ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

تفجير التليل: العدالة على حافة المقايضة… وأهالي يضعون الدولة أمام الاختبار 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أعاد تفجير التليل إلى الأذهان شبح تفجير مرفأ بيروت، لا من حيث حجم الكارثة فحسب، بل من حيث الخوف من تمييع العدالة. الغضب الشعبي كان مضاعفاً: دم جديد، ومسار قضائي يخشى الناس أن ينتهي كما غيره، بلا محاسبة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“عدتُ إلى تلكلخ، وتركتُ ابني مدفوناً في عكّار. كان يحلم أن يعود معي إلى سوريا… لكنهم قتلوه. سقط النظام في سوريا، ولا أزال لا أعرف من سيحمل دمّ ابني”.

بهذه الكلمات الثقيلة، تختصر سميّة وجعاً لا يبرد، بعد أكثر من ثلاث سنوات على تفجير التليل في عكّار، التفجير الذي حوّل أزمة محروقات إلى مجزرة مفتوحة، وأبقى الحقيقة معلّقة بين القضاء والضغوط السياسية.

في 15 آب/ أغسطس 2021، وبينما كان اللبنانيون يقفون في طوابير مذلّة مرهقة بحثاً عن ليترات بنزين، انفجرت صهاريج وقود في بلدة التليل شمال لبنان، موديةً بحياة ما لا يقل عن 36 شخصاً بحسب الأرقام الرسمية، ومخلّفة عشرات الجرحى، بعضهم فارق الحياة لاحقاً متأثراً بحروقه. لم يكن الانفجار حادثاً عرضياً، بل نتيجة سلسلة أفعال متراكمة: احتكار، تخزين غير قانوني، تهريب، ثم، وفق إفادات شهود ووقائع التحقيق الأولية، إشعال النار وسط تجمّع بشري.

القضية المأساة لا تزال قيد المراجعات القضائية، وبالتالي لا حكمَ نهائيٌّ بعد.

كيف بدأت الكارثة؟

تشير التحقيقات القضائية إلى أن الصهاريج تعود الى جورج إبراهيم، وهو اسم معروف في المنطقة بعلاقاته السياسية والاجتماعية، من بينها قربه من النائب عن “التيار الوطني الحر” في عكّار أسعد ضرغام، وفق ما أفادت مصادر محلية ومتابعون للملف. كان الوقود مخزّناً في أرضه بانتظار تهريبه إلى سوريا وبيعه في السوق السوداء، وهو أمر كان شائعاً لسنوات طويلة، فيما كان البنزين المدعوم شحيحاً، ما أثار غضب سكان بلدة “الدوسة” المجاورة، الذين اعتبروا أن المحروقات المدعومة حقٌّ عام لا سلعة للتهريب.

سليمان (اسم مستعار)، أحد الناجين، يروي لـ”درج” تفاصيل تلك الليلة: “كنا معطّلين عن أشغالنا لأن ما في بنزين. عرفنا إنو في صهاريج مخزّنة ومهربة. حملنا غالونات وركضنا عالأرض. صار تلاسن بيننا وبين ريتشارد، ابن جورج. وفجأة سمعته يقول لشغّيله جرجي: شعّل ولاه. شفت بعيني النار، وهربت… وشفت الناس تحترق”.

ويضيف عن اللحظة التي لا تفارقه: “شاب كان يحترق ويصرخ: يا الله ما بدي بنتي تتيتم… وبالفعل، ابنته تيتمت”.

هذه الكلمات التي يوردها سليمان بصفته شاهدَ عيان، تتقاطع مع إفادات أخرى وردت في التحقيقات القضائية، ولا تزال قيد نظر القضاء.

من الصدمة إلى الشارع

أعاد تفجير التليل إلى الأذهان شبح تفجير مرفأ بيروت، لا من حيث حجم الكارثة فحسب، بل من حيث الخوف من تمييع العدالة. الغضب الشعبي كان مضاعفاً: دم جديد، ومسار قضائي يخشى الناس أن ينتهي كما غيره، بلا محاسبة.

تحت هذا الضغط، تحرّكت نقابة المحامين في طرابلس، وكلّفت فريقاً قانونياً لتمثيل أهالي الضحايا والجرحى.

النقيب السابق لمحامي طرابلس يوضح لـ”درج”: “قمنا بكل الإجراءات القانونية، والتقينا الأهالي في بلدة الدوسة. الملف أُحيل إلى القضاء العسكري لأن الجيش كان حاضراً في المكان، وكان عدد من الضحايا من عناصره، إضافة إلى أن جورج إبراهيم استدعى عناصر وضباطاً لحماية أرضه”.

خلال نظر المحكمة العسكرية في الملف، تكشف قانونية متابعة للتحقيق لـ”درج” عن اتصالات أُجريت بين قيادة الجيش وعدد من أهالي الضحايا، الذين كانوا قد تقدّموا بدعاوى قضائية. وبحسب هذه المصادر، جُنِّد لاحقاً عدد من أبناء الضحايا في الجيش، قبل أن تُسحب دعاوى قضائية، من دون أي توضيح رسمي لطبيعة العلاقة بين الأمرين أو ثبوت أي مقايضة قانونية.

في موازاة ذلك، أفادت مصادر حقوقية بأن جمعيات ومؤسسات مقرّبة من “حزب الله” قامت بزيارات إلى عائلات ضحايا سوريين، حيث قُدّمت مساعدات مالية، أعقبها أيضاً سحب دعاوى قضائية، وفق إفادات عدد من الأهالي، من دون صدور أي موقف رسمي توضيحي.

بفعل الضغوط والأسئلة المتراكمة، أُحيل ملف تفجير التليل إلى المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية استثنائية في لبنان، تُحال إليها القضايا التي تُعدّ مهدِّدة للأمن العام أو السلم الأهلي، وتصدر أحكامه بصورة مبرمة غير قابلة للطعن.

خلال التحقيقات أمام المجلس، تبيّن وجود شريك لجورج إبراهيم في صفقة الصهاريج، هو علي الفرج من بلدة وادي خالد، وهو اسم معروف في المنطقة بعلاقته الوثيقة بالنائب وليد البعريني، وفق مصادر محلية ومتابعين للملف.

صدر القرار الاتهامي بحق جورج إبراهيم وعلي الفرج بتهم الاحتكار، التهرّب الضريبي، وتخزين مواد خطرة قرب منشآت سكنية. أما ريتشارد إبراهيم وشغّيله جرجي، فوُجهت إليهما تهم الإرهاب والقتل العمد، وهي تهم قد تصل عقوبتها، في حال ثبوتها، إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

غير أن الصدمة الكبرى للأهالي تمثّلت في قرار الإفراج عن جورج إبراهيم وشريكه مقابل كفالة مالية بلغت 50 مليار ليرة لبنانية عن كل منهما، وهو مبلغ فقد عملياً قيمته في ظل الانهيار المالي، ليبقى الدم، مرة أخرى، بلا ثمن فعلي.

في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، عُقدت جلسة المرافعة في قصر عدل بيروت، وحُدد 30 آذار/ مارس موعداً للنطق بالحكم. وقد أعيد توقيف جورج إبراهيم وعلي الفرج إلى حين صدور القرار، ما أعاد شيئاً من الأمل إلى عائلات الضحايا والجرحى.

تقول أم أحمد، والدة الضحية أحمد عثمان وأم الجريح خالد عثمان: “نأمل بأن يكون المجلس العدلي على قدر المسؤولية والضمير. هذا ملف بحجم وطن”.

بدوره، يؤكد المحامي شربل عرب، وكيل عدد من الجرحى: “أهالي الشهداء لا يطلبون سوى العدالة. هي وحدها القادرة على إنقاذ هذا البلد. المسار القضائي يجب أن ينتهي بإعطاء كل ذي حق حقه”.

اليوم، يترقّب أهالي الضحايا والجرحى صدور الحكم، وهم يدركون أن النتيجة لن تكون مجرد قرار قضائي، بل اختباراً لمعنى الدولة في لبنان:
إما دولة تحاسب وتحمي الحق العام، أو مستنقع يفلت فيه أصحاب النفوذ، ويُختصر ثمن حياة الإنسان… بليتر بنزين.

07.04.2026
زمن القراءة: 4 minutes

أعاد تفجير التليل إلى الأذهان شبح تفجير مرفأ بيروت، لا من حيث حجم الكارثة فحسب، بل من حيث الخوف من تمييع العدالة. الغضب الشعبي كان مضاعفاً: دم جديد، ومسار قضائي يخشى الناس أن ينتهي كما غيره، بلا محاسبة.

“عدتُ إلى تلكلخ، وتركتُ ابني مدفوناً في عكّار. كان يحلم أن يعود معي إلى سوريا… لكنهم قتلوه. سقط النظام في سوريا، ولا أزال لا أعرف من سيحمل دمّ ابني”.

بهذه الكلمات الثقيلة، تختصر سميّة وجعاً لا يبرد، بعد أكثر من ثلاث سنوات على تفجير التليل في عكّار، التفجير الذي حوّل أزمة محروقات إلى مجزرة مفتوحة، وأبقى الحقيقة معلّقة بين القضاء والضغوط السياسية.

في 15 آب/ أغسطس 2021، وبينما كان اللبنانيون يقفون في طوابير مذلّة مرهقة بحثاً عن ليترات بنزين، انفجرت صهاريج وقود في بلدة التليل شمال لبنان، موديةً بحياة ما لا يقل عن 36 شخصاً بحسب الأرقام الرسمية، ومخلّفة عشرات الجرحى، بعضهم فارق الحياة لاحقاً متأثراً بحروقه. لم يكن الانفجار حادثاً عرضياً، بل نتيجة سلسلة أفعال متراكمة: احتكار، تخزين غير قانوني، تهريب، ثم، وفق إفادات شهود ووقائع التحقيق الأولية، إشعال النار وسط تجمّع بشري.

القضية المأساة لا تزال قيد المراجعات القضائية، وبالتالي لا حكمَ نهائيٌّ بعد.

كيف بدأت الكارثة؟

تشير التحقيقات القضائية إلى أن الصهاريج تعود الى جورج إبراهيم، وهو اسم معروف في المنطقة بعلاقاته السياسية والاجتماعية، من بينها قربه من النائب عن “التيار الوطني الحر” في عكّار أسعد ضرغام، وفق ما أفادت مصادر محلية ومتابعون للملف. كان الوقود مخزّناً في أرضه بانتظار تهريبه إلى سوريا وبيعه في السوق السوداء، وهو أمر كان شائعاً لسنوات طويلة، فيما كان البنزين المدعوم شحيحاً، ما أثار غضب سكان بلدة “الدوسة” المجاورة، الذين اعتبروا أن المحروقات المدعومة حقٌّ عام لا سلعة للتهريب.

سليمان (اسم مستعار)، أحد الناجين، يروي لـ”درج” تفاصيل تلك الليلة: “كنا معطّلين عن أشغالنا لأن ما في بنزين. عرفنا إنو في صهاريج مخزّنة ومهربة. حملنا غالونات وركضنا عالأرض. صار تلاسن بيننا وبين ريتشارد، ابن جورج. وفجأة سمعته يقول لشغّيله جرجي: شعّل ولاه. شفت بعيني النار، وهربت… وشفت الناس تحترق”.

ويضيف عن اللحظة التي لا تفارقه: “شاب كان يحترق ويصرخ: يا الله ما بدي بنتي تتيتم… وبالفعل، ابنته تيتمت”.

هذه الكلمات التي يوردها سليمان بصفته شاهدَ عيان، تتقاطع مع إفادات أخرى وردت في التحقيقات القضائية، ولا تزال قيد نظر القضاء.

من الصدمة إلى الشارع

أعاد تفجير التليل إلى الأذهان شبح تفجير مرفأ بيروت، لا من حيث حجم الكارثة فحسب، بل من حيث الخوف من تمييع العدالة. الغضب الشعبي كان مضاعفاً: دم جديد، ومسار قضائي يخشى الناس أن ينتهي كما غيره، بلا محاسبة.

تحت هذا الضغط، تحرّكت نقابة المحامين في طرابلس، وكلّفت فريقاً قانونياً لتمثيل أهالي الضحايا والجرحى.

النقيب السابق لمحامي طرابلس يوضح لـ”درج”: “قمنا بكل الإجراءات القانونية، والتقينا الأهالي في بلدة الدوسة. الملف أُحيل إلى القضاء العسكري لأن الجيش كان حاضراً في المكان، وكان عدد من الضحايا من عناصره، إضافة إلى أن جورج إبراهيم استدعى عناصر وضباطاً لحماية أرضه”.

خلال نظر المحكمة العسكرية في الملف، تكشف قانونية متابعة للتحقيق لـ”درج” عن اتصالات أُجريت بين قيادة الجيش وعدد من أهالي الضحايا، الذين كانوا قد تقدّموا بدعاوى قضائية. وبحسب هذه المصادر، جُنِّد لاحقاً عدد من أبناء الضحايا في الجيش، قبل أن تُسحب دعاوى قضائية، من دون أي توضيح رسمي لطبيعة العلاقة بين الأمرين أو ثبوت أي مقايضة قانونية.

في موازاة ذلك، أفادت مصادر حقوقية بأن جمعيات ومؤسسات مقرّبة من “حزب الله” قامت بزيارات إلى عائلات ضحايا سوريين، حيث قُدّمت مساعدات مالية، أعقبها أيضاً سحب دعاوى قضائية، وفق إفادات عدد من الأهالي، من دون صدور أي موقف رسمي توضيحي.

بفعل الضغوط والأسئلة المتراكمة، أُحيل ملف تفجير التليل إلى المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية استثنائية في لبنان، تُحال إليها القضايا التي تُعدّ مهدِّدة للأمن العام أو السلم الأهلي، وتصدر أحكامه بصورة مبرمة غير قابلة للطعن.

خلال التحقيقات أمام المجلس، تبيّن وجود شريك لجورج إبراهيم في صفقة الصهاريج، هو علي الفرج من بلدة وادي خالد، وهو اسم معروف في المنطقة بعلاقته الوثيقة بالنائب وليد البعريني، وفق مصادر محلية ومتابعين للملف.

صدر القرار الاتهامي بحق جورج إبراهيم وعلي الفرج بتهم الاحتكار، التهرّب الضريبي، وتخزين مواد خطرة قرب منشآت سكنية. أما ريتشارد إبراهيم وشغّيله جرجي، فوُجهت إليهما تهم الإرهاب والقتل العمد، وهي تهم قد تصل عقوبتها، في حال ثبوتها، إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

غير أن الصدمة الكبرى للأهالي تمثّلت في قرار الإفراج عن جورج إبراهيم وشريكه مقابل كفالة مالية بلغت 50 مليار ليرة لبنانية عن كل منهما، وهو مبلغ فقد عملياً قيمته في ظل الانهيار المالي، ليبقى الدم، مرة أخرى، بلا ثمن فعلي.

في 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، عُقدت جلسة المرافعة في قصر عدل بيروت، وحُدد 30 آذار/ مارس موعداً للنطق بالحكم. وقد أعيد توقيف جورج إبراهيم وعلي الفرج إلى حين صدور القرار، ما أعاد شيئاً من الأمل إلى عائلات الضحايا والجرحى.

تقول أم أحمد، والدة الضحية أحمد عثمان وأم الجريح خالد عثمان: “نأمل بأن يكون المجلس العدلي على قدر المسؤولية والضمير. هذا ملف بحجم وطن”.

بدوره، يؤكد المحامي شربل عرب، وكيل عدد من الجرحى: “أهالي الشهداء لا يطلبون سوى العدالة. هي وحدها القادرة على إنقاذ هذا البلد. المسار القضائي يجب أن ينتهي بإعطاء كل ذي حق حقه”.

اليوم، يترقّب أهالي الضحايا والجرحى صدور الحكم، وهم يدركون أن النتيجة لن تكون مجرد قرار قضائي، بل اختباراً لمعنى الدولة في لبنان:
إما دولة تحاسب وتحمي الحق العام، أو مستنقع يفلت فيه أصحاب النفوذ، ويُختصر ثمن حياة الإنسان… بليتر بنزين.