ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

تفتيش واعتقال: هل عاد رهاب “الحواجز” الأمنية في سوريا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الخوف من الحاجز أحد أبرز “الفوبيات” السورية، تلك الغرف البيتونية مُسبقة الصنع، وألواح التوتيا والفواصل الإسمنتية الثقيلة التي تقطع أوصال البلد، وتشكّل نقاط التماس الأولى بين السلطة والمواطنين. شكل الحاجز مصدر رعب للكثيرين منذ عام 2011، إذ استوطن يوميات السوريين، وتحول إلى روتين قسري.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“لولا أوامر الشيخ كنا صفيناكم كلكم”، بهذا التهديد خاطب عنصر أمني ملثم ومسلح طلاباً من مدينة سلمية داخل حافلة تقلهم إلى جامعاتهم.

أحمد، وهو طالب طب كان ضمن من تعرضوا للتهديد، يقول لـ”درج”: “بعد التهديد، وبّخني بسبب جلوسي بجانب زميلتي وصادر هاتفي، لينتهي الموقف بصعود عنصر آخر أنزله وأعاد الجوال إليّ قائلاً للسائق: تيسّر”.

لم تنته مخاوف أحمد ومن معه في الباص من تكرار “الحادثة” إلا بعد تدخل وساطات دينية من أحد خوارنة المنطقة، هذه الحادثة تكشف أحد أوجه الحواجز الأمنية في سوريا الجديدة ، حيث تذوب الوظيفة العسكرية بالوصاية الشرعية بالمتطلبات الأمنية، ويصبح احتمال عبور أي حاجز مرتبطاً بمزاج العنصر وخلفيّته الأيديولوجية. 

هل هزم “الحاجز”؟

الخوف من الحاجز أحد أبرز “الفوبيات” السورية، تلك الغرف البيتونية مُسبقة الصنع، وألواح التوتيا والفواصل الإسمنتية الثقيلة التي تقطع أوصال البلد، وتشكّل نقاط التماس الأولى بين السلطة والمواطنين. شكل الحاجز مصدر رعب للكثيرين منذ عام 2011، إذ استوطن يوميات السوريين، وتحول إلى روتين قسري يستدعي الوقوف في طوابير لا نهائية، حيث تستهلك عمليات تفتيش الحافلات والركاب والحقائب ساعات طويلة من الخوف والترقب والانتظار.

انهار النظام نهاية عام 2024، وسقطت معه رهبة الحاجز، وتدفق السوريون في شوارع مدنهم للمرة الأولى منذ سنوات بعدما تفككت الرقابة الأمنية. الفراغ الذي تلى فرار الأسد، أوحى بانتصار على سطوة الإسمنت في الشوارع، قبل أن تعود الماكينة الأمنية تدريجاً وإحكام عناصر وزارة الدفاع والأمن العام (هيئة تحرير الشام سابقاً) على مفاصل الدولة، والحواجز!

استعادت الحواجز الجديدة حضورها في الشوارع، وقد شهدت تبايناً واضحاً في التعاملات بمختلف المناطق، حيث ترواح بعضها بين العبور بسلاسة وبين استرجاع الممارسات القديمة بطابع متشدد عبر سؤال الانتماء الديني، ومظاهر الاستقواء، وتفتيش خصوصيات العابرين بدون إذن رسمي.

هذا التباين يرجع الى اختلاف خلفية العناصر الأمنية ومناطق انتشارهم، فمنهم من انتسب حديثاً ومنهم من جاء من مناطق متشددة إلى مناطق تعاني من حساسيات أمنية كالساحل والسويداء وبعض أرياف حمص، وهذا ما يتضح في مفارقة “الشورت الرجال”، إذ تعرض البعض للضرب والشتم لارتدائهم الشورت في سياراتهم الشخصية في دمشق.

“مصائد أمنية” واعتقالات تعسفية

خلال المجازر  التي شهدتها مناطق الساحل في آذار/ مارس العام الماضي وما تلاها، تحولت الحواجز من نقاط تفتيش إلى مصائد أمنية ومراكز استجواب، إذ انتشرت القوات بكثافة وتمركزت عند المداخل الأساسية للأحياء، وطبقت أساليب تحقيق مع المارين، من تدقيق في الهويات، إلى مصادرة الهواتف المحمولة، وصولاً الى طرح سؤال: أنت مسلم أو علوي؟  

يروي حيدر (اسم مستعار، 25 عاماً، طالب جامعي) من طرطوس تجربته قائلاً: “أثناء زيارتي بيت جدي خلال المجازر، أجبرني أحد الحواجز على فتح هاتفي الشخصي، وتفتيش محادثاتي بعد سؤاله عن طائفتي، وعلى رغم حذفي المنشورات، إلا أن متابعتي لصفحات تعارض الحكومة الانتقالية عرضتني للمضايقة”.

تزايدت الشكاوى تجاه هذا النهج الذي تكرر في مناطق عدة كمحاولة لإخفاء الجرائم ومنع توثيقها، كما شهدت حواجز الساحل عمليات اعتقال لعناصر أمن سابقين في صفوف نظام الأسد على رغم إصدارهم بطاقات التسوية، في غياب أي مساءلة قانونية واضحة تُثبّت مسؤولياتهم أو تنفي تورّطهم حتى اليوم، ما اضطرّ كثيرين منهم إلى البقاء داخل منازلهم خوفاً من الاعتقال العشوائي.

رقابة على أجساد النساء؟

امتدت سطوة الحاجز لتطاول أجساد النساء أيضاً، وقد ظهرت في صيغ عدة، كان أبرزها وضع بعض عناصر الحواجز الأمنية ملصقات داخل الحافلات تدعو إلى الاحتشام وارتداء اللباس الشرعي وعدم جلوس الرجال بجانب النساء، وإفتاء خطابات مباشرة للركاب، وأحياناً نقلهم من مقاعدهم.

تذكر هبة (اسم مستعار، 27 عاماً، صيدلانية) من المزة 86 ذات الغالبية العلوية: “في طريق عودتي من عملي، أوقفني أحد العناصر بالقرب من منطقتي قائلاً: ما بتعرفي انو هاللبس ممنوع؟”، واستذكرت مواقف لصديقاتها اللواتي تعرضن لمضايقات مشابهة تتعلق بالشعر واللباس. أما في دمشق وريفها فقد تعرض عدد من الأشخاص إلى التوقيف بسبب سيرهم بجانب النساء، والمطالبة بتقديم وثائق رسمية تثبت نسبة القربى بينهم.  

حواجز السويداء… معابر التعفيش والموت 

أثارت حادثة اعتقال مجموعة من ناشطي السويداء وناشطاتها عند أحد حواجز الأمن العام في حمص خلال توجههم إلى الرقة في نيسان/ أبريل الماضي، استياءً جماعياً، بعدما اقتيدوا إلى سجن حارم في إدلب حيث تعرضوا لتعذيب واعتداءات جسدية وإهانات لفظية، وقد كانت تلك الحادثة أول التجاوزات العلنية من الحواجز الجديدة.

تسللت هذه الممارسات إلى الحواجز المحيطة بمحافظة السويداء، بعدما تمركزت في ثلاث نقاط رئيسية، وهي بالتتالي: حاجز المسمية، حاجز العادلية، وحاجز قصر المؤتمرات، وجميعها تخضع لسيطرة قوات الحكومة الانتقالية. 

وأُضيف لاحقاً حاجزا الصّورة والمتونة بعد الاجتياح العسكري في تموز/ يوليو الماضي لمحافظة السويداء الذي طاول قرابة 35 قرية، إذ أصبحا الخط الفاصل بين مناطق سيطرة قوات الحكومة الانتقالية والفصائل المحلية. وقد اتخذت هذه الحواجز مساراً أكثر تشدداً من باقي المحافظات.

ما قبل مجازر تموز

قبل مجازر السويداء، بدأت شكاوى أهالي المحافظة تتزايد بشأن تعرض عدد منهم، طلاباً ومدنيين، إلى مضايقات شملت التفتيش المهين والاستفزازات اللفظية والترهيب النفسي. وقد وصل بعضها إلى الاعتداء على المدنيين وسرقة ممتلكاتهم كما حدث مع المحامي عادل الهادي الذي تعرض لتفتيش سيارته وسرقة أمواله من 6 عناصر من الأمن العام وفقاً لما رواه، بعد إيقافه عند حاجز المسمية.

كما تعرض كلٌّ من شفيق غرز الدين وعامر عبيد لسرقة مبالغ مالية طائلة، ومصادرة أسلحتهما وسيارتيهما بعد تفتيشهما، وقد أشار الأهالي إلى أن الحاجز قام بتأخير مرورهما لحين وصول العناصر المعتدية.

ومن أبرز تلك الانتهاكات التي شكلت الشرارة الأولى للاشتباكات، كان الاعتداء الذي طاول تاجر الخضراوات فضل الله دوارة من مسلحين في المناطق الخاضعة لسيطرة الأمن العام بالقرب من أحد الحواجز، بعد ضربه وسرقة سيارته وأمواله.

خلال مجازر تموز

خلال المجازر، تحوّلت الحواجز المنتشرة على المداخل الشمالية والغربية إلى معابر لتسهيل مرور نفير الفصائل العشائرية التي ارتكبت مجازر استمرت لأيام. وعقب الهدنة، رُصد تدفّق منتظم لسيارات “التعفيش” من جهتي دمشق ودرعا لنهب المنازل، أمام صمت الحواجز الرسمية الثلاثة التي لم تمنعهم. وفي حين برّرت الحكومة الانتقالية ما حدث بأنه فعل عناصر منفلتة، يبقى التساؤل معلّقاً حول دور حواجزها في ضبط الأمن وحماية ممتلكات المهجّرين.

بالتوازي مع تسهيل النهب، فرضت هذه النقاط حصاراً خانقاً عرقل وصول المساعدات الأممية، ومنع دخول الوقود والطحين. يروي أحد مطارنة السويداء (فضّل عدم ذكر اسمه)، والذي أشرف على جمع التبرعات في دمشق وريفها: “استطعنا جمع تبرعات مادية وتأمين مواد غذائية وطبية لإيصالها إلى السويداء، بمساعدة جمعيات وسيارات الهلال الأحمر في جرمانا، إلا أن السيارات توقّفت عند حاجز المسمية ومُنعت من الدخول، وبعد الضغط الإعلامي سُمح بمرور بعض المواد بعد تقليصها، ومصادرة الطحين بشكل أساسي منها”.

ما بعد مجازر تموز

توجّه (ج.س، 54 عاماً) من دمشق لزيارة والديه في السويداء، حاملاً مؤونة من السكر والأرز والطحين وبعض الأدوية، إلا أن الحاجز صادر الطحين بحجة تنفيذ الأوامر الرسمية حسب تصريحه لـ”درج”. أما الطلاب الجامعيون فقد أصبح عبورهم من الحواجز يستدعي “تفييشاً رقمياً”،  إذ أفاد عدد من الطلاب لـ”درج” بأن عناصر الحاجز، جمعوا أسماء الركاب وفتشوا في صفحات الفيسبوك عن أي منشورات تناصر الفصائل المحلية أو تثبت حملهم السلاح، ما دفع شركات النقل الى تعميم توصيات شفهية بحذف المحتوى الرقمي بالكامل والتأكد من خلو الهاتف من أي مساس سياسي أو ديني، ما دفع كثراً من الطلاب إلى ترك تعليمهم خوفاً من الاعتقالات التعسفية التي طاولت عدداً من الشبان الدروز المسافرين، كان آخرها اعتقال شاب من قرية مَلح واقتياده الى جهة مجهولة.  

كما شهدت المناطق المجاورة للحواجز استهدافات متكررة للحافلات بإطلاق نار عشوائي، أسفر أحدها عن مقتل شاب وفتاة وإصابة ستة آخرين بينهم طفلان، بعد استجواب الركاب عن انتمائهم الديني. 

المهجرون من السويداء واجهوا شروطاً قسرية للوصول إلى منازلهم، شملت سحب الجوالات وأحياناً منع إخراج ما نجا من التعفيش. يروي (ط.خ، 41 عاماً) نازح من المتونة لـ”درج”، كيف مُنع من تمرير ثياب أطفاله المقيمين في مراكز الإيواء. يقول: “وجدت قطعتي ثياب بباحة المنزل، لكن الحاجز صادرهم وقال في أوامر تمنع نقل أي شي لداخل السويداء”.

منعت هذه الحواجز دخول الوقود أيضاً، يذكر السائق (ن.م، 50 عاماً) لـ”درج”: “نزلت نحو الشام لتعبئة بيدونين بنزين، لكن أمن الحاجز صادرهم وأعطاني وصل لاسترجاعن عند عودتي لدمشق فقط، ولما رجعت بعد أيام مزّق الوصل وطردني بقوله: ما إلك شي عنا”.

تكررت الحادثة مع لؤي (اسم مستعار، تاجر) الذي حاول إدخال صهريج صغير من مازوت التدفئة، ليفتح أمن حاجز المتونة الصنبور عمداً ويسكب المازوت على الأرض بعد مشادة كلامية، بينما قام عناصر آخرون بتعبئة بيدوناتهم.

بلغت هذه المزاجية ذروتها في البلدة نفسها، بمقتل خمسة شبان إثر إطلاق الرصاص عليهم أثناء قطافهم الزيتون، على رغم حيازتهم تصاريح رسمية من الحاجز. 

تبريرات كثيرة يمكن أن تُساق لسبب وجود الحواجز في ظل مخاوف أمنية لا تزال موجودة في سوريا،  لكن لا يمكن إنكار أنها أسلوب لضبط حركة الأجساد، والتأديب السياسي إن دعت الحاجة، ووسيلة لضبط سلوك الشارع وتطويعه، خصوصاً في السياق السوري حيث تشكل “الحواجز” خوفاً لا يزال مستمراً بعد سقوط النظام، ولم يغادر الكثيرين…

27.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

الخوف من الحاجز أحد أبرز “الفوبيات” السورية، تلك الغرف البيتونية مُسبقة الصنع، وألواح التوتيا والفواصل الإسمنتية الثقيلة التي تقطع أوصال البلد، وتشكّل نقاط التماس الأولى بين السلطة والمواطنين. شكل الحاجز مصدر رعب للكثيرين منذ عام 2011، إذ استوطن يوميات السوريين، وتحول إلى روتين قسري.

“لولا أوامر الشيخ كنا صفيناكم كلكم”، بهذا التهديد خاطب عنصر أمني ملثم ومسلح طلاباً من مدينة سلمية داخل حافلة تقلهم إلى جامعاتهم.

أحمد، وهو طالب طب كان ضمن من تعرضوا للتهديد، يقول لـ”درج”: “بعد التهديد، وبّخني بسبب جلوسي بجانب زميلتي وصادر هاتفي، لينتهي الموقف بصعود عنصر آخر أنزله وأعاد الجوال إليّ قائلاً للسائق: تيسّر”.

لم تنته مخاوف أحمد ومن معه في الباص من تكرار “الحادثة” إلا بعد تدخل وساطات دينية من أحد خوارنة المنطقة، هذه الحادثة تكشف أحد أوجه الحواجز الأمنية في سوريا الجديدة ، حيث تذوب الوظيفة العسكرية بالوصاية الشرعية بالمتطلبات الأمنية، ويصبح احتمال عبور أي حاجز مرتبطاً بمزاج العنصر وخلفيّته الأيديولوجية. 

هل هزم “الحاجز”؟

الخوف من الحاجز أحد أبرز “الفوبيات” السورية، تلك الغرف البيتونية مُسبقة الصنع، وألواح التوتيا والفواصل الإسمنتية الثقيلة التي تقطع أوصال البلد، وتشكّل نقاط التماس الأولى بين السلطة والمواطنين. شكل الحاجز مصدر رعب للكثيرين منذ عام 2011، إذ استوطن يوميات السوريين، وتحول إلى روتين قسري يستدعي الوقوف في طوابير لا نهائية، حيث تستهلك عمليات تفتيش الحافلات والركاب والحقائب ساعات طويلة من الخوف والترقب والانتظار.

انهار النظام نهاية عام 2024، وسقطت معه رهبة الحاجز، وتدفق السوريون في شوارع مدنهم للمرة الأولى منذ سنوات بعدما تفككت الرقابة الأمنية. الفراغ الذي تلى فرار الأسد، أوحى بانتصار على سطوة الإسمنت في الشوارع، قبل أن تعود الماكينة الأمنية تدريجاً وإحكام عناصر وزارة الدفاع والأمن العام (هيئة تحرير الشام سابقاً) على مفاصل الدولة، والحواجز!

استعادت الحواجز الجديدة حضورها في الشوارع، وقد شهدت تبايناً واضحاً في التعاملات بمختلف المناطق، حيث ترواح بعضها بين العبور بسلاسة وبين استرجاع الممارسات القديمة بطابع متشدد عبر سؤال الانتماء الديني، ومظاهر الاستقواء، وتفتيش خصوصيات العابرين بدون إذن رسمي.

هذا التباين يرجع الى اختلاف خلفية العناصر الأمنية ومناطق انتشارهم، فمنهم من انتسب حديثاً ومنهم من جاء من مناطق متشددة إلى مناطق تعاني من حساسيات أمنية كالساحل والسويداء وبعض أرياف حمص، وهذا ما يتضح في مفارقة “الشورت الرجال”، إذ تعرض البعض للضرب والشتم لارتدائهم الشورت في سياراتهم الشخصية في دمشق.

“مصائد أمنية” واعتقالات تعسفية

خلال المجازر  التي شهدتها مناطق الساحل في آذار/ مارس العام الماضي وما تلاها، تحولت الحواجز من نقاط تفتيش إلى مصائد أمنية ومراكز استجواب، إذ انتشرت القوات بكثافة وتمركزت عند المداخل الأساسية للأحياء، وطبقت أساليب تحقيق مع المارين، من تدقيق في الهويات، إلى مصادرة الهواتف المحمولة، وصولاً الى طرح سؤال: أنت مسلم أو علوي؟  

يروي حيدر (اسم مستعار، 25 عاماً، طالب جامعي) من طرطوس تجربته قائلاً: “أثناء زيارتي بيت جدي خلال المجازر، أجبرني أحد الحواجز على فتح هاتفي الشخصي، وتفتيش محادثاتي بعد سؤاله عن طائفتي، وعلى رغم حذفي المنشورات، إلا أن متابعتي لصفحات تعارض الحكومة الانتقالية عرضتني للمضايقة”.

تزايدت الشكاوى تجاه هذا النهج الذي تكرر في مناطق عدة كمحاولة لإخفاء الجرائم ومنع توثيقها، كما شهدت حواجز الساحل عمليات اعتقال لعناصر أمن سابقين في صفوف نظام الأسد على رغم إصدارهم بطاقات التسوية، في غياب أي مساءلة قانونية واضحة تُثبّت مسؤولياتهم أو تنفي تورّطهم حتى اليوم، ما اضطرّ كثيرين منهم إلى البقاء داخل منازلهم خوفاً من الاعتقال العشوائي.

رقابة على أجساد النساء؟

امتدت سطوة الحاجز لتطاول أجساد النساء أيضاً، وقد ظهرت في صيغ عدة، كان أبرزها وضع بعض عناصر الحواجز الأمنية ملصقات داخل الحافلات تدعو إلى الاحتشام وارتداء اللباس الشرعي وعدم جلوس الرجال بجانب النساء، وإفتاء خطابات مباشرة للركاب، وأحياناً نقلهم من مقاعدهم.

تذكر هبة (اسم مستعار، 27 عاماً، صيدلانية) من المزة 86 ذات الغالبية العلوية: “في طريق عودتي من عملي، أوقفني أحد العناصر بالقرب من منطقتي قائلاً: ما بتعرفي انو هاللبس ممنوع؟”، واستذكرت مواقف لصديقاتها اللواتي تعرضن لمضايقات مشابهة تتعلق بالشعر واللباس. أما في دمشق وريفها فقد تعرض عدد من الأشخاص إلى التوقيف بسبب سيرهم بجانب النساء، والمطالبة بتقديم وثائق رسمية تثبت نسبة القربى بينهم.  

حواجز السويداء… معابر التعفيش والموت 

أثارت حادثة اعتقال مجموعة من ناشطي السويداء وناشطاتها عند أحد حواجز الأمن العام في حمص خلال توجههم إلى الرقة في نيسان/ أبريل الماضي، استياءً جماعياً، بعدما اقتيدوا إلى سجن حارم في إدلب حيث تعرضوا لتعذيب واعتداءات جسدية وإهانات لفظية، وقد كانت تلك الحادثة أول التجاوزات العلنية من الحواجز الجديدة.

تسللت هذه الممارسات إلى الحواجز المحيطة بمحافظة السويداء، بعدما تمركزت في ثلاث نقاط رئيسية، وهي بالتتالي: حاجز المسمية، حاجز العادلية، وحاجز قصر المؤتمرات، وجميعها تخضع لسيطرة قوات الحكومة الانتقالية. 

وأُضيف لاحقاً حاجزا الصّورة والمتونة بعد الاجتياح العسكري في تموز/ يوليو الماضي لمحافظة السويداء الذي طاول قرابة 35 قرية، إذ أصبحا الخط الفاصل بين مناطق سيطرة قوات الحكومة الانتقالية والفصائل المحلية. وقد اتخذت هذه الحواجز مساراً أكثر تشدداً من باقي المحافظات.

ما قبل مجازر تموز

قبل مجازر السويداء، بدأت شكاوى أهالي المحافظة تتزايد بشأن تعرض عدد منهم، طلاباً ومدنيين، إلى مضايقات شملت التفتيش المهين والاستفزازات اللفظية والترهيب النفسي. وقد وصل بعضها إلى الاعتداء على المدنيين وسرقة ممتلكاتهم كما حدث مع المحامي عادل الهادي الذي تعرض لتفتيش سيارته وسرقة أمواله من 6 عناصر من الأمن العام وفقاً لما رواه، بعد إيقافه عند حاجز المسمية.

كما تعرض كلٌّ من شفيق غرز الدين وعامر عبيد لسرقة مبالغ مالية طائلة، ومصادرة أسلحتهما وسيارتيهما بعد تفتيشهما، وقد أشار الأهالي إلى أن الحاجز قام بتأخير مرورهما لحين وصول العناصر المعتدية.

ومن أبرز تلك الانتهاكات التي شكلت الشرارة الأولى للاشتباكات، كان الاعتداء الذي طاول تاجر الخضراوات فضل الله دوارة من مسلحين في المناطق الخاضعة لسيطرة الأمن العام بالقرب من أحد الحواجز، بعد ضربه وسرقة سيارته وأمواله.

خلال مجازر تموز

خلال المجازر، تحوّلت الحواجز المنتشرة على المداخل الشمالية والغربية إلى معابر لتسهيل مرور نفير الفصائل العشائرية التي ارتكبت مجازر استمرت لأيام. وعقب الهدنة، رُصد تدفّق منتظم لسيارات “التعفيش” من جهتي دمشق ودرعا لنهب المنازل، أمام صمت الحواجز الرسمية الثلاثة التي لم تمنعهم. وفي حين برّرت الحكومة الانتقالية ما حدث بأنه فعل عناصر منفلتة، يبقى التساؤل معلّقاً حول دور حواجزها في ضبط الأمن وحماية ممتلكات المهجّرين.

بالتوازي مع تسهيل النهب، فرضت هذه النقاط حصاراً خانقاً عرقل وصول المساعدات الأممية، ومنع دخول الوقود والطحين. يروي أحد مطارنة السويداء (فضّل عدم ذكر اسمه)، والذي أشرف على جمع التبرعات في دمشق وريفها: “استطعنا جمع تبرعات مادية وتأمين مواد غذائية وطبية لإيصالها إلى السويداء، بمساعدة جمعيات وسيارات الهلال الأحمر في جرمانا، إلا أن السيارات توقّفت عند حاجز المسمية ومُنعت من الدخول، وبعد الضغط الإعلامي سُمح بمرور بعض المواد بعد تقليصها، ومصادرة الطحين بشكل أساسي منها”.

ما بعد مجازر تموز

توجّه (ج.س، 54 عاماً) من دمشق لزيارة والديه في السويداء، حاملاً مؤونة من السكر والأرز والطحين وبعض الأدوية، إلا أن الحاجز صادر الطحين بحجة تنفيذ الأوامر الرسمية حسب تصريحه لـ”درج”. أما الطلاب الجامعيون فقد أصبح عبورهم من الحواجز يستدعي “تفييشاً رقمياً”،  إذ أفاد عدد من الطلاب لـ”درج” بأن عناصر الحاجز، جمعوا أسماء الركاب وفتشوا في صفحات الفيسبوك عن أي منشورات تناصر الفصائل المحلية أو تثبت حملهم السلاح، ما دفع شركات النقل الى تعميم توصيات شفهية بحذف المحتوى الرقمي بالكامل والتأكد من خلو الهاتف من أي مساس سياسي أو ديني، ما دفع كثراً من الطلاب إلى ترك تعليمهم خوفاً من الاعتقالات التعسفية التي طاولت عدداً من الشبان الدروز المسافرين، كان آخرها اعتقال شاب من قرية مَلح واقتياده الى جهة مجهولة.  

كما شهدت المناطق المجاورة للحواجز استهدافات متكررة للحافلات بإطلاق نار عشوائي، أسفر أحدها عن مقتل شاب وفتاة وإصابة ستة آخرين بينهم طفلان، بعد استجواب الركاب عن انتمائهم الديني. 

المهجرون من السويداء واجهوا شروطاً قسرية للوصول إلى منازلهم، شملت سحب الجوالات وأحياناً منع إخراج ما نجا من التعفيش. يروي (ط.خ، 41 عاماً) نازح من المتونة لـ”درج”، كيف مُنع من تمرير ثياب أطفاله المقيمين في مراكز الإيواء. يقول: “وجدت قطعتي ثياب بباحة المنزل، لكن الحاجز صادرهم وقال في أوامر تمنع نقل أي شي لداخل السويداء”.

منعت هذه الحواجز دخول الوقود أيضاً، يذكر السائق (ن.م، 50 عاماً) لـ”درج”: “نزلت نحو الشام لتعبئة بيدونين بنزين، لكن أمن الحاجز صادرهم وأعطاني وصل لاسترجاعن عند عودتي لدمشق فقط، ولما رجعت بعد أيام مزّق الوصل وطردني بقوله: ما إلك شي عنا”.

تكررت الحادثة مع لؤي (اسم مستعار، تاجر) الذي حاول إدخال صهريج صغير من مازوت التدفئة، ليفتح أمن حاجز المتونة الصنبور عمداً ويسكب المازوت على الأرض بعد مشادة كلامية، بينما قام عناصر آخرون بتعبئة بيدوناتهم.

بلغت هذه المزاجية ذروتها في البلدة نفسها، بمقتل خمسة شبان إثر إطلاق الرصاص عليهم أثناء قطافهم الزيتون، على رغم حيازتهم تصاريح رسمية من الحاجز. 

تبريرات كثيرة يمكن أن تُساق لسبب وجود الحواجز في ظل مخاوف أمنية لا تزال موجودة في سوريا،  لكن لا يمكن إنكار أنها أسلوب لضبط حركة الأجساد، والتأديب السياسي إن دعت الحاجة، ووسيلة لضبط سلوك الشارع وتطويعه، خصوصاً في السياق السوري حيث تشكل “الحواجز” خوفاً لا يزال مستمراً بعد سقوط النظام، ولم يغادر الكثيرين…