منذ عقود، تكرّست ثقافة الموت في العراق كقيمة عُليا، لا يناقشها أحد، بل تُحتفى وتُمجَّد كأنها غاية في حد ذاتها، يموت العراقي دفاعًا عن الطائفة، أو نُصرة للزعيم، أو ثأرًا للعشيرة، أو انتصارًا لمفاهيم مشوّهة عن الحب أو الشرف أو الدين، يموت، لكنه نادرًا ما يُسأل: لماذا لا تعيش، ما الذي يستحق أن تُبقي حياتك من أجله وتكافح له؟
الموت في العراق لم يعد حالة استثنائية ناتجة من ظرف طارئ، بل أصبح مكوّنًا بنيويًا في التربية والخطاب العام، يُربّى الطفل على مفردات مثل الشهادة والفداء والتضحية، بينما تغيب تمامًا مفردات كالسلام والكرامة والاِزدهار، أو حتى “الأمل”، نادراً ما يعلّمه أحد أن الحياة هي القيمة، وأن الموت ليس بطولة في حد ذاته ما لم يكن استثناءً أخيرًا للدفاع عن حق أصيل بالحياة.
يتصدّر رجال الدين وزعماء الميليشيات وبعض شيوخ العشائر هذه المنظومة، حيث تتحوّل الدعوة إلى الموت إلى طقس جماعي، وهتاف حماسي: “بالروح، بالدم، نفديك يا ….”، ليست مجرد جملة عابرة، إنها إعلان رمزي للتفريط بالذات، بالتاريخ، وبالحياة في سبيل شخص أو فكر، مهما كانت نزاهته أو صدقه موضع شك.
لكن الغريب أن هذه الدعوات لا تطرق بيوت أبناء الساسة، ولا تحوم فوق بيوت الطبقة الحاكمة، بل تتوجه دائمًا إلى الفقراء والمهمّشين واليائسين، الذين يجدون في الموت وسيلة أخيرة للشعور بالانتماء أو الخلاص.
في منطقة الأنبار وعلى يد تنظيم القاعدة، قُتل معلّمي في ساحة المدرسة الابتدائية، جريمته الوحيدة أنه رفض ترسيخ فكر التنظيم فينا، فـفُصِلَ رأسُه عن جسده أمام طلابه. لم يكن مقاتلًا، بل حامل قلم ومشروع حياة، لماذا قُتل؟ لأنه آمن بأن الإنسان يُربّى ليعيش، لا ليُعَبَّأ للموت.
حتى الحب في العراق قد يُفضي إلى القتل، فتاة قُتلت على يد والدها لأنها أحبّت شابًا، لم يُسأل الأب عن العدالة، بل نال التصفيق بوصفه “حامي الشرف”، هل هذا هو الشرف؟ أم نسخة مشوّهة من قيم بالية لا تعرف سوى الإلغاء وسفك الدم؟
والمأساة أن الموت لا يحرّر، بل يعيد إنتاج نفسه في دورات لا تنتهي، في سوريا، رأينا كيف تسلّح أبناء الضحايا ليقاتلوا ضحايا آخرين. في العراق، رأينا كيف تحوّل أبناء ضحايا 2006 إلى أدوات انتقام طائفي. كل طرف يرى في القتل خلاصًا، ولا أحد يسأل: من سيبقى حيًّا ليحمل هذه البلاد نحو السلام؟
ألم يتعب هذا العالم من رائحة الدم؟ متى نُدرك أن الحروب لا تصنع الحياة، بل تُفرغها من معناها؟ كل حرب تترك وراءها جيلًا مشوّهًا، وطنًا منكسًا، ذاكرة مثقوبة، وأسئلة بلا أجوبة. نحن لا نُشفى من الحرب، بل نحمل ندوبها معنا إلى قبورنا، ونورثها لأطفالنا كما نورثهم أسماءنا وأحلامنا المؤجلة.
هل تعني كثرة الموت أننا انتصرنا؟ أم أنها إعلان دائم لفشلنا في بناء وطن يُقدّس الحياة لا القبور؟
في كل مرة نعدّ فيها عدد القتلى ونرفع رايات الانتصار فوق الخراب، نُجهز على ما تبقّى من إنسانيتنا، فالنصر الحقيقي لا يُقاس بالجثث ولا بالخنادق المفتوحة، بل بقدرتنا على وقف النزيف، على تضميد الذاكرة، على أن نحيا من دون أن نخاف، ومن دون أن نكره، ومن دون أن نُضطر لرفع صورة ميت لنُثبت ولاءنا.
لماذا صار الموت أكثر شرعية من الحلم؟ ولماذا نُطالَب دائمًا بأن نكون وقودًا لقضايا لا نفهمها، أو ضحايا لمعارك لا نختارها؟ ربما آن الأوان أن نبدّل هذا المجد الزائف، أن نرفع الحياة إلى مقام القداسة، وأن نعيد صياغة مفهوم البطولة: البطولة في أن نبقى أحياء، على رغم كل شيء.
لماذا لا نربّي الإنسان على التمسك بالحياة؟ أن يعيش من أجل إصلاح الطائفة، لا أن يموت من أجلها؟ أن يحب من دون أن يُذْبَح، أن ينتمي من دون أن يتعصّب، أن يعترض من دون أن يُختطف أو يُقمع؟
العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأبطال الشهداء، بل إلى أحياء يملكون الشجاعة للبقاء، لا يحتاج إلى مزيد من “الدماء الزكية”، بل إلى عقول حيّة تبني لا تهدم، تُشارك لا تُقصي، تنقد لا تقتل.
الحياة ليست نقيض الكرامة، بل هي مكانها الأول، والبطولة لا تكمن في أن تموت من أجل شيء، بل أن تعيش لأجله، وتحفظ له كرامته.
كل هذا الموت، وكل هذه التضحيات، وكل هذه الدماء التي سالت على قارعة الفتاوى، وعلى أعتاب الولاءات، وعلى أرصفة الخوف والحب والعار، ماذا خلّفت لنا؟
لا وطن آمن، ولا سلام دائم، ولا عدالة متحققة، ولا حياة تُشبه الحياة. ما الذي يعنيه أن نموت من أجل الطائفة، والحزب، والعشيرة، إذا كان القبر واحدًا، والسادة جميعًا أحياء يقتسمون الولائم؟ ما الذي يعنيه “الشرف” إذا كان يُقاس بعدد القتلى؟ وما الذي يعنيه “الوطن” إن كنا لا نعرف كيف نعيش فيه من دون أن نتأهب للدفن؟









