموز العربية الكبيرة في نصه الجديد، مثل الرسول الكريم، القرآن، القدس، وعمر بن الخطاب، ليعبر عن قيم العلم والفكر التي تلهم الأمة العربية.
الناقد الفني إسلام عاكف، من قناة “ستوديو عاكف”، ينتقد التعديلات التي أجراها عمر خيرت وجمال بخيت على أغنية “تعرف تتكلم بلدي”، واصفاً هذه التغييرات بأنها دليل على سوء فهم لطبيعة العلاقة بين الكلمات والموسيقى. ويرى أن استبدال الأسماء المصرية الشهيرة مثل نجيب محفوظ وأحمد زويل برموز دينية، يخرج الأغنية عن سياقها ويمنحها طابعاً غريباً.
يعتبر عاكف أن إدخال رموز دينية في سياق أغنية تحمل طابعاً درامياً مصرياً يمسّ قداستها، لأن هذه الرموز عادةً ما تُقدم بمقامات موسيقية أكثر خشوعاً، مثل مقام الراست أو الحجاز. ويضيف أن الربط بين شخصية فنية مثل أم كلثوم وسورة من القرآن يخلق تناقضاً في ذهن المستمع ويجعله ينفصل عن العمل الفني.
يرى عاكف أن هذه التعديلات تبدو عشوائية وتفتقر الى المنطق الفني، مشيراً إلى أنها جعلت العمل يبدو وكأنه استجابة تجارية لأجندات خارجية، أفقدته أصالته وروحه المصرية.
نواف الغامدي يكتب التاريخ
تغيير كلمات “تعرف تتكلم بلدي” ليصبح مضمونها أقرب إلى الخطاب الخليجي الأوسع عن “العروبة” أو “الأمل”، وليس “الوطنية المصرية”، يبرز تحولاً ثقافياً أوسع؛ إذ يتم توجيه الإنتاج الفني المصري ليخدم أجندات قد لا تتوافق مع القضايا والهموم الشعبية، كما حدث في موضوع “أوبريت الحلم العربي” و”تعرف تتكلم بلدي”.
هذا النهج، الذي يشبه إسكتش “الخلجنة” في مسرحية “قهوة سادة”، يكشف عن عملية “خلجنة” للفن المصري، إذ يعاد تشكيل الرموز الوطنية المصرية لتناسب رؤية خليجية تستثمر في الفن المصري وفق أهداف مختلفة.
يبدو أن تحديات “الخلجنة” وتحويل الأغاني الوطنية المصرية إلى رسائل عامة تتوافق مع سياسات ترويجية، قد أفقدت الفن المصري أصالته وارتباطه بالواقع المحلي، حيث يتم استبدال الأغاني ذات البعد القومي بنسخ “معقمة” من أي مضمون سياسي أو وطني.










