التفجير الانتحاري الذي شهدته العاصمة السورية واستهدف كنيسة وقتل وجرح العشرات، حدث في لحظة سياسية شديدة الوضوح. الكثير من عناصر الخبر يشير إلى أن تنظيم “داعش” يقف وراء التفجير. انتحاري يحمل رشاشاً وزنّر نفسه بحزام ناسف، أقدم على ارتكاب الجريمة، وقبل أن يفجّر نفسه بالمصلّين، أطلق الرصاص وقتل عدداً منهم بحسب بعض الشهود. لطالما نفذ انتحاريو “داعش” السيناريو نفسه، في العراق وفي سوريا، وفي غيرهما من البلدان.
القول بأن “داعش” ارتكب جريمة دمشق حسب اتهام وزارة الداخلية السوريّة، لا يضعف فرضية “اللحظة السياسية” التي وقعت الجريمة في سياقها. ولنكن واضحين أكثر: تفجير الكنيسة حدث بينما كانت أميركا وإسرائيل تقضيان على البرنامج النووي الإيراني. لا بل كان سياقاً من الهزائم يحاصر إيران وأذرعها في كل الإقليم.
أما افتراض الافتراق المذهبي بين إيران و”داعش”، فهذا لا يعني شيئاً إذا ما استعدنا تاريخاً من الوقائع التي وُظِّف فيها “داعش” وأخواته في مواجهات استثمرت خلالها أنظمة لا تمت الى “داعش” بقرابة مذهبية.
التجربة السورية على هذا الصعيد غنية بالأمثلة، فيوم أطلق النظام البعثي السابق سراح مئات من الجهاديين في الأيام الأولى للثورة بهدف عسكرتها وأسلمتها، فعل ذلك انطلاقاً من معرفته بما ستؤول إليه فعلته. فهو، أي النظام، راكم خبرات كبيرة في معرفة طبيعة الجماعات الجهادية، وفي أساليب عملها وكان يعرف تماماً إلى أين سيتوجه المفرج عنهم، وماذا سيفعلون. كما أننا لا ننسى دور النظام نفسه في احتضان وتنظيم وتسليح الجهاديين العراقيين وإرسالهم إلى بغداد لقتال الأميركيين.
إيران نفسها استعانت بالتجربة السورية في العراق. تدفق “داعش” على المدن العراقية كان جزءاً من مشروع إيراني. سقوط الموصل على يد حفنة من مقاتلي التنظيم، وانسحاب أكثر من خمسين ألف جندي عراقي من المدينة، كانا أمراً مريباً.
“داعش” موجود عند الطلب. استثمرت فيه طهران كما استثمرت أنظمة خليجية في سياق صراعها المذهبي مع إيران، وسهلت أنقرة له مهمة استقبال الجهاديين الوافدين إلى سوريا عبر أراضيها. في لبنان كلنا شهدنا كيف ولدت “فتح الإسلام” ومن أرسلها من سوريا إلى نهر البارد.
تنظيم “داعش” لا يمكنه أن ينشط ويستيقظ من دون “لحظة سياسية”، في العراق أقدم نوري المالكي، على حماقة، بتطبيق القمع الدموي لانتفاضة المدن السنية، فاستيقظ التنظيم بوصفه “سيف السنة” وتدفقت الأموال من الخليج والمقاتلين من كل أنحاء الأرض.
التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.
“داعش” ليس جسماً منفصلاً عن مشهد عام، وهو لا يشتغل بمنأى عن وقائع عامة. ولعل معادلة “نومه” في الصحراء، سواء السورية أو العراقية، خير تمثيل لهذه المعادلة، ذاك أنه يغادر الصحراء ويتمدد نحو المناطق الحضرية حين يلتقط وظيفة تُعرض عليه من القوى “الحضرية”. عدة الشغل متوافرة دائماً. مجتمعاتنا مفخخة دائماً بما يمكن للتنظيم أن يستثمر فيه.
العنف والقيم “الجهادية” والإرث الذي خلفه البعث، والجيوش المنحلة، والانقسام المذهبي، هذه كلها محركات عمل التنظيم، إلا أنها لا تعمل من دون قوة دفع من خارجها. يجب ربطها بمشروع مذهبي أولاً، ثم بالتمويل، ولاحقاً بالتسليح وبخطوط إمداد بالمتطوعين (تركيا والخليج)، والأهم بوسائل إعلام تتولى جعل الحدث محور الحياة العامة (قناة الجزيرة).
“المقاومة” في العراق تقاطعت على دعمها مصالح النظام السوري (العلوي) مع “فلول” الجيش العراقي المنحل (السني) مع مصلحة الإيرانيين بقتال الجيش الأميركي، فولد “المجاهدون”، وللمفارقة كان من بينهم “أبو محمد الجولاني”! هذا العرض يأخذنا إلى تفجير الكنيسة في دمشق يوم الأحد الفائت.
“داعش” في الصحراء، والنظام في دمشق هو اليوم درة عين الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وتركيا، وفي هذا الوقت تتعرض إيران وأذرعها إلى ضربات أدت إلى إضعافها على نحو لم تشهده منذ أكثر من أربعين عاماً. سوريا هي الحلقة الأضعف التي قد تخطر في بال أي راغب في الحد من النفوذ الأميركي والسعودي.
لا يعني هذا أننا سنكون في سوريا أمام سيناريو عراقي، ذاك أن الراغب في دفع “داعش” من الصحراء إلى المناطق الحضرية في سوريا، أمامه عقبات لم تواجهه في العراق. العقبة المذهبية التي شكلت في العراق قوة جذب رئيسية للتنظيم غير متوافرة في سوريا، فالسنة سيكونون فيها بمواجهة السنة، والتمويل الخليجي أيضاً لن يكون متوافراً، أما الحدود، وهي الخاصرة الرخوة لسوريا، وخصوصاً من جهتي العراق ولبنان، فهي قد توفر للتنظيم إمداداً لوجستياً. أما المقاتلون، فلطالما التحقوا بـ”الجهاد” عندما تحول الأخير إلى قضية “الأمة السنية”، وهو ما لن تشهده سوريا اليوم.
تفجير الأمس في دمشق هو حدث أمني لا يبدو أنه من السهل تحويله إلى واقع سياسي يومي. إلا أنه مؤشر إلى مشهد قد يتعدى سوريا، فإذا كانت النية نقل مهمة الأذرع في العراق وفي لبنان من المواجهة المباشرة مع الأميركيين إلى تعطيل مشروعهم في سوريا، فسنكون أمام نقل للاضطرابات الأمنية إلى كلَي البلدين.
التفكير بسوريا بوصفها المكان الأمثل لمواجهة المشروع الأميركي – الخليجي للمنطقة، يردنا إلى القرار الذي اتخذته كلّ من إيران والنظام السوري عندما حوّلا العراق إلى ساحة مواجهة مع الجيش الأميركي.
تفجير دمشق وقع في “لحظة سياسية” مشابهة. من شبه المحسوم أن “داعش” نفذه، ومن الحكمة أن نرتاب، طالما أننا سبق أن شهدنا على ما شهدناه في العراق وفي سوريا.
إقرأوا أيضاً:











