في فوضى محطة الحافلات “اللواج” في مدينة صفاقس، تتقدم امرأة من أصل أفريقي تحمل طفلتها الصغيرة داخل لفة من القماش خلف ظهرها، لتسأل عن الباصات المتجهة إلى مدينة سوسة. يأتي على الفور عنصر من أمن المحطة ويسألها عن أوراقها الثبوتية، ثم يطردها خارج المحطة بطريقة لا تخلو من الإذلال، تخرج مسرعة تاركة وراءها خوفها وعدم اكتراث المسافرين أو نظرات البعض المستغربة من وجودها.
كانت تلك صورة مصغرة عما يعانيه آلاف اللاجئين واللاجئات من أصل أفريقي في مناطق تابعة لمدينة صفاقس أو في تونس بشكل عام. البحر مسدود من أمامهم بأموال الاتحاد الأوروبي المقدمة فقط لمنعهم من الإبحار نحو شواطئه، وإبعادهم إلى الصحراء كأحد “الحلول” المأساوية التي تنتظرهم.
يقول إبراهيم، وهو لاجئ سوداني شاب أتى من أم درمان، أنه تم سحب القارب الذي كان على متنه مرتين من عرض البحر، وهو يحاول مع آخرين الإبحار إلى شواطئ أوروبا، “في المرة الأولى، أعادونا من البحر ثم أبعدونا إلى الجزائر لأننا قدمنا منها إلى تونس”.
عاد إبراهيم مرة أخرى إلى تونس وحاول الإبحار ثانية، لكن لسوء حظه تم الإمساك به من قبل خفر السواحل التونسية. يضيف إبراهيم: “شدوني (أمسكوا بي) ثم رموني مع آخرين في حقول الزيتون في منطقة العامرة التابعة لصفاقس، وأنا الآن بانتظار المعجزة لكي أنجو من هذا الوضع الكارثي”.
ويوضح إبراهيم أن هناك أشخاص يعرفهم تم إبعادهم بالقوة إلى ليبيا، حيث أُلقوا في مناطق نائية لا وجود فيها لأي نوع من المساعدات أو العناية.
على طول الطريق بين صفاقس ومنطقة العامرة، يجلس لاجئون تائهون من كلا الجنسين تحت أشجار الزيتون، ربما ينتظرون الفرج من السماء. يقول الناشط في مساعدة اللاجئين بدر (اسم مستعار) إن الكثير من اللاجئين يتعرضون لاعتداءات لفظية أو جسدية أو مضايقات وترهيب من قبل بعض السكان المحليين، خصوصاً بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس قيس سعيد في فبراير/شباط 2023، والذي اتهم فيه اللاجئين الأفارقة بمحاولة تغيير التركيبة الديمغرافية لتونس، وأكد وجوب اتخاذ “إجراءات عاجلة” لوقف تدفق المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا إلى بلاده، معتبراً أن هذه الظاهرة تؤدي إلى “عنف وجرائم”.
لكن هنالك حالة واضحة من الترهيب من قبل بعض السكان المحليين أو من السلطات، ضد الناشطات والناشطين الذين يحاولون مساعدة اللاجئين.
ويصف بدر كيف تم الهجوم عليه بعنف من قبل رواد مقهى محلي مجاور لبيته، حين اشترى علبة مناديل من لاجئ أفريقي، فقد تم اتهامه بأنه “يشجع ذلك اللاجئ على الاستيطان في تونس”، وتم طرد اللاجئ من المقهى.
لم تكن تلك الحادثة عابرة، فقد روى لاجئ آخر من نيجيريا أنه تعرض لإساءات عنصرية متكررة من قبل بعض سكان المنطقة، وكشف أن الذين تعرضوا له تهجموا على ناشط محلي حاول الدفاع عنه.
ووفقا لنشطاء محليين، فقد تم اعتقال ناشطة تونسية لأنها ساعدت لاجئة على الذهاب إلى المشفى، بعدما كانت على وشك الولادة إلى جانب الطريق، وما تزال الناشطة قيد الاعتقال حتى هذه اللحظة.
هذه بالطبع ليست تونس التي لطالما رحبت بالأشخاص المضطهدين والفارين من ويلات الطغاة والحروب.
ليست معاملة اللاجئين المحزنة هي الحال الوحيدة التي تقلق تونس، فأحوال حرية التعبير والصحافة وعمل جمعيات المجتمع المدني في وضع مزر أيضاً، وقد تم اعتقال العديد من الصحافيين والمحامين والناشطين على خلفية حرية التعبير، التي كانت أهم مكتسبات الثورة التونسية عام 2011 وأفضلها.
ويُعتبر المرسوم 54 الذي أصدره الرئيس قيس سعيد سيفاً مسلطاً على من يتجرأ على انتقاد النظام أو الخروج عن الطريق الذي رسمه، فقد اعتقلت الصحافية شذى حاج مبارك في القضية المعروفة إعلامياً “قضية إنستالينغو”، المتخصصة في إنتاج مواد إعلامية عبر شبكة الإنترنت.
وبرغم وضعها الصحي المتدهور وفقدانها السمع، وبرغم المطالبات العديدة من الخارج بإطلاق سراحها ومحاكمتها، ما زالت رهن الاعتقال، ووفقاً لمحاميها “هنالك تجاوزات قانونية خطيرة في ما يعرف بقضية إنستالينغو المفبركة”.
لم تواجَه شذى- وفقاً لمحاميها- بأية أدلة تثبت تورطها “بالتحريض ضد تونس” أو قيامها بارتكاب “أمر موحش ضد رئيس الجمهورية”، وهي تهمة تستخدم ضد الناشطين والصحافيين من أجل إسكات الأصوات الناقدة للسلطة، وعلى ما يبدو يتم استخدام هذه التهمة أسوة بالأنظمة القمعية العربية.
وبحسب نقابة الصحافيين التونسيين فقد تم إيداع شذى الحاج مبارك السجن المدني في المسعدين في سوسة بسرعة غير طبيعية وغير مفهومة، ففي اليوم ذاته تم تنفيذ القرار وكأن في الأمر خطورة شديدة، أو لضمان تنفيذ عقاب، أو لتيسير استكمال أبحاث ضرورية، وهو ما غاب في قضية الحال.
وتواجه مبارك تهمة خطيرة وعقاباً شديداً بالرغم من أن الأفعال المنسوبة إليها غير مؤسسة على ما له أصل، بل إن ما قامت به لا يتجاوز المراجعة والتدقيق اللغويين، ولم يقم دليل على كتابتها أو إنتاجها لأي محتوى يجعلها في دائرة الشبهة، وهو ما جعل قاضي التحقيق الذي تعهد بالقضية يُبقي عليها بحالة سراح ويحفظ التهم في حقها، غير أن دائرة الاتهام في محكمة الاستئناف في سوسة نقضت ذلك القرار، بل أصدرت في شأنها الإجراء الذي أودعها السجن، وفق النقابة.
وتقوم السلطات التونسية بتجاوز الخطوط الحمر التي حاولت السلطات السابقة تجنبها إلى حد ما، فقد قامت قوات الأمن التونسية في 11 مايو/أيار باقتحام نقابة المحامين لاعتقال المحامية سونيا الدهماني، بعدما أدلت بتصريح ساخر خلال مقابلة تلفزيونية، بأن “تونس ليس البلد الذي يطيب فيه العيش حتى يستقر فيها الأفارقة”، واتُّهمت بنشر معلومات كاذبة بموجب الفصل 24 من المرسوم عدد 54، وتم الحكم عليها بالحبس لمدة عام.
سونيا هي واحدة فقط من عشرات الصحافيين والحقوقيين الذين طالتهم يد “تونس الجديدة”، التي لم نعرفها خلال السنوات العشرة الماضية، تونس الفصل 54 التي تجاهد للحاق بركب الأنظمة العربية العتيدة التي تقوم بتهديد منتقدي الأنظمة واعتقالهم.
الخوف المتجدد
نجلس في مقهى بالقرب مما كان يسمى “وزارة الخوف” ـ وزارة الداخلية، يقترب صديقي الفنان ويقول لي: “أعتقد أنه يجب عليّ التوقف عن النشر”، لم أعرف هذا الخوف من قبل أحد ضمن الدائرة التي أعمل فيها في تونس. بالنسبة للكثيرين، لم تكن السنوات العشرة الماضية مثالية، لكن لم يكن هنالك هذا الشعور بالقلق والخوف المنتظر وراء كل زاوية من تونس.
تعرض الفنان لعدة استدعاءات أمنية وتم التحقيق معه بسبب “التطاول على رئيس الجمهورية”، وفي كل استدعاء كان يتم تهديده بالسجن المطول ومنعه من نشر أعماله.
أصبح الخوف حديث الشارع، وأصبح الجو السائد ممتلئ بالمجهول وبالتوجس من الاستيقاظ صباحاً على مرسوم جديد يزيد من عدد المعتقلين والمعتقلات.
انتخابات الشخص الواحد
في عام 2019، كنت عضواً في فريق دولي لمراقبة الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية وتسييرها، التي ترشح فيها قيس سعيد للرئاسة بصفته “مرشحاً مستقلاً” مرتكزاً على حملة غير معلنة على صفحات “فيسبوك” ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ووُصف حينها قيس سعيد بأنه “منقذ تونس”.
سارت الانتخابات بشفافية واضحة وفاز سعيد بالجولة الثانية وانطلقت الاحتفالات في مدينة تلو الأخرى لأن “تونس ستعود خضراء”، لم يُخف الرئيس الجديد عدم إعجابه بالنظام شبه البرلماني التونسي، ولم يُخف رغبته في تمكين نظام اللجان الشعبية “القذافية ربما”.
قام الرئيس الجديد “المستقل” في 25 يوليو/ تموز 2021، بتغيير الدستور وتفصيل البلد على مقاسه، والإعداد لدستور جديد يناسبه ويناسب استمراريته كمرشح وحيد لديه فرص الفوز المطلقة من أجل متابعة “إنقاذ تونس”. داعمو الرئيس في انتخابات 2019 أصبحوا معارضة، واقتيد أغلبهم إلى السجون تحت عنوان عريض لتهمة مسبقة الصنع “مؤامرة على أمن الدولة”، وغالباً ما سمعنا هذه التهمة في ديكتاتوريات عربية أخرى.
الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المعينة من قبل الرئيس (في السابق معينة من قبل مجلس النواب) عمدت الى تصفية قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية، مرشحاً بعد مرشح بحجة عدم اكتمال التزكيات المطلوبة للترشح، أو الحصول على تزكيات “بطريقة غير مشروعة”.
آخر الاعتقالات المتعلقة بالحصول على تزكيات، كانت في سبتمبر/ أيلول لأحد المرشحين الاثنين الذين تم قبولهم، وهو العياشي زمال من أجل التحقيق “بافتعال التزكيات”، وقد أُعيد اعتقال المرشح بعد ساعات من إطلاق سراحه من سجن المرناقية، من قبل النيابة العمومية في المحكمة الابتدائية في مدينة جندوبة” شمال غرب تونس.
وكان عدة مرشحين قد واجهوا المصير نفسه، فسُجنوا أو تم استبعادهم من السباق الانتخابي، أو حرمانهم مدى الحياة من الترشح. لقد صُمم هذا السياق الانتخابي ليضمن فوز المرشح الأوحد.
ورفضت الهيئة العليا للانتخابات في 2 سبتمبر/ أيلول 2024 قرارات المحكمة الإدارية بإعادة قبول ثلاثة مرشحين رئاسيين بعدما تم رفضهم مبدئياً من قبل الهيئة، ووفقاً لمنظمات المجتمع المدني التونسي، يُعد ذلك “سابقة خطيرة في تاريخ الانتخابات منذ الثورة”.
قبل الانتخابات الرئاسية بأقل من شهر، تغرق تونس في ظلام الانحدار نحو مستقبل مجهول والتوجه نحو ديكتاتورية ناشئة، فالذين كان لديهم القدرة في السابق على تحدي السلطات أو القوانين التي شرعتها، كمنظمات المجتمع المدني والصحافيين والمحامين، أصبح معظمهم يواجه شراسة هذه السلطة وبعضهم في سجونها… إنها “تونس الجديدة”.
إقرأوا أيضاً:











