ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

تمويل الإعلام اللبناني: سلطة المال لتطويع الرأي العامّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا شكّ في أن العالم الرقمي أسهم في إثراء التنوّع الإعلامي ووفّر مصادر بديلة للمعلومات، في وقت لا تزال فيه وسائل الإعلام التقليدية تواجه ضغوطاً مالية وبيئة سياسية قمعية. هذا الواقع يسلّط الضوء على التفاوت الواضح في مستوى الشفافية بين الإعلام التقليدي والمنصّات الرقمية، ويؤكّد الحاجة الملحّة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في جميع القطاعات الإعلامية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شهدت الأسابيع الأخيرة في لبنان، تصاعداً في الحملات الإعلامية التي تشكّك في مصادر تمويل بعض المؤسّسات الإعلامية المستقلّة، من بينها “درج” التي كانت جزءاً من كشف فساد وانتهاكات، خصوصاً من بعض المصارف والنافذين، وتزامنت الحملات الإعلامية مع إقرار تعديلات جديدة على قانون السرّية المصرفية في حكومة نوّاف سلام. 

اللافت أن هذه الحملات غالباً ما تصدر عن منصّات لا تفصح هي نفسها عن مصادر تمويلها، رغم أن ما هو متوافر من معلومات، يُشير إلى أن الكثير من هذه المؤسّسات تتلقّى دعماً من جهات سياسية ومصرفية، بما في ذلك مصارف متورّطة في حجز أموال المودعين، بينما حقّق رؤساء مجالس إداراتها أرباحاً ضخمة.

يُفاقم غموض تمويل وسائل الإعلام في لبنان، وتداخل ملكيّاتها مع الطبقة السياسية، أزمة الثقة بين الجمهور وهذه المنصّات، علماً أن المادّة 2 (ب) فقرة 3 من تعديل قانون السرّية المصرفية للعام 2022، نصّت على استثناء رؤساء مجالس إدارات الشركات المالكة أو المديرة للوسائل الإعلامية وأعضائها، من أحكام السرّية المصرفية، ما يفتح الباب أمام تعزيز الشفافية والمساءلة في القطاع الإعلامي.

في هذا السياق، وجّهت “درج” إلى نحو 40 وسيلة إعلامية لبنانية، من بينها المحطّات التلفزيونية الكبرى (MTV ،LBC، الجديد، NBN ،OTV، المنار) مجموعة من الأسئلة حول الشفافية المالية وواقع تمويل الإعلام، شملت مدى استعداد هذه المنصّات للكشف عن حساباتها المصرفية في حال طُلب منها ذلك، والسياسات المعتمدة لضمان الشفافية، وتوضيح مصادر التمويل الرئيسية، وأسباب عدم التجاوب مع طلبات “مرصد ملكيّة وسائل الإعلام”، الصادر عن مركز “سكايز”، إضافة إلى تلقّي أي دعم مالي من جهات سياسية أو مصرفية. 

كما تضمّنت الأسئلة كيفية ضمان استقلالية الخطّ التحريري عن مصادر التمويل، ومدى الالتزام بتقديم بيانات مالية للسلطات اللبنانية كما يفرض قانون الإعلام المرئي والمسموع للعام 1994. 

وقد استندت هذه المبادرة إلى معطيات تقرير “مرصد ملكيّة وسائل الإعلام”، الذي أشار إلى أن أربع منصّات فقط؛ من بينها “درج”، تتمتّع بالشفافية الكاملة، بينما تُواصل غالبية وسائل الإعلام إخفاء مصادر تمويلها، وارتباطها الوثيق بالطبقة السياسية عبر الأسهم والملكيّة.

لم تتلقَّ “درج” أي ردّ من الوسائل الإعلامية باستثناء منصّة واحدة هي “961”؛ نورد ردّها ضمن المقالة. في المقابل، اقتصر تفاعل أحد الصحافيين المعروفين بدفاعهم عن المصارف، على نشر تغريدة بشأن الاستبيان الذي أرسلته “درج”.

واقع الشفافية: أرقام صادمة ورفض واسع للإفصاح

يُشير تقرير “مرصد ملكيّة الإعلام” للعام 2024 إلى أن نحو 90% من وسائل الإعلام اللبنانية تُخفي مصادر تمويلها، ونادراً ما تكون هذه المصادر مرتبطة بالإعلانات، أو عائدات الإنتاج التقليدية. من بين 37 مؤسّسة شملتها الدراسة، أظهرت أربعة فقط شفافية فعلية في الكشف عن ملكيّتها وتمويلها، وهي: “درج”، و”ميغافون”، و”إذاعة صوت كلّ لبنان”، و”L’Orient Le Jour”. 

في المقابل، ترتبط غالبية المؤسّسات الإعلامية بشكل مباشر أو غير مباشر بالطبقة السياسية اللبنانية، إذ يمتلك 80% من وسائل الإعلام أسهماً تعود لسياسيين أو عائلات نافذة، فيما يملك 43 وزيراً أو نائباً حالياً أو سابقاً حصصاً في شركات إعلامية، بحسب “المرصد”.

أما على صعيد التجاوب مع الاستبيان الذي أرسله “المرصد” إلى 37 مؤسّسة إعلامية، فقد جاءت نسبة الردود منخفضة جدّاً، حيث تجاوبت 11 وسيلة فقط، ولم تكن جميع الردود كاملة، إذ أجابت خمس وسائل إعلامية فقط بشكل كامل عن جميع الأسئلة المتعلّقة بالحصص المالية أو التمويل، بحسب ما تُوضح وداد جربوع، الصحافية والباحثة في مركز “سكايز” وأحد معدّي التقرير، في مقابلة لموقع “درج”. 

وفي هذا السياق، تؤكّد جربوع أن “غياب الشفافية حول تمويل الوسائل الإعلامية في لبنان، يُعدّ من أخطر العوامل التي تُضعف دور الإعلام كسلطة رقابية مستقلّة، لا سيّما في ظلّ تدخّل السياسة والاقتصاد ورجال الأعمال في القطاع الإعلامي. وتكمن الخطورة في إمكانية تضليل الرأي العامّ وغياب المساءلة، إذ إن غموض مصادر التمويل يجعل الوسائل الإعلامية بمنأى عن أي رقابة مالية أو مهنية، ما قد يفتح الباب أمام الفساد ويقوّض التعدّدية الإعلامية، ويؤدّي إلى قمع الأصوات المستقلّة”. 

وتُشير جربوع إلى أنه “عندما تكون ملكيّة وسائل الإعلام بيد سياسيين أو أحزاب سياسية، تصبح الشفافية في التمويل تهديداً محتملاً لكشف شبكات النفوذ والمصالح المتبادلة، وهو ما يفسّر إصرار عدد كبير من وسائل الإعلام على عدم الإعلان عن مصادر تمويلها”. وتُظهر الدراسة أن المشهد الإعلامي في لبنان، يعاني أساساً من تسييس حادّ وارتباط وثيق بين وسائل الإعلام والسياسيين، الأمر الذي يهدّد حرّية الصحافة ويعزّز الانحياز والاستقطاب.

من جانبه، يُوضح جاد شحرور المسؤول الإعلامي في “مؤسّسة سمير قصير”، لموقع “درج” أن “التعامل مع المعلومات المالية يتمّ أحياناً وكأنها أسرار أمن قومي، ما يجعل التصريح بها شبه مستحيل، بخاصّة في ما يتعلّق بالأرباح والبيانات المالية”، ويُشير إلى أن “المعلومات المتوفّرة تقتصر غالباً على معرفة ملكيّة الأسهم وبعض التفاصيل المحدودة، بينما يبقى عدد الجهات التي تصرّح فعلياً عن مصادر تمويلها أو هوّية الشركات المالكة ضئيلاً جداً”. 

التمويل المصرفي: نفوذ خفيّ وتأثير مباشر

قبل الأزمة الاقتصادية في 2019، كان القطاع المصرفي يضخّ نحو 30 مليون دولار سنوياً في وسائل الإعلام اللبنانية، توزَّع وفق الانتماءات السياسية، وليس بناءً على معايير مهنية أو جماهيرية، بحسب تقرير لـ “معهد سياسات الغد” الصادر في تمّوز/ يوليو 2023. وبلغت قيمة الإعلانات للمؤسّسات المصرفية والمالية ذروتها في عام 2018، حيث تجاوزت 54 مليون دولار بين 6 نيسان/ أبريل و6 أيّار/ مايو من ذلك العام، ثم تراجعت بنسبة 16% خلال الفترة نفسها من العام 2022، نتيجة حدّة الأزمة وتدهور سعر الصرف. 

ويُشير التقرير إلى أن مجموع الفقرات الإعلانية المعلن عنها والخاصّة بالمصارف والمؤسّسات المالية بلغ نحو 50.8 مليون دولار، بين 15 نيسان/ أبريل و15 أيّار/ مايو 2022، كان من بينها نحو 11.6 مليون دولار لصالح “MTV”، تليها “الجديد” بـ 10.3 مليون دولار، ثم “OTV” بنحو 7.8 مليون دولار.

ورغم تراجع الإنفاق العلني بعد الأزمة، استمرّت العلاقة بين المصارف ووسائل الإعلام من خلال اتّفاقيات جانبية، شملت رزم دعم مقابل تغطية إعلامية محدّدة، أو استضافة شخصيّات معيّنة، أو حتى ترويج سرديات تصبّ في مصلحة المصارف. فعلى سبيل المثال، أشار الإعلامي وليد عبود في  برنامج “تفاصيل” إلى أن انضمام الإعلامي مارسيل غانم إلى قناة “MTV” جاء في إطار حزمة دعم من مموّله المصرفي أنطون صحناوي. 

ومن ينسى إعلان SGBL الشهير الذي قال فيه مارسيل غانم “أوّل ما بلّشت كان أنجأ معي فكّر… لقيت أنه حتى بهالبلد، يلي بيتعب بلاقي، بلاقي نتيجة تعبه، وبلاقي مين يوقف حدّه”، وتجدر الإشارة إلى أن مصرف ” SGB” يُعدّ ممولاً مباشراً لبرنامج “أنا قال” على قناة “MTV”، وهو ما سبق أن تفاخر به المصرف علناً.

غياب الرقابة الرسمية: حالة “MTV” نموذجاً

تسلّط “المفكّرة القانونية” الضوء على غياب الرقابة الرسمية عن موارد المؤسّسات الإعلامية مستشهدةً بقناة “MTV”، التي لم تقدّم أي جردة استثمارية لوزارة الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، رغم أن القانون يفرض عليها ذلك كلّ ستة أشهر. ويرتكز تحقيق “المفكّرة القانونية” على أحكام قانون تنظيم البثّ التلفزيوني والإذاعي، وتحديداً المادّة 42 التي تنصّ صراحة على إلزام الشركة صاحبة الترخيص، بتقديم حساب الاستثمار العائد للمؤسّسة إلى وزارة الإعلام مرّتين سنوياً، وتكمن أهمّية هذا التصريح في كونه يفترض أن يتضمّن جميع الموارد المالية الناتجة عن أنشطة المؤسّسة الإعلامية، ما يتيح للوزارة ممارسة الرقابة والتأكّد من التزام المؤسّسة بالقانون.

هذا التقاعس لا يقتصر على “MTV” وحدها، بل يشمل معظم القنوات التلفزيونية الكبرى، بحسب ما أكّده رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ لـ”المفكّرة القانونية”، إذ إن جميع قنوات الفئة الأولى لم تقدّم أي جردة استثمارية للوزارة منذ أكثر من عقد. 

وفي هذا السياق، تشير وداد جربوع إلى أنه “من بين القنوات التلفزيونية الثلاثة الكبرى، تجاوبت اثنتان فقط مع الاستبيان وقدّمتا بعض المعلومات حول مصادر التمويل والهيكلية المالية، إلا أنهما امتنعتا عن تقديم جميع المعطيات المطلوبة، واقتصرت إجاباتهما على عدد محدود من الأسئلة، من دون تقديم بيانات مالية شاملة ومتكاملة”.

ردّ منصّة “961”

وفي هذا السياق، ورداً على أسئلة “درج”، أوضحت منصّة “961” في رسالة إلكترونية: “ليس لدينا أي مشكلة في الإفصاح، ولكن نظراً للطبيعة الاستغلالية للبيئة القانونية والتجارية في لبنان، وكيفية استخدام البيانات المالية وتوظيفها كسلاح، لا نرغب في الكشف عن أي من بياناتنا المالية علناً. وحتى يتغيّر هذا الواقع، لا مانع لدينا من الإفصاح الخاصّ لجهة موثوقة مثل “مؤسّسة سمير قصير” (SKF) لتأكيد أي معلومات مطلوبة. لدينا مصادر دخل متعدّدة تشمل الإعلانات، والترخيص، ومشاريعنا مثل: مساحة العمل المشتركة ومتجر المنتجات… نحن من بين القلائل في لبنان الذين يتمتّعون بالاستقلالية التامّة والربحية المستقرّة. لم نتلقَ أي دعم مالي أو غيره، من أي جهة سياسية أو مصرفية، ولا نحتاج إليه… يعرف جميع المعلنين لدينا أنهم لا يستطيعون التأثير، أو التدخّل في سياستنا التحريرية، بما في ذلك المحتوى الذي يتمّ رعايته من قِبلهم. جميع المواد الدعائية لدينا يتمّ الإفصاح عنها بوضوح، وتظهر على منصّتنا أمام المستخدمين”.

لا شكّ في أن العالم الرقمي أسهم في إثراء التنوّع الإعلامي ووفّر مصادر بديلة للمعلومات، في وقت لا تزال فيه وسائل الإعلام التقليدية تواجه ضغوطاً مالية وبيئة سياسية قمعية. هذا الواقع يسلّط الضوء على التفاوت الواضح في مستوى الشفافية بين الإعلام التقليدي والمنصّات الرقمية، ويؤكّد الحاجة الملحّة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في جميع القطاعات الإعلامية.

15.05.2025
زمن القراءة: 7 minutes

لا شكّ في أن العالم الرقمي أسهم في إثراء التنوّع الإعلامي ووفّر مصادر بديلة للمعلومات، في وقت لا تزال فيه وسائل الإعلام التقليدية تواجه ضغوطاً مالية وبيئة سياسية قمعية. هذا الواقع يسلّط الضوء على التفاوت الواضح في مستوى الشفافية بين الإعلام التقليدي والمنصّات الرقمية، ويؤكّد الحاجة الملحّة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في جميع القطاعات الإعلامية.

شهدت الأسابيع الأخيرة في لبنان، تصاعداً في الحملات الإعلامية التي تشكّك في مصادر تمويل بعض المؤسّسات الإعلامية المستقلّة، من بينها “درج” التي كانت جزءاً من كشف فساد وانتهاكات، خصوصاً من بعض المصارف والنافذين، وتزامنت الحملات الإعلامية مع إقرار تعديلات جديدة على قانون السرّية المصرفية في حكومة نوّاف سلام. 

اللافت أن هذه الحملات غالباً ما تصدر عن منصّات لا تفصح هي نفسها عن مصادر تمويلها، رغم أن ما هو متوافر من معلومات، يُشير إلى أن الكثير من هذه المؤسّسات تتلقّى دعماً من جهات سياسية ومصرفية، بما في ذلك مصارف متورّطة في حجز أموال المودعين، بينما حقّق رؤساء مجالس إداراتها أرباحاً ضخمة.

يُفاقم غموض تمويل وسائل الإعلام في لبنان، وتداخل ملكيّاتها مع الطبقة السياسية، أزمة الثقة بين الجمهور وهذه المنصّات، علماً أن المادّة 2 (ب) فقرة 3 من تعديل قانون السرّية المصرفية للعام 2022، نصّت على استثناء رؤساء مجالس إدارات الشركات المالكة أو المديرة للوسائل الإعلامية وأعضائها، من أحكام السرّية المصرفية، ما يفتح الباب أمام تعزيز الشفافية والمساءلة في القطاع الإعلامي.

في هذا السياق، وجّهت “درج” إلى نحو 40 وسيلة إعلامية لبنانية، من بينها المحطّات التلفزيونية الكبرى (MTV ،LBC، الجديد، NBN ،OTV، المنار) مجموعة من الأسئلة حول الشفافية المالية وواقع تمويل الإعلام، شملت مدى استعداد هذه المنصّات للكشف عن حساباتها المصرفية في حال طُلب منها ذلك، والسياسات المعتمدة لضمان الشفافية، وتوضيح مصادر التمويل الرئيسية، وأسباب عدم التجاوب مع طلبات “مرصد ملكيّة وسائل الإعلام”، الصادر عن مركز “سكايز”، إضافة إلى تلقّي أي دعم مالي من جهات سياسية أو مصرفية. 

كما تضمّنت الأسئلة كيفية ضمان استقلالية الخطّ التحريري عن مصادر التمويل، ومدى الالتزام بتقديم بيانات مالية للسلطات اللبنانية كما يفرض قانون الإعلام المرئي والمسموع للعام 1994. 

وقد استندت هذه المبادرة إلى معطيات تقرير “مرصد ملكيّة وسائل الإعلام”، الذي أشار إلى أن أربع منصّات فقط؛ من بينها “درج”، تتمتّع بالشفافية الكاملة، بينما تُواصل غالبية وسائل الإعلام إخفاء مصادر تمويلها، وارتباطها الوثيق بالطبقة السياسية عبر الأسهم والملكيّة.

لم تتلقَّ “درج” أي ردّ من الوسائل الإعلامية باستثناء منصّة واحدة هي “961”؛ نورد ردّها ضمن المقالة. في المقابل، اقتصر تفاعل أحد الصحافيين المعروفين بدفاعهم عن المصارف، على نشر تغريدة بشأن الاستبيان الذي أرسلته “درج”.

واقع الشفافية: أرقام صادمة ورفض واسع للإفصاح

يُشير تقرير “مرصد ملكيّة الإعلام” للعام 2024 إلى أن نحو 90% من وسائل الإعلام اللبنانية تُخفي مصادر تمويلها، ونادراً ما تكون هذه المصادر مرتبطة بالإعلانات، أو عائدات الإنتاج التقليدية. من بين 37 مؤسّسة شملتها الدراسة، أظهرت أربعة فقط شفافية فعلية في الكشف عن ملكيّتها وتمويلها، وهي: “درج”، و”ميغافون”، و”إذاعة صوت كلّ لبنان”، و”L’Orient Le Jour”. 

في المقابل، ترتبط غالبية المؤسّسات الإعلامية بشكل مباشر أو غير مباشر بالطبقة السياسية اللبنانية، إذ يمتلك 80% من وسائل الإعلام أسهماً تعود لسياسيين أو عائلات نافذة، فيما يملك 43 وزيراً أو نائباً حالياً أو سابقاً حصصاً في شركات إعلامية، بحسب “المرصد”.

أما على صعيد التجاوب مع الاستبيان الذي أرسله “المرصد” إلى 37 مؤسّسة إعلامية، فقد جاءت نسبة الردود منخفضة جدّاً، حيث تجاوبت 11 وسيلة فقط، ولم تكن جميع الردود كاملة، إذ أجابت خمس وسائل إعلامية فقط بشكل كامل عن جميع الأسئلة المتعلّقة بالحصص المالية أو التمويل، بحسب ما تُوضح وداد جربوع، الصحافية والباحثة في مركز “سكايز” وأحد معدّي التقرير، في مقابلة لموقع “درج”. 

وفي هذا السياق، تؤكّد جربوع أن “غياب الشفافية حول تمويل الوسائل الإعلامية في لبنان، يُعدّ من أخطر العوامل التي تُضعف دور الإعلام كسلطة رقابية مستقلّة، لا سيّما في ظلّ تدخّل السياسة والاقتصاد ورجال الأعمال في القطاع الإعلامي. وتكمن الخطورة في إمكانية تضليل الرأي العامّ وغياب المساءلة، إذ إن غموض مصادر التمويل يجعل الوسائل الإعلامية بمنأى عن أي رقابة مالية أو مهنية، ما قد يفتح الباب أمام الفساد ويقوّض التعدّدية الإعلامية، ويؤدّي إلى قمع الأصوات المستقلّة”. 

وتُشير جربوع إلى أنه “عندما تكون ملكيّة وسائل الإعلام بيد سياسيين أو أحزاب سياسية، تصبح الشفافية في التمويل تهديداً محتملاً لكشف شبكات النفوذ والمصالح المتبادلة، وهو ما يفسّر إصرار عدد كبير من وسائل الإعلام على عدم الإعلان عن مصادر تمويلها”. وتُظهر الدراسة أن المشهد الإعلامي في لبنان، يعاني أساساً من تسييس حادّ وارتباط وثيق بين وسائل الإعلام والسياسيين، الأمر الذي يهدّد حرّية الصحافة ويعزّز الانحياز والاستقطاب.

من جانبه، يُوضح جاد شحرور المسؤول الإعلامي في “مؤسّسة سمير قصير”، لموقع “درج” أن “التعامل مع المعلومات المالية يتمّ أحياناً وكأنها أسرار أمن قومي، ما يجعل التصريح بها شبه مستحيل، بخاصّة في ما يتعلّق بالأرباح والبيانات المالية”، ويُشير إلى أن “المعلومات المتوفّرة تقتصر غالباً على معرفة ملكيّة الأسهم وبعض التفاصيل المحدودة، بينما يبقى عدد الجهات التي تصرّح فعلياً عن مصادر تمويلها أو هوّية الشركات المالكة ضئيلاً جداً”. 

التمويل المصرفي: نفوذ خفيّ وتأثير مباشر

قبل الأزمة الاقتصادية في 2019، كان القطاع المصرفي يضخّ نحو 30 مليون دولار سنوياً في وسائل الإعلام اللبنانية، توزَّع وفق الانتماءات السياسية، وليس بناءً على معايير مهنية أو جماهيرية، بحسب تقرير لـ “معهد سياسات الغد” الصادر في تمّوز/ يوليو 2023. وبلغت قيمة الإعلانات للمؤسّسات المصرفية والمالية ذروتها في عام 2018، حيث تجاوزت 54 مليون دولار بين 6 نيسان/ أبريل و6 أيّار/ مايو من ذلك العام، ثم تراجعت بنسبة 16% خلال الفترة نفسها من العام 2022، نتيجة حدّة الأزمة وتدهور سعر الصرف. 

ويُشير التقرير إلى أن مجموع الفقرات الإعلانية المعلن عنها والخاصّة بالمصارف والمؤسّسات المالية بلغ نحو 50.8 مليون دولار، بين 15 نيسان/ أبريل و15 أيّار/ مايو 2022، كان من بينها نحو 11.6 مليون دولار لصالح “MTV”، تليها “الجديد” بـ 10.3 مليون دولار، ثم “OTV” بنحو 7.8 مليون دولار.

ورغم تراجع الإنفاق العلني بعد الأزمة، استمرّت العلاقة بين المصارف ووسائل الإعلام من خلال اتّفاقيات جانبية، شملت رزم دعم مقابل تغطية إعلامية محدّدة، أو استضافة شخصيّات معيّنة، أو حتى ترويج سرديات تصبّ في مصلحة المصارف. فعلى سبيل المثال، أشار الإعلامي وليد عبود في  برنامج “تفاصيل” إلى أن انضمام الإعلامي مارسيل غانم إلى قناة “MTV” جاء في إطار حزمة دعم من مموّله المصرفي أنطون صحناوي. 

ومن ينسى إعلان SGBL الشهير الذي قال فيه مارسيل غانم “أوّل ما بلّشت كان أنجأ معي فكّر… لقيت أنه حتى بهالبلد، يلي بيتعب بلاقي، بلاقي نتيجة تعبه، وبلاقي مين يوقف حدّه”، وتجدر الإشارة إلى أن مصرف ” SGB” يُعدّ ممولاً مباشراً لبرنامج “أنا قال” على قناة “MTV”، وهو ما سبق أن تفاخر به المصرف علناً.

غياب الرقابة الرسمية: حالة “MTV” نموذجاً

تسلّط “المفكّرة القانونية” الضوء على غياب الرقابة الرسمية عن موارد المؤسّسات الإعلامية مستشهدةً بقناة “MTV”، التي لم تقدّم أي جردة استثمارية لوزارة الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، رغم أن القانون يفرض عليها ذلك كلّ ستة أشهر. ويرتكز تحقيق “المفكّرة القانونية” على أحكام قانون تنظيم البثّ التلفزيوني والإذاعي، وتحديداً المادّة 42 التي تنصّ صراحة على إلزام الشركة صاحبة الترخيص، بتقديم حساب الاستثمار العائد للمؤسّسة إلى وزارة الإعلام مرّتين سنوياً، وتكمن أهمّية هذا التصريح في كونه يفترض أن يتضمّن جميع الموارد المالية الناتجة عن أنشطة المؤسّسة الإعلامية، ما يتيح للوزارة ممارسة الرقابة والتأكّد من التزام المؤسّسة بالقانون.

هذا التقاعس لا يقتصر على “MTV” وحدها، بل يشمل معظم القنوات التلفزيونية الكبرى، بحسب ما أكّده رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ لـ”المفكّرة القانونية”، إذ إن جميع قنوات الفئة الأولى لم تقدّم أي جردة استثمارية للوزارة منذ أكثر من عقد. 

وفي هذا السياق، تشير وداد جربوع إلى أنه “من بين القنوات التلفزيونية الثلاثة الكبرى، تجاوبت اثنتان فقط مع الاستبيان وقدّمتا بعض المعلومات حول مصادر التمويل والهيكلية المالية، إلا أنهما امتنعتا عن تقديم جميع المعطيات المطلوبة، واقتصرت إجاباتهما على عدد محدود من الأسئلة، من دون تقديم بيانات مالية شاملة ومتكاملة”.

ردّ منصّة “961”

وفي هذا السياق، ورداً على أسئلة “درج”، أوضحت منصّة “961” في رسالة إلكترونية: “ليس لدينا أي مشكلة في الإفصاح، ولكن نظراً للطبيعة الاستغلالية للبيئة القانونية والتجارية في لبنان، وكيفية استخدام البيانات المالية وتوظيفها كسلاح، لا نرغب في الكشف عن أي من بياناتنا المالية علناً. وحتى يتغيّر هذا الواقع، لا مانع لدينا من الإفصاح الخاصّ لجهة موثوقة مثل “مؤسّسة سمير قصير” (SKF) لتأكيد أي معلومات مطلوبة. لدينا مصادر دخل متعدّدة تشمل الإعلانات، والترخيص، ومشاريعنا مثل: مساحة العمل المشتركة ومتجر المنتجات… نحن من بين القلائل في لبنان الذين يتمتّعون بالاستقلالية التامّة والربحية المستقرّة. لم نتلقَ أي دعم مالي أو غيره، من أي جهة سياسية أو مصرفية، ولا نحتاج إليه… يعرف جميع المعلنين لدينا أنهم لا يستطيعون التأثير، أو التدخّل في سياستنا التحريرية، بما في ذلك المحتوى الذي يتمّ رعايته من قِبلهم. جميع المواد الدعائية لدينا يتمّ الإفصاح عنها بوضوح، وتظهر على منصّتنا أمام المستخدمين”.

لا شكّ في أن العالم الرقمي أسهم في إثراء التنوّع الإعلامي ووفّر مصادر بديلة للمعلومات، في وقت لا تزال فيه وسائل الإعلام التقليدية تواجه ضغوطاً مالية وبيئة سياسية قمعية. هذا الواقع يسلّط الضوء على التفاوت الواضح في مستوى الشفافية بين الإعلام التقليدي والمنصّات الرقمية، ويؤكّد الحاجة الملحّة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في جميع القطاعات الإعلامية.

15.05.2025
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية