“الشر: عبارة عن عدم ملاءمة الشيءِ الطبعَ”
كتاب التعريفات-عبد القاهر الجرجاني
–
“التتابع والتَّهافُت لا يكونان إلا في الشَّرِّ . وهاج الفحل والشَّر والحرب والفتنة. ولا يُقال: هاج لِما يؤدي إلى الخير”
فقه اللغة- الثعالبي
–
“ قال الفراء: يقولون وَعَدْته خيراً، ووعدته شرّاً؛ فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير ” وَعَدْته ” وفي الشر ” أوْعَدْته ” فإذا جاؤوا بالياء قالوا: ” أوْعَدْته بالشَّرِّ ” فأثبتوا الألف”
أدب الكاتب-ابن قتيبة
هتك الذكاء الاصطناعي (الذي لا ينسى) النصوص التي نتداولها، العبارات المكتوبة التي تتآلف نصاً، عافت لسان العقل وهواء الحلقوم لتُرصف حججاً ناصعة على رقعة لا نرد فيها، خريطة من نماذج تقذف “النص” يقيناً محسوباً شديد القياسية.
هذه النصوص في منطقها الداخلي أصبحت “كوداً”، لا ميتافيزيقيا في أصلها، بل نظام احتمالات يتغير كل لحظة، جاعلة من مُتَخَيلِ المُحاججة ماكينة غير عزباء، جُهدها في رصف الحجج وتصنيفها وتقييمها ثم إلباسها أسلوب “الحقيقة”، أو بصورة أدق:”الإجابة”، يثير الريبة بيقين ناصع متماسك.
تطورت نسخ من نماذج الذكاء الاصطناعي يُقال إنها “لا تهلوس”، أي لا تؤلف ولا تستطرد ولا تكذب أو تحتال ولا تسهو أو ترتجل، تتمتع بانضباط الرياضيات أمام خيمياء اللغة والدماغ المتهورة، ليقف الحِرَفيُ الإنساني هنا، ناسخ ذاكرته نصاً، في حيرة أمام آلة لا تنسى.
اليقين في النص المولد بالذكاء الاصطناعي يهدد وظيفة “الكتابة” كمحو للأنا، وتلاشي الكاتب أمام النص، هذا اليقين أشبه بترياق أمام انتحار متكرر يمارسه من يكتب، ويحاول استعادة المعاني من سراب الذاكرة، إذ لم تعد مهمة الكتابة قتل “الأنا”، بل مواجهة بنية داخلية لإنتاج الحلول، بنية أرسطو-خوارزمية، تُعطل الباتافيزيقيا (علم الحلول المتخيلة)، بنية يقين صارم أمام الزلات والهفوات وتدفق الأفكار من دون ارتباط داخلي، بنية يعطل عبرها غرور نص الذكاء الاصطناعي بداهة الدماغ المُلتبسة.
عطلت نماذج الذكاء الاصطناعي التلصص، وسوء الاقتباس، والسهو، وزلات اللسان، وتناقض المؤلفات، نحن أمام انضباط في التحقيب والحجج المفرطة في تناظرها، هددت هذه النماذج أيضاً صيغة السؤال الأثينية عبر ضبط الحذلقة الأرسطية التي تنتهي باجتراع السمّ، تساؤلات القارئ أمام الذكاء الاصطناعي، مُحصّنةٌ ضد “المُهلوسين”، في تطبيق صارم الى حد الفزع لقوانين سهل”أكاديمية روما”: ممنوع القراءة بصمت وممنوع الاستمناء.
نحن أمام نصوص سكولائية، يولّدها قرّاء تغويهم نصاعةُ المنطق المتقن وكسله، ينسبونها الى أنفسهم النسّاءة، في إثبات لحضورها، أمام تلاشي “الأنا” في الصمت وجَلدِ عميرة، لا جنازة لكاتب في كلّ نص، بل وهم “بصيرة” يمنحه السؤال، مهما كان، لمن يعلم يقيناً (وبصمت) أن بين تلك الكودات رصفاً ومنطقاً لا ينتمي الى حيرته.
ضمن هذه اللافوضى من نصوص الذكاء الاصطناعي، والمُخيلة العَقِيمة لتفسير العالم خارج ثنائية “ليس/بلّ”، والماكينة التي حرفياً “تجتر” الكتب لتجيب عن تساؤلاتنا وتحسّن نصوصنا وتغلق ما ترك فيها سهواً، وتسمم معاجم اللسان المشتركة بتوحيد أراشيفها، وعلامات الترقيم التي لا تخيب، يظهر كتاب “الشر-دراسة لتقنيات ضائعة” للفيلسوف الإيراني – الأميركي جايسون باهباك محقق، كامتداد لعالم الاكتشاف الأدبي/ البلاغي الذي يخوضه منذ كتبه الأولى، إذ يختبر محقق في “الشر” ما فوق الكتابة، وما يحكم الأرشفة والنص، يختبر صحّة النماذج نفسها التي تولّد اللغة، جامعاً المُهمل بوجه الفاحش في حضوره حد عمه القارئ، عبر تتبع “الشر”، أو “مجموعة من التقنيات المايكروية الضائعة في الزمن”.
يلعب محقق مع الأنواع الأدبية، يستفيد من تقنيات التجريد الزائف والاقتباس المحوّر، والتعاويذ في تتبع الشر، هو لا يرصد المعنى ضمن كتلة نصيّة، بل يعتمد شيفرات الأرشفة والتوثيق والاقتباس، لينزع عنها “اليقين” نحو عبارات البداهة التي تحاكي الذائقة قبل القراءة، أشبه بمن زار مكتبة بورخيس البابلية سراً، وسرق بعضاً من قوائمها التي لم تُكتب بعد.
الاستعانة بتقنيات “ما فوق النص” تجعل القارئ أمام تحدّ لإعادة النظر في أسلوبه ذاته، والتشكيك في صوت القراءة الداخلي Readee، ذاك الصوت الذي نردد فيه العبارات أمام أنفسنا لنضبط انطباعها في مكاتبنا وفي المادة الرمادية في قشرة الدماغ، تلك التي تعيد النظر بتصانيف الكَلِم، وهنا تتضح تقنيات محقق بوصفه يكتب قبل الكتابة، لنقرأ بعد النص الذي يضحي سلسلة احتمالات أهملت بسبب النسيان ونماذج الذكاء الاصطناعي.
لا شكل واحد للشر ولا تعويذة لتفضحه، ولا تاريخ لتحقيبه، بل يمكن فقط تتبع أثره الممحيّ، الذي يتلاشى بمجرد “رصده” حيث يلتَبِسِ ويغدو يقيناً، فيبُطُل الشرّ منه، يمكن تتبع الانمحاء هذا على حواف الحفر حيث تلتهب الأشلاء، والفتحات المتواجهة للزنزانات الانفرادية، المبادئ الأولية غير المكتملة للبلاغة، المقدمات الهذيانية، رطانة المنفيين في بلاد أجنبية، أثر غبار الطلع بعد مجزرة، فوارق لغوية و”أخطاء شائعة” تدلل غرور البداهة.
ملامح الشر في نص محقق أشبه بخريطة هوسيّة، تتغير مع كل قراءة، ليبدو الشر ما فوق نصيّ، نشوة يقين في المعدة تهدد التباس الأوجه على الهائم، في عوالم كهذه اعتمد محقق على ثلاثة نماذج لرصد جغرافيا الشر المُتقلبة.
النموذج الأول هو “المبادئ”، والثاني هو “الرسوم”، والثالث هو “المكتبة”، الأول والثاني شذرات مهمّشة، ملاحظات أهملها النسّاخ في المخطوطات، محاولة لتفكيك النوع النصي لمفاعِلته الأولى، وعناصره التي تكسب المعنى إطاراً كي يتضح في القحف، حيث تكون اللغة وسيلة لضبط الكلام وإكسابه معنى، “المبادئ” تُخاطب القارئ بوصفه جهاز تعرض للقرصنة لتعيد برمجته، من دون كيتامين، بل عبر صحو مغناطيسي متفاوت الإيقاع، أما الرسوم، فتعويذاتُ تخاطب المخيلة وراء الحَدقية، الانطباع الأخير للكابوس قبل الاستيقاظ.
ما يهمنا هو “المكتبة” التي يَصفها مُحقق بـ”توصيف أرشيف، وعمارة قد تشكّل رفاً لدى جامع لكتب الشر”، هذه المكتبة أطلق عليها محقق اسم “بيت الحكمة الثانية”، وتحوي “محاججات مزيفة، شظايا غير بشرية…”، قاعاتها السبعة متصلة، لا يدخل “القارئ” واحدة إلا بعد إتمام ما فيها، ونسيانه.
استعنا ببلاهة الفيزياء التي تجمع الكتاب ورقاً، وتتيح التسلل في ثُقوب الخُراسانة السائلة، لنقف أمام الحجرة الثالثة من المكتبة، لما فيها من أوجه تُشبه الآن ما نراه ونشهده ونستهلكه ويقحم في الأذن والحدقية، تجسيد تخييلي للشر في الأثير، نحن عاجزون عن تحديده بدقة، كون ميلنا الى جعله واحداً ذا مصدر جوهري، يهدد ميوعة الهلوسة بعبقه اللامعيّن، وأدوات الذكاء الاصطناعي تنتجه كـ”منطق” رادمةً هوّة وادي اللايقين، فارضاً هيمنة الذاكرة، وعلفاً للذباب الاإكتروني المُروج لصيغٍ ثابتة للتأويل والتفكير والحد بين الهذر والزيف والمشاعر.
ذباب متخصّص في نزع الكرامة من سِيرِ الناس، وحَلمهة ماء الوجه حد تلاشي الملامح، رصيناً أمام غواية الهذر، لذا نكتفي بترجمة النص الخاص بالحجرة الثالثة من المكتبة الذي يحمل اسم “برج الراديو”.
تجدر الإشارة الى أن كل قسم من المكتبة، ذو اسم، وتصميم خاص، ومكان محدد، تعمل فيه طائفة من القيّمين والمُشغلين، ويحوي ممراً، وأرشيفاً، ونبوءة لنهاية العالم.
==
برج الراديو
[المنطقة 3]
الإحداثيات*: 55.7173° شمالاً، 37.6116° شرقاً
السنة: 1920
الشكل: مدببّ بشدة (شبكة قطرية، مخروطي)
المادة: الفولاذ
الأغراض: هوائيات، أسلاك، ترانزستورات، أقفاص كهرومغناطيسية
الطائفة: رهبنة الرسل الزائفين
الطقوس: تقديس الوشيعة الحلزونية، حركات التعدّي غير المحسوس
[ممر التلقين]
داخل المنطقة، تضع الحُجرة الثالثة من “البيت” المرء أمام برج عظيم مدبّب، بُني من بقايا جسور مفكّكة. هنا، جميع الكتب هي رسائل إذاعية تنطق بها لجنة البثّ، التي تعمل داخل الغرفة العليا في الهيكل الفولاذي الشبكي للبرج: يجلس أفرادها خلف صفوف من أجهزة استقبال ستيريو، وشاشات مراقبة، وميكروفونات ذات ترددات بالكاد تُسمع، تبثّ برامج من المعلومات المضلّلة ضمن دورات محددة.
كل ليلة، تتسلّق جماعة من التكنوقراطيين، ذوي الأوجه المُغطاة بخمار: يصعدون الشبكة القطرية القائمة بذاتها، التي تشبه مسلّة من ألف قفص صدري، حتى يبلغوا الشرفة العليا لإبرة البث، حيث يبدأون عملهم (الهندسة الإنشائية للكذبة).
التصميم الأملس المقاوم للرياح يحميهم أثناء حملجة تقنيات بث الرسائل الزائفة، مرسلين إرشادات مُضلّلة رقيقة وعديمة الوزن عبر وميض الأضواء القوية. ثمّة تعصّب جليدي لا يوجد إلا في هذه العوارض الخشبية: فوقهم، إبرة البث التي تطعن الطبقة الأولى من السماء؛ وتحتهم، تدفق من مقاطع شبكية أسطوانية، مكدّسة فوق حفر مفتوحة تدور مثل عجلة روليت مختلّة. هذه الحياكة الحديدية الطليعية هي المقرّات المستولى عليها للسلطة الخامسة (وكلاء التلاعب المطلق).
هناك روايات مختلفة بشأن كتلة الرسل غير النزيهين الذين يشغلون هذا المخروط: يزعم بعضهم أنهم طائفة رهبنة جديدة من العموديين**، قدّيسو الأعمدة الذين عاشوا لعقود واقفين فوق عمود واحد، متحمّلين الألم وتحنيط الجسد حياً في الأعالي، هم معضلة في الزهد بقيت بلا حلّ على مرّ العصور.
يبدي آخرون قلقهم من أن مهمّة هؤلاء هي تصنيع آلة تأثير شاملة (وظائفها: المراقبة، السيطرة، التعذيب) — توليفة من أسلاك وكرات وتروس دوّارة عجيبة، تستخدم الكلمات كإبر تحت الجلد لتدسّ صوراً مقلقة في أحلام النائمين في البيوت المجاورة. وفي كلتا الحالتين، فإن برج البثّ هذا فلسفةٌ للتأبير*** في كل معنى يمكن تصوّره (ما ينحت في مواجهة الزرقة السماوية).
==
على قارئ المنطقة 3 أن يجسّد المستمع الشرير، متعلّماً بثّ مسارات إيحائية للخيال عبر موجات الأثير، ليكتسب ثلاث قوى: (1) انتحال الشخصية (قارئ الأفكار: أن ينطق بالصوت الداخلي للآخر)؛ (2) الإيحاء (ناسخ الأفكار: أن يغرس خيوطاً متشعّبة من الدسائس أو الهوس)؛ (3) الاستخراج (سارق الأفكار: أن يسلب مسارات كاملة من التفكير).
يعتني خدم البُرج بلوحات التوصيل كل ليلة؛ للأسباب الخفية السابقة ذاتها. وبناءً عليه، فإن كل صفحة تُقرأ في المنطقة 3 تُدرج قطعة من الهوية في عالم الموصلات والجسيمات الفرعية والإلكترونات؛ وكل كتاب يُستكمل يربط الجسد، على نحو متزايد، بهوائي البرج المهيمن على الاتجاهات.
هذه هي كلفة التدريب على تعديل الإشارات: أن يعمل المرء في آن واحد بوصفه موزّعاً (نصف مشتّت) وموضوعاً للعب (نصف مخوزق)؛ أن يسكن كامل هول الاتهامات، والسمعة السيئة، والشهادة الخادعة؛ أن يصبح جهاز استشعار عن بُعد للاختلاقات المريعة.
[نصوص المكتبة]
كتاب الأصداء
[إرساليات مجهولة المصدر، شيفرات جزئية، شذرات من الألغاز]
[منطق فكّ التشفير، التجسّس، لقاءات المكائد السرّية]
[مختارات من المحو (حبر يختفي، طروس)]
[طرائق التعذيب الصوتي]
كتاب المتنصّت
[صفحات من محادثات سرّية؛ مجموعات من رسائل مسروقة (بأختام مكسورة)]
[أقوال منسوخة لأناس يتكلّمون أثناء النوم، هذيانات تحت تأثير التخدير]
[ممارسة كتابة الأقدار وسرقة الأمنيات من السطور الأولى لأفعال الكلام التي سمعت مصادفة]
[سِيَر مستمعين استثنائيين، وقارئين، وحكماء مصابين بالصرع]
كتاب الأجهزة الرديئة
[تاريخ الأمواج الكهرطيسية، والإشارات، وموجات الراديو (تناغم فصامي)]
[حكايات التضليل (إشارات زائفة، انعطافات خاطئة، شهادات غير دقيقة)]
[مقدّمات علمية خاطئة، والوقائع الموازية التي كان يمكن أن تنشأ عن أخطائها]
[تواريخ الأعطال (حاضنات معيبة)]
[تجارب عجائبية بالكهرباء (إعادة الإحياء، الجهد، التوصيل، التوهّج)]
[روايات عن أفراد أصابهم البرق]
[نقش نهاية العالم]
[كون يفكّكه تجريد الخبراء]
يدور حديث عن انشقاق حديث داخل اللجنة: بدأت بأقلية صغيرة تجرّب مع الرؤى (النطق بما لم يُحرّف). ومع ذلك، فإن تنبّؤات هذه الخلية أسوأ بكثير من المعلومات الاستخبارية الاحتيالية والفاسدة للتحالف الرئيسي؛ إذ تُحدث نداءاتها ارتعاشاً أَلْفياً في كل حاضرة على الأرض: هذا هو سمّ النبوءة التي تحقّق ذاتها.
أولاً يحل الارتعاب، ثم التلوي في الجحيم. وقد تسلّق عدد من الأبرياء بالفعل درجات البرج، ورقصوا على نحو محفوف بالخطر على طول رأسه المدبّب، وألقوا بأنفسهم ليرتطموا بالخوازيق في الأدنى (سرعان ما سيتبعهم الجميع). ولذلك، على قارئ المنطقة 3 أن يكشف أعضاء هذه الحركة المضادّة، وأن ينظف المكان من أشلائهم قبل فوات الأوان: فالنصوص الأقدم مليئة بدروس عن كيفية التمييز بين النبرة، واللهاث، واللاأسلوب الخاص بقائل الحقيقة؛ كما أنها تكشف الأحقاد التحويلية للمدّعي، المرائي، والبخاخ، والمنتحِل. على المرء أن يراوغ: حيلة وحيدة لفكّ مصفوفة الأصالة بكاملها. ولهذا ينبغي أن يتمرن على شروط نزلع السحر لعكس خشونة البرج وتعرّجاته.
—
* برج شوخوف: هو برج بث يقع في العاصمة الروسية موسكو صممه المهندس فلاديمير شوخوف، يرتفع 160 مترًا، وبُني ما بين عامي 1920م إلى 1922م أثناء الحرب بين البلاشفة وخصومهم.
** نسبة الى القديس السوري سمعان العامودي
*** من إبرة
إقرأوا أيضاً:










