ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

تفكيك الجيش العراقي وتمكين الفصائل: كيف تخلّت الدولة عن سلاحها السيادي؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

السلاح المنفلت ليس مجرّد خطر أمني، بل أزمة وجودية للدولة العراقية، دولة لا تحتكر العنف الشرعي، لا تستطيع أن تحمي شعبها، ولا أن تضمن تطبيق القانون، ولا حتى أن تصنع سياسة خارجية مستقلّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في لحظات المصير، تنادي الشعوب على جيوشها. تسند ظهرها إلى بدلات تحرس الأرض والكرامة، لا إلى رايات متناقضة الولاءات تتنازع على السلطة والسلاح والمصير.

لكن في العراق، تتكرّر اللحظة وتغيب المؤسّسة، يُهمَّش الجيش، وتُستدعى الفصائل، يُقصى الضابط النظامي، ويُقدَّم المسلّح العقائدي، والسؤال الذي يطرحه العراقيون بصوت خافت وأحياناً صارخ: لماذا لا يُبنى جيش وطني قويّ؟ ومن المستفيد من تفكيك هيبة المؤسّسة العسكرية؟

منذ 2003، لم يعرف العراقيون جيشاً ثابت الولاء والمهام، بين حلّه ثم إعادة تشكيله على أسس طائفية ومناطقية، ومن ثم تركه في مواجهة الإرهاب دون غطاء سياسي حقيقي، بات الجيش مؤسّسة بلا نفوذ فعلي في القرار السيادي.

في المقابل، برزت فصائل مسلّحة تحت ذرائع المقاومة ومحاربة الإرهاب، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى أذرع عسكرية مرتبطة بولاءات إقليمية، تتلقّى أوامرها من خارج الحدود، وتتحرّك في المشهد العراقي كلاعب فوق القانون، فصائل تسيطر على أراضٍ، ومعابر، وقرارات أمنية حسّاسة، وتفاوض وتُهدد باسم “الوجود العقائدي”، لا الوطني.

هل يدافع الجيش عن وطن تسلبه منه جهات تتلقّى تعليماتها من “الوليّ الفقيه”؟ كيف يُمكن لمواطن أن يثق بجيش يُنحّى في معارك كبرى ليحلّ محلّه فصيل يرفع شعارات مذهبية؟ ألم يكن انسحاب الجيش من الموصل وتكريت والرمادي في عام 2014، سوى تمهيد لظهور “القوّة البديلة” التي لا تخضع للقائد العامّ، بل لقادة الظلّ؟

هنا تظهر الغاية لا الخلل فقط، تغييب الجيش لم يكن مصادفة، بل كان جزءاً من مشروع طويل النفس، يهدف إلى تفتيت القوّة السيادية وتوزيعها على جماعات لا يدين بعضها بالولاء للعراق، بل للمشروع الإقليمي الأكبر.



منذ سنوات، تكرّر الحكومات دعواتها لحصر السلاح بيد الدولة، لكن من يملك قرار الحصر؟ ومن لديه الجرأة على كبح جماح الفصائل التي تملك اقتصاداً خاصّاً، وإعلاماً، وأذرعاً سياسية داخل البرلمان والحكومة نفسها؟

قوى خارجية، وعلى رأسها إيران، عملت على نخر مؤسّسات الدولة العراقية من الداخل، عبر دعم فصائل ولائية وتهميش الجيش والمؤسّسات السيادية، هذا التدخّل الممنهج فتح الباب أمام الفساد والمحاصصة، وأضعف القرار الوطني، حتى باتت الدولة هشّة تتلقّى توجيهاتها من خارج الحدود، في هذا الفراغ، تراجعت السيادة، وتقدّمت التبعية، ليتحوّل العراق إلى ساحة نفوذ لا دولة مستقرّة.

السلاح المنفلت ليس مجرّد خطر أمني، بل أزمة وجودية للدولة العراقية، دولة لا تحتكر العنف الشرعي، لا تستطيع أن تحمي شعبها، ولا أن تضمن تطبيق القانون، ولا حتى أن تصنع سياسة خارجية مستقلّة.

لا سبيل لبناء عراق مستقرّ دون إعادة الاعتبار للجيش كمؤسّسة جامعة، بعقيدة وطنية، لا مذهبية ولا مناطقية، جيش تكون مهمّته الدفاع عن كلّ العراقيين، لا عن فئة أو مشروع خاصّ.

تحتاج البلاد إلى إصلاح أمني شامل، يبدأ بتجريد الفصائل من سلاحها، أو دمجها في المؤسّسات بشروط صارمة، ووقف التمويل الخارجي لتلك الجهات، وفرض إرادة الدولة عبر قضاء مستقلّ، وقادة أمنيين يحكمهم القانون لا الولاء.

في بلد مثل العراق، محاط بجبهات مفتوحة، ومتخم بالأطماع، لا يمكن البقاء بلا دفاع وطني حقيقي، وكلما تأخّرت الدولة في فرض جيشها كمرجعية أمنية أولى وأخيرة، ستتآكل السيادة، وسيتحوّل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، لا إلى وطن لمواطنيه.

الوقت لم يعد يسمح بالتحايل، السلاح يجب أن يُجمع، والجيش يجب أن يُبنى من جديد، فإما الدولة، وإما الفوضى المقنّعة بشعارات العقيدة والمقاومة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
17.07.2025
زمن القراءة: 3 minutes

السلاح المنفلت ليس مجرّد خطر أمني، بل أزمة وجودية للدولة العراقية، دولة لا تحتكر العنف الشرعي، لا تستطيع أن تحمي شعبها، ولا أن تضمن تطبيق القانون، ولا حتى أن تصنع سياسة خارجية مستقلّة.


في لحظات المصير، تنادي الشعوب على جيوشها. تسند ظهرها إلى بدلات تحرس الأرض والكرامة، لا إلى رايات متناقضة الولاءات تتنازع على السلطة والسلاح والمصير.

لكن في العراق، تتكرّر اللحظة وتغيب المؤسّسة، يُهمَّش الجيش، وتُستدعى الفصائل، يُقصى الضابط النظامي، ويُقدَّم المسلّح العقائدي، والسؤال الذي يطرحه العراقيون بصوت خافت وأحياناً صارخ: لماذا لا يُبنى جيش وطني قويّ؟ ومن المستفيد من تفكيك هيبة المؤسّسة العسكرية؟

منذ 2003، لم يعرف العراقيون جيشاً ثابت الولاء والمهام، بين حلّه ثم إعادة تشكيله على أسس طائفية ومناطقية، ومن ثم تركه في مواجهة الإرهاب دون غطاء سياسي حقيقي، بات الجيش مؤسّسة بلا نفوذ فعلي في القرار السيادي.

في المقابل، برزت فصائل مسلّحة تحت ذرائع المقاومة ومحاربة الإرهاب، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى أذرع عسكرية مرتبطة بولاءات إقليمية، تتلقّى أوامرها من خارج الحدود، وتتحرّك في المشهد العراقي كلاعب فوق القانون، فصائل تسيطر على أراضٍ، ومعابر، وقرارات أمنية حسّاسة، وتفاوض وتُهدد باسم “الوجود العقائدي”، لا الوطني.

هل يدافع الجيش عن وطن تسلبه منه جهات تتلقّى تعليماتها من “الوليّ الفقيه”؟ كيف يُمكن لمواطن أن يثق بجيش يُنحّى في معارك كبرى ليحلّ محلّه فصيل يرفع شعارات مذهبية؟ ألم يكن انسحاب الجيش من الموصل وتكريت والرمادي في عام 2014، سوى تمهيد لظهور “القوّة البديلة” التي لا تخضع للقائد العامّ، بل لقادة الظلّ؟

هنا تظهر الغاية لا الخلل فقط، تغييب الجيش لم يكن مصادفة، بل كان جزءاً من مشروع طويل النفس، يهدف إلى تفتيت القوّة السيادية وتوزيعها على جماعات لا يدين بعضها بالولاء للعراق، بل للمشروع الإقليمي الأكبر.



منذ سنوات، تكرّر الحكومات دعواتها لحصر السلاح بيد الدولة، لكن من يملك قرار الحصر؟ ومن لديه الجرأة على كبح جماح الفصائل التي تملك اقتصاداً خاصّاً، وإعلاماً، وأذرعاً سياسية داخل البرلمان والحكومة نفسها؟

قوى خارجية، وعلى رأسها إيران، عملت على نخر مؤسّسات الدولة العراقية من الداخل، عبر دعم فصائل ولائية وتهميش الجيش والمؤسّسات السيادية، هذا التدخّل الممنهج فتح الباب أمام الفساد والمحاصصة، وأضعف القرار الوطني، حتى باتت الدولة هشّة تتلقّى توجيهاتها من خارج الحدود، في هذا الفراغ، تراجعت السيادة، وتقدّمت التبعية، ليتحوّل العراق إلى ساحة نفوذ لا دولة مستقرّة.

السلاح المنفلت ليس مجرّد خطر أمني، بل أزمة وجودية للدولة العراقية، دولة لا تحتكر العنف الشرعي، لا تستطيع أن تحمي شعبها، ولا أن تضمن تطبيق القانون، ولا حتى أن تصنع سياسة خارجية مستقلّة.

لا سبيل لبناء عراق مستقرّ دون إعادة الاعتبار للجيش كمؤسّسة جامعة، بعقيدة وطنية، لا مذهبية ولا مناطقية، جيش تكون مهمّته الدفاع عن كلّ العراقيين، لا عن فئة أو مشروع خاصّ.

تحتاج البلاد إلى إصلاح أمني شامل، يبدأ بتجريد الفصائل من سلاحها، أو دمجها في المؤسّسات بشروط صارمة، ووقف التمويل الخارجي لتلك الجهات، وفرض إرادة الدولة عبر قضاء مستقلّ، وقادة أمنيين يحكمهم القانون لا الولاء.

في بلد مثل العراق، محاط بجبهات مفتوحة، ومتخم بالأطماع، لا يمكن البقاء بلا دفاع وطني حقيقي، وكلما تأخّرت الدولة في فرض جيشها كمرجعية أمنية أولى وأخيرة، ستتآكل السيادة، وسيتحوّل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، لا إلى وطن لمواطنيه.

الوقت لم يعد يسمح بالتحايل، السلاح يجب أن يُجمع، والجيش يجب أن يُبنى من جديد، فإما الدولة، وإما الفوضى المقنّعة بشعارات العقيدة والمقاومة.