المرحلة الأولى (السبعينات)
خلافاً للانطباع الشائع عن الستينات، تُمثّل السبعينات الفترة الأبرز لنهضة الثقافة اليمنية. فمع انتهاء الحرب الأهلية (1962–1970)، ومصالحة الجبهة القومية في الجنوب مع خصومها السياسيين من يساريين وقوميين، وارتفاع عائدات المغتربين، وتشكّل طبقة وسطى من موظفي الدولة والمدرّسين والتجّار الصغار، وانتعاش مشاريع التنمية والاستثمار، وترسّخ مركزيّة جامعتي صنعاء وعدن، ظهرت مؤسسات للصحافة والأنباء، وتأسّست فرق مسرحية وصحف ومجلّات. وقد شارك جمهور واسع من اليمنيين واليمنيات في أنشطة تلك المرحلة، كما يورد علي زيد محمد في كتابه «الثقافة الجمهورية في اليمن» (2020).
لم تكن الدولة الفاعل الوحيد؛ إذ انخرطت الطبقة الوسطى – بما في ذلك المناطق الريفية – في دعم مبادرات ثقافية ومدنية مستقلة جزئياً أو كلياً عن الدولة. وتوضح شيلا كارابيكو في كتابها Civil Society in Yemen: The Political Economy of Activism in Modern Arabia (1998)، أنّ «المجتمع المدني» في اليمن شمل تنظيمات ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية أسّستها النخب المتعلّمة والطبقة الوسطى لتمثيل مصالح المواطنين.
مع ذلك، ظلّ القطاع الثقافي شديد الارتباط بالتقلّبات السياسية وطبيعة المسؤولين والدعم الرسمي، ما جعل المبادرات المستقلة أقرب إلى تجارب فردية و«فزعات» أهلية لم تتبلور مؤسّسياً، ولم تحظَ بدعم شعبي مستمر لأسباب اقتصادية. ولم تُواكَب تلك الفترة بتأسيس قنوات أو صحف أو إذاعات مستقلة ومستقرة – حتى ضمن القطاع الخاص – بالقدر الكافي لضمان استمرارية النشاط الثقافي زمن الأزمات، وبقي المشهد الإعلامي والثقافي عرضةً للتقلب، ولا سيما مع تواتر الانقلابات في الشمال والجنوب.
المرحلة الثانية (مطلع التسعينات)
عقب الوحدة (1990–1994) اتّسع هامش الحريات: ظهرت أحزاب جديدة، أُقيمت معارض تشكيلية، افتُتحت إذاعات، ونشأت مجلات وصحف، إلى جانب قنوات أهلية وحزبية رعَت برامج ثقافية. وعلى مستوى النشر، تحوّلت مكتبة عبّادي في منتصف التسعينات إلى دار نشر احتضنت كاتبات وكُتّاباً وأصدرت مئات الكتب.
وصدر عام 1990 القانون رقم (25) بشأن الصحافة والمطبوعات؛ وتنص مادته (33) على أنّ إصدار الصحف والمجلات وملكيتها حقّ مكفول للمواطنين والأحزاب المرخصة والكيانات الاعتبارية العامة والمنظمات الإبداعية والجهات الحكومية وفق أحكام القانون. وفي غضون سنوات قليلة، بلغ عدد الإصدارات قرابة الـ180 صحيفة ومجلّة، اهتم قسمٌ منها بالثقافة، منها: الثقافة، اليمن الجديد، الحكمة، ثم أصوات، معين، غيمان، آفاق، اليراع، صيف، الثوابت، المستقبل، الموقف. كما خصّصت صحفٌ ملاحقَ ثقافية أسبوعية مثل 14 أكتوبر (صفحة «الواحة») والوحدة والثوري و26 سبتمبر والوحدوي وآدم وحواء والمرأة ورأي وغيرها.
لكن مع استقرار السلطة لاحقاً وتحالفات الرئيس علي عبدالله صالح مع قوى قبلية وإسلامية – ومنها حزب الإصلاح – انكمش ذلك المناخ الواعد، كما يذكر فواز طرابلسي في كتابه عن تجربة الجنوب اليسارية. ومع أفول تلك الظروف، عاد النشاط الثقافي إلى طابعه الفردي حتى مطلع الألفية.
المرحلة الثالثة (الألفية الجديدة حتى ما قبل 2011)
أًعيد تأسيس مؤسسة السينما والمسرح بوزارة الثقافة، ثم اختيار صنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004، تنشيط الحياة الثقافية بقيادة الوزير خالد الرويشان: إحياء مهرجانات مسرحية وموسيقية وفنون شعبية، وإقامة ندوات ومحاضرات وحلقات فكرية ضمّت مفكرين وشعراء وكُتّاباً وفنانين وموسيقيين ومسرحيين عرباً، إلى جانب ترميم المتحف الوطني بصنعاء وإنشاء مسرح الهواء الطلق في صنعاء القديمة.
وتوسّع الحراك مع صعود المنظمات غير الحكومية الداعية للديمقراطية ودعم السفارات الغربية (البيت الألماني، المركز الثقافي الفرنسي، والسفارتان الأميركية والهولندية) ومنظمات دولية بشراكات محلية: ورش تدريبية في المسرح والسينما والسرد والشعر والنقد، وندوات حول الثقافة اليمنية وآفاقها. كما نشط اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين في عهد أمينه العام الشاعر محمد حسين هيثم (2007)، وتكثّف نشر الهيئة العامة للكتاب ووزارة الثقافة في مجالات متعددة.
ما بعد 2011 وما بعد انقلاب 2014
مع ثورة 11 شباط/ فبراير 2011 تراجع نشاط المانحين والمنظمات الأجنبية، فتقلّص التمويل غير الحكومي للفنون، وأصبحت وزارة الثقافة عملياً المصدر شبه الوحيد للتمويل، ما انعكس تضييقاً وتراجعاً في جودة الإنتاج الفني. ومع ذلك، واصلت مبادراتٌ فردية ومنظمات محلية إسناد الحراك الثقافي: بيت الموروث الشعبي (أروى عبده عثمان) لتوثيق الحكايات والأهازيج والعادات، نادي القصة «إلمقه» ونادي السرد في عدن، ومنتديات ومؤسسات مثل البيسمنت وإبداع وشهرزاد وباكثير الثقافية وسبأ الثقافية، إضافة إلى العفيف الثقافية والسعيد للعلوم والثقافة في تعز. كما نشطت مبادرات سينمائية (سينما «صوت» ومؤسسة «شِفْت») وعروض مسرح الشارع، وصحف ومجلات بمطبوعات محدودة.
غير أنّ انقلاب أنصار الله (الحوثيين) في أيلول/ سبتمبر 2014 جرف معه الحياة الثقافية والسياسية. وتعرّض التلفزيون في صنعاء خلال المواجهات لأضرار جسيمة، ما أنذر بضياع أرشيف تلفزيوني يوثّق مراحل ازدهار الصناعة ومآلاتها. وبعد وقت قصير، توقّفت دار عبّادي عن الطباعة مع تدهور الوضعين الأمني والاقتصادي وانقطاع الكهرباء عن العاصمة، فأقام مدير الدار نبيل عبداللطيف عبّادي عام 2015 معرضاً مشتركاً مع وزارة الثقافة لبيع مخزون الكتب.
لم يقتصر الأمر على تعطيل مؤسسات مدنية وثقافية؛ فقد سعت الجماعة إلى تقليص التعددية السياسية والدينية واحتكار المجال الاقتصادي، بما انعكس تضييقاً على الحياة الثقافية. وخلال السنوات التالية للانقلاب، أُغلِقت مؤسسات ثقافية وفنية، ومُنِعت معارض تشكيلية، وتعرّضت ورش عمل ودورات تدريبية في مجالات الفن والثقافة والأدب للاقتحام. كما صودرت صحف مستقلة وأُغلِقت إذاعات – منها مواهب للأطفال، يمن تايمز، طيرمانة، سام إف إم، إيرام، جراند إف إم – وأُغلِقت مقرات قنوات فضائية مثل سهيل، اليمن اليوم، السعيدة. وأُجهِضت مشاريع سينمائية شبابية (مثل سينما صوت ومؤسسة شِفْت) ومشاريع مسرحية (مسرح الدمى، مسرح الشارع، خيال الظل). وتعرّض كتّاب وصحافيون لاعتقالات تعسفية وإخفاء قسري من دون محاكمات، وتوقّف الإنتاج التلفزيوني بشكل شبه كلي، وامتدّ التضييق إلى مداهمة منازل فنانين وفنانات وصدور قرارات بمنع الغناء.
عام 2021، حُوِّل «بيت الثقافة» —إحدى أعرق المؤسسات التي تأسست عام 2000 واحتضنت فعاليات ثقافية كبرى— إلى متجر لبيع الملابس الداخلية. وبعد سنوات من التجريف، انتقلت الجماعة إلى تفريغ الثقافة من معناها عبر بدائل أيديولوجية ذات طابع أمني ودعائي: إصدار مجلة أسبوعية للأطفال باسم «جهاد» تُوزَّع في المدارس والمراكز الصيفية، وتمويل إذاعات محلية تروّج للزوامل القتالية وتحشد الأطفال والشباب نحو الجبهات، إلى جانب الاستيلاء على أرشيف المسرح والتلفزيون – ولا سيما الأعمال الدرامية الناقدة للإمامة في الثمانينات – والشروع في إنتاج مسلسلات تعكس سرديتها العقائدية مثل باقة ورد وحارس البحر.
وعلى مستوى المسرح، أنشأت الجماعة مسرحاً مفتوحاً باسم «ألف لام ميم» داخل قاعة جمال عبدالناصر بكلية الآداب —جامعة صنعاء— فتحوّلت بعض الفضاءات الجامعية إلى منصّات تعبئة أيديولوجية تُمرّر رسائل سياسية – دينية، وتروّج لرفد الجبهات عبر عروض تُقدَّم بانتظام مرّتين شهرياً. ويُنتقى المشاركون من كتّاب وممثلين من داخل الجماعة فقط، تحت إشراف أحمد المعمري وبتوجيه من مؤسسة الإمام الهادي، الذراع الإعلامي المتخصّص في المسرح والدراما التلفزيونية.
إلى ذلك، بسطت الجماعة نفوذها على الهيئة العامة للكتاب – المخوّلة قانوناً منح أرقام الإيداع – فارضةً رقابة صارمة على حركة النشر. وبحسب ما وثّقته في كتابي تاريخ القمع والرقابة على المسرح في اليمن، تُفرَز العناوين وتُعتمَد وفق مدى توافقها مع التوجّه الأيديولوجي للجماعة، فيما تُقصى الأعمال التي تتناول قيم الحرية والتعدّد والتعايش، في مخالفةٍ للنظم القانونية النافذة.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2024، شرعت الجماعة في دمج «مركز الدراسات والبحوث اليمني» —أول مركز دراسات في الجزيرة والخليج (تأسّس عام 1972)، ومنارة فكرية وثّقت تاريخ الحركة الوطنية والثورة اليمنية، وتصدر عنه دورية دراسات يمنية— ضمن مركز التطوير التربوي التابع لما يُعرف بـ«الهيئة العامة للعلوم والبحوث والتطوير».
ويرى كثر من المثقفين أنّ خطوة الدمج تمثّل نهاية فعلية ورمزية لدور المركز الذي تعاقب على رئاسته ابتداءً من أحمد جابر عفيف مروراً بأحمد حسين المروني وصولاً إلى عبدالعزيز المقالح؛ لتكتمل بذلك حلقة التجريف الممنهج للبنية الثقافية والمعرفية في اليمن.









