“التطبيع خيانة عظمى” شعار إقصائي لم يسبقه إليه أحد، رفعه الرئيس التونسي قيس سعيّد خلال حملته الانتخابية لرئاسيات 2019، وكان من أبرز الشعارات التي ساهمت في وصوله إلى قصر قرطاج، على الرغم من غياب أيّ ماضٍ سياسي له، وإصراره آنذاك على نفي وجود تمويلات ضخمة رُصدت لحملته.
ومنذ تلك اللحظة، ظلّ الخطاب الرسمي التونسي تحت قيادته مرتفع السقف في ما يتعلّق بفلسطين، ولا سيّما منذ اندلاع الحرب على غزّة في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.
لكنّ المفارقة الصادمة أن نظام قيس سعيّد يحتجز اليوم شبّاناً تحرّكوا عملياً لكسر الحصار عن غزّة، في مشهد يكشف المسافة الواسعة بين الشعار والممارسة.
من البحر إلى السجن
قبل أن تصبح أسماؤهم مرتبطة بملفّ قضائي ثقيل في تونس، كان عدد من موقوفي “أسطول الصمود” جزءاً من واحدة من أبرز المحاولات المدنية الدولية للوصول بحراً إلى غزّة وكسر الحصار المفروض عليها.
في خريف 2025، شارك وائل نوار ونبيل الشنوفي وغسّان الهنشيري، إلى جانب مئات الناشطين القادمين من عشرات الدول في “أسطول الصمود العالمي”، وأبحر الثلاثة على متن سفينة “مالي”، المعروفة أيضاً باسم “دير ياسين”، ضمن أسطول من عشرات السفن التي حملت مساعدات إنسانية واتّجهت نحو القطاع. وصل الأسطول إلى مسافة قريبة من غزّة قبل أن تعترض قوّات الاحتلال الإسرائيلي سفنه في المياه الدولية وتعتقل مئات المشاركين فيه.
وكان وائل نوار أحد أبرز الأصوات التونسية التي رافقت الرحلة بالصوت والصورة، مخاطباً الإسرائيليين بشكل مباشر، ومؤكّداً الطابع الإنساني للمهمّة، إذ أعلن في تصريحات سبقت الاعتراض أن السفن لا تحمل سلاحاً، بل مساعدات إنسانية من بينها أدوية وحليب أطفال، وأن وجهتها غزّة لا إسرائيل.
كما نشر قبل الوصول المرتقب رسالة لأطفال غزّة كتب فيها ما معناه أنهم سيلتقون قريباً على شاطئ خان يونس،
لكنّ الرحلة انتهت باعتقال المشاركين بعد السيطرة على سفن الأسطول.
وتحدّث ناشطون/ ات عقب الإفراج عنهم عن إهانات وسوء معاملة، فيما ظهر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أمام مجموعة من المحتجزين في مشهد أثار انتقادات واسعة، مخاطباً إيّاهم بطريقة استفزازية ومهينة.
عاد هؤلاء إلى تونس بعد تجربة الاعتقال الإسرائيلي باعتبارهم، بالنسبة إلى كثير من أنصار القضيّة الفلسطينية، ممّن حاولوا تحويل التضامن من شعار إلى فعل، ونجحوا في فضح بشاعة الاحتلال أمام المحاولات المدنية السلمية لمساعدة سكّان غزّة، وبعد أشهر قليلة فقط، وجد عدد منهم نفسه خلف القضبان مجدّداً، لكن هذه المرّة في تونس.
من هم معتقلو “أسطول الصمود”؟
بدأت حملة الاعتقالات في 6 آذار/ مارس 2026، قبل أن يُصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي في 16 من الشهر نفسه بطاقات إيداع في السجن بحقّ سبعة من أعضاء الهيئة التسييرية لـ”أسطول الصمود”: وائل نوار وزوجته جواهر شنة، ونبيل الشنوفي، وغسّان الهنشيري، وغسّان البوغديري، ومحمّد أمين بالنور، وسناء المساهلي.
وشملت التهم المنسوبة إليهم جرائم تتعلّق “بالتدليس ومسك واستعمال مدلّس، والتحايل والخيانة الموصوفة، ومسك محاسبة مزدوجة، واستعمال وثائق محاسبية ووثائق مزوّرة بقصد التهرّب الضريبي، إضافة إلى غسل الأموال في إطار وفاق”، وفق نصّ الإذن بفتح البحث الذي حصل “درج” على نسخة منه.
وفي 17 نيسان/ أبريل أفرج قاضي التحقيق عن سناء المساهلي، ثم أُفرج في 23 من الشهر نفسه عن جواهر شنة، مع فرض قيود لم تكن متداولة في الشأن القضائي التونسي سابقاً، شملت وفق عضو هيئة الدفاع عن الأسطول سامي بن غازي، التنقّل والنشاط العامّ.
وفي 22 أيّار/ مايو أُفرج أيضاً عن الطبيب محمّد أمين بالنور بعد 78 يوماً من التوقيف، إثر حملة تضامنية افتراضية واسعة، تداول فيها ناشطون صور وفيديوهات للطبيب وهو في غزّة يحاول مساعدة الأطفال والنساء، عندما سمحت له فرصة زيارتها في وقت سابق قبل موعد انطلاق الأسطول، ليبقى وائل نوار ونبيل الشنوفي وغسّان الهنشيري وغسّان البوغديري رهن التوقيف إلى اليوم.
إيداع قبل الاستنطاق وملفّ يراوح مكانه
عضوة هيئة الدفاع عن الناشطين المحامية عفاف زروق، تقول لـ”درج” إن الإخلالات رافقت الملفّ منذ بدايته،
وتوضح أن بطاقات الإيداع صدرت، بحسب الدفاع، قبل استنطاق عدد من المتّهمين، معتبرة ذلك مخالفاً للإجراءات التي تشترط سماع ذي الشبهة قبل اتّخاذ قرار بإيداعه في السجن.
وتضيف أن بعض الموقوفين ظلّوا لأشهر قبل استنطاقهم، وأنهم، حتى عندما مثلوا أمام التحقيق، لم يواجَهوا فعلياً بالوثائق التي يُفترض أنهم اتُّهموا بتدليسها أو استعمالها.
وتشير زروق، وهي أيضاً رئيسة فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في قفصة جنوب غربي تونس، إلى أن الجزء الأكبر من الأسئلة التي طُرحت على الموقوفين انصبّ على طريقة إدارة “أسطول الصمود”: ما دور كل عضو في الهيئة؟ كيف أُجريت عمليّة كراء السفن؟ من هم أصحابها؟ ما الاتّصالات التي أُجريت؟ وكيف جُمعت التبرّعات وما مصادرها؟
أسئلة تعتبر المحامية أنها، في حدّ ذاتها، لا تكشف عن الوقائع المفترضة لجرائم التدليس الواردة في قرار فتح البحث.
بحسب هيئة الدفاع أيضاً والمقابلات التي أجرتها كاتبة المقال، لم تُنجز جملة من أعمال التحقيق التي تُعتبَر ضرورية، على غرار المكافحات أو المواجهات المباشرة وسماع الشهود في نقاط خلافية، فيما ظلّ مسار القضيّة بطيئاً على رغم تعدّد مطالب الإفراج.
وفي تمّوز/ يوليو 2026، أعلنت هيئة “الصمود التونسية” استمرار توقيف أربعة من ناشطي الأسطول بعد رفض القضاء الإفراج عنهم.
فقد رفض قاضي التحقيق، عقب جلسة استنطاق، طلب الإفراج عن نبيل الشنوفي، وقرّر إبقاءه في سجن المرناقية، كما رُفضت مطالب الإفراج عن وائل نوار وغسّان الهنشيري وغسّان البوغديري، ليبقى الأربعة في التوقيف منذ آذار/ مارس.
ولم يصدر في المقابل، تعليق علني من السلطات التونسية يشرح عناصر الملفّ، أو يردّ على الانتقادات التي يوجّهها فريق الدفاع وهيئة “أسطول الصمود” التونسية.
وتتساءل زروق عن مبرّرات استمرار التوقيف: هل ما زالت هناك اختبارات أو أعمال تحقيق محدّدة يُنتظَر إنجازها؟ ولماذا لم يتّخذ قاضي التحقيق بعد كل هذه المدّة، قراراً إما بالإحالة وإما بالحفظ؟
وترى في مقابلتها مع “درج” أن هذا البطء يمسّ بحقّ الدفاع، لا سيّما في ظلّ وجود موقوفين يعانون من مشاكل صحّية.
غسّان الهنشيري… إصابة من السجن الإسرائيلي إلى السجن التونسي
تكتسب حالة غسّان الهنشيري بعداً أكثر قسوة بالنسبة إلى عائلته. فبحسب والده السبتي الهنشيري و”هيئة الصمود”، لا يزال غسّان يعاني من آلام حادّة في الرأس تعود إلى إصابة قالوا إنه تعرّض لها خلال احتجازه بعد اعتراض الأسطول من قوّات الاحتلال الإسرائيلي في 2025، وقد أطلقت عائلته أكثر من نداء خلال سجنه في تونس مطالبة بمتابعة صحّية جدّية لوضعه.
وفي واحدة من تدويناته عقب زيارة ابنه، وصف السبتي الهنشيري قسوة اللقاء من وراء الحاجز الذي يفصل السجين عن عائلته، متحدّثاً عن شعوره بالعجز أمام استمرار آلام ابنه وهو خلف القضبان، وظهرت كذلك شقيقة غسّان، غادة الهنشيري، في تحرّكات ولقاءات تضامنية مطالبة بالإفراج عنه.
إقرأوا أيضاً:
ولا يقف أثر الاعتقال عند الموقوف وحده؛ فخلف قضبان السجن، دخلت أيضاً عائلات بكاملها مرحلة الانتظار المفتوح: آباء وأمّهات وأشقّاء وشريكات حياة، تتكرّر زياراتهم للسجون فيما تبقى حياة أبنائهم معلّقة على قرار قضائي لا يأتي.
وفي حالة غسّان، امتدّ الانتظار أيضاً إلى حياته الشخصية؛ إذ ترك خلفه خطيبته، الزميلة الصحافية ياسمين حرموني وهي تنتظر موعد زواجهما المؤجّل بفعل السجن، إذ كتب والدها عبر صفحته على فيسبوك رسالة مطوّلة عبّر فيها عن لوعته باستمرار اعتقال خطيب ابنته جاء فيها:
“رسالة أب إلى الحياة
اليوم 30 تمّوز/ يوليو 2026،
كان من المفروض ومن المقرّر أن يكون يوم زفاف ابنتي الوحيدة، كريمتي ياسمين،
وكنّا ننتظر المناسبة بشغف كبير،
فلماذا تمّ حرماننا من هذه الفرحة الكبرى؟
لماذا تقيمون أفراحكم، وتحتفلون ببناتكم وأبنائكم وتمنعون عنا هذا الحقّ الطبيعي؟”.
عبارات إنسانية تصف كيف يتحوّل التوقيف الطويل من إجراء قضائي إلى زمن مسروق من حياة أشخاص لم تصدر في حقّهم أحكام بعد، وكيف بات الإتجار بالقضيّة الفلسطينية من قيس سعيّد أمراً مشروعاً لا يجد فيه من ينافسه أو يثنيه عنه.
غسّان بوغديري مناضل من أجل فلسطين… نُكّل به مرّتين
ناشطو “أسطول الصمود” لن يكونوا مجرّد فاعلين مؤقّتين تزامناً مع الحرب على غزّة، بل كان لهم باع طويل في النضال من أجل القضيّة الفلسطينية، ويظهر اسم المهندس غسّان بوغديري في مقدّمة هؤلاء، إذ عُرف بمشاركته الواسعة في أنشطة تناهض التطبيع مع الاحتلال عبر وقفات تحسيسية في كبرى مراكز التسوّق الداعمة لإسرائيل على غرار “كارفور” وغيرها.
ويبدو أن السلطات التونسية تلقّفت هذه الفرصة لتحريك قضية تقدّمت بها ضدّه شركة “ميرسك” الناشطة في مجال الشحن البحري، إذ سيمثل البوغديري الثلاثاء 11 آب/ أغسطس الحالي أمام محكمة الاستئناف في تونس، على خلفية مشاركته في تحرّك احتجاجي ضد الشركة، رفضاً لدورها في شحن الأسلحة والبضائع إلى الكيان الصهيوني، في ظلّ تواصل الإبادة الجماعية بحقّ الشعب الفلسطيني.
أما والدته فآخر ما دوّنته عبر صفحتها على فيسبوك باللهجة التونسية كان: “من يشعر الي حاسس بي فليشارك ما اكتب عبر صفحته ربما يصل صوتي ويفرج على ابني الذي لم يرتكب أي جرم، فقط آمن بالقضية الفلسطينية والله على ما أقوله شهيد والجميع يشهد أيضا له بنبل أخلاقه ومصداقيته…شاركوا معي …اشتقتُ لولدي”.
أين أدلّة الإدانة؟
تبدو الأسئلة هنا عن أدلّة الاتّهام وشفافية الإجراءات والتناسب بين الشبهة وفترة التوقيف أسئلة مشروعة، خصوصاً أن القضيّة دخلت شهرها الخامس بينما لا يزال أربعة من منظّمي الأسطول في السجن من دون محاكمة، ومن أُفرج عنهم أُلزموا قسراً بالصمت وعدم الظهور في الأماكن العامّة وتحديد إقامتهم.
هيئة “أسطول الصمود العالمي” تعتبر أن القضيّة تستهدف ناشطين مرتبطين بحركة التضامن مع فلسطين، وأطلقت عريضة دولية للمطالبة بالإفراج عنهم.
وقالت إن وائل نوار ونبيل الشنوفي وغسّان الهنشيري وغسّان البوغديري لعبوا دوراً أساسياً في تنظيم “قافلة صمود 2025” وفي تأسيس وإطلاق “أسطول الصمود العالمي” من تونس، وإن أربعة منهم ظلّوا معتقلين لأكثر من 140 يوماً.
وتقول الهيئة إن اعتقال منظّمي المبادرة يتعارض مع الإرث الشعبي التونسي الطويل في مساندة فلسطين، داعية السلطات إلى الإفراج عنهم وإسقاط التهم ورفع القيود المفروضة على من أُطلق سراحهم.
وبحسب العريضة، شارك مئات الموقّعين من عشرات الدول في المطالبة بالإفراج عنهم.
في بلد لا يزال رئيسه يكرّر أن فلسطين ليست “قطعة أرض مسجلّة في إدارة الملكية العقارية”، وأن التطبيع معها “خيانة عظمى”، تبدو الصورة اليوم أكثر تناقضاً من أيّ وقت مضى: فلسطين حاضرة بقوّة في خطاب السلطة، فيما يقبع بعض الذين أبحروا نحوها خلف قضبان سجونها، ليبقى السؤال: هل خدم قيس سعيّد القضيّة فعلاً كما وعد أم الاحتلال الإسرائيلي بتكميم الأفواه المقاوِمة له؟
إقرأوا أيضاً:













