fbpx

تونس: هل تتوقف الحكومة عن دفع الرواتب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من المستبعد، إن لم يكن من الاستحالة أن تكون هناك ثورة، أو حتى هزّة اجتماعية في المدى القريب، فتراجع شعبيّة قيس سعيد لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة السخط عليه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“عندما التحقت بالوظيفة العمومية قبل 6 سنوات، كان راتبي 1200 دينار تونسي (نحو 400 دولار وقتها) وكانت الأسعار في المتناول، أما الآن، فكل شيء في ارتفاع باستثناء الرواتب التي بقيت على حالها، مقابل ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية”، يتحدّث علي، وهو أستاذ في التعليم الثانوي، لـ”درج”. ويتابع، “الراتب لا يكفي لتغطية النفقات الأساسية، وينتهي في النصف الأوّل من الشهر، لا يتعلّق الأمر بي فقط، وإنما جميع من أعرفهم يعانون أيضاً”.

قصة علي هي قصة معظم أفراد الطبقة الوسطى، الشريحة الأوسع في النسيج الاجتماعي، والتي كانت تاريخياً بمعزل عن التغيرات السياسية والاقتصادية في تونس. لم تولد هذه الطبقة كنتيجة طبيعيّة للتنظيم الاقتصادي للمجتمع، بل في إطار هندسة اجتماعيّة لعب فيها القرار السياسي دورا أساسيّاً، خلقت هذه الطبقة ضمن مقايضة سياسية تقوم على الرخاء والأمن الاجتماعي مقابل الولاء السياسي، ولكن منذ بداية الألفية عموماً، والثورة خصوصاً، اتسعت رقعة الفقر لتشمل الطبقة الوسطى التي بدأت تتهاوى، لأسباب عدة منها النموذج الاقتصادي الذي سارت عليه تونس، والقائم على الاستهلاك من دون أن ترافقه سياسة صناعية أو تنموية.

تعيش تونس الآن على وقع أزمة اقتصادية خانقة، بخاصة وسط غياب مواد استهلاكية وندرة المواد الأساسية، فيما ارتفع معدّل الاستهلاك في شهر رمضان، علماً أن مستوى التضخم قد تجاوز عتبة الـ10 في المئة بحسب الأرقام التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، في سابقة لم تشهد مثلها تونس منذ ثلاثة عقود. 

الأفق الاقتصادي يغرق في الغموض وتذبذب مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والذي مهما كانت نتيجته، بالموافقة أو الرفض، فإن تبعاته ستكون كارثية على جزء واسع من المجتمع. 

فوفق اتفاق مبدئي لم يقع تنفيذه حتى الآن، فإن تونس في حاجة إلى قرض طارئ من صندوق النقد الدولي بقيمة 1.9 مليار دولار، وقد حذّر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، من توجه الاقتصاد التونسي نحو المجهول. 

وإن فشلت تونس في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، فإن الأوضاع ستتأزم بشكل سريع، والانهيار هو النتيجة المنطقية لهذا، حيث ستعجز الدولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة في مرحلة أولى، وسداد رواتب الموظفين في مرحلة ثانية، ولكن إذا تحصّلت على القرض، فإن آلاف العائلات التي ترزخ تحت طائلة الفقر ستواجه مصيراً كارثياً، حيث أن رفع الدعم والتقشّف من بين الشروط الأساسية للحصول على القرض،  ولن تجد السلطات الحالية سوى القمع الأمني حلاً للسيطرة على الوضع. 

كل شيء في ارتفاع

تشهد تونس أزمة اقتصادية حادة، فاقمتها تداعيات جائحة “كورونا”، وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة والمواد الأساسية نتيجة الأزمة الروسية – الأوكرانية، إذ تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى “استمرار نسق ارتفاع التضخم في السوق المحلية”، ليبلغ أعلى مستوى منذ بداية تسعينات القرن الماضي. 

وقد شهدت أسعار المواد المصنعة لشهر شباط/ فبراير 2023، ارتفاعاً بنسبة 9.8 في المئة، باحتساب الانزلاق السنوي، ويعود ذلك بالأساس الى ارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة 8.7 في المئة، وأسعار الملابس والاحذية بنسبة 9.4 في المئة، وأسعار مواد التنظيف بنسبة 10.3 في المئة. وفي السياق ذاته، ارتفعت أسعار الخدمات 7.3 في المئة، ويعزى ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار خدمات المطاعم والمقاهي والنزل بنسبة 9.8 في المئة، وأسعار خدمات النقل العمومي والخاص بنسبة 15.9 في المئة.

كما أن رصيد تونس من العملة الصعبة، بخاصة الدولار، يشهد نقصاً فادحاً، ما أثر على نسق استيراد الأدوية وعدد من المواد الاستهلاكية مثل القهوة والسكّر، وهو نقص يعتبره الرئيس قيس سعيد مؤامرة، ردّ عليها باعتقال بعض الناشطين.

حالياً، تنتظر تونس قرضاً من صندوق النقد الدولي، ويبدو أن مسار التفاوض بين الطرفين ما زال غامضاً، إذ يشترط صندوق النقد على تونس رفع الدعم بشكل كلي، وهذا ما شرعت فيه الحكومة التونسية بطريقة مكثّفة في قانون المالية الجديد.

يوضح الخبير في الجباية ومنسق منظمة “البوصلة” أمين بوزيّان، لـ”درج”، أن “الاقتصاد التونسي يمر في المرحلة الأشد خطورة في التاريخ المعاصر، وهذا انعكس سلباً على المستوى الاجتماعي، لا سيما لناحية التضخّم، ليس بالنسبة إلى المنتجات الغذائية وحسب، بل أيضاً الأدوية التي ارتفعت أسعارها بشكل كارثي في الفترة الأخيرة. الاقتصاد التونسي هشّ بطبعه، والأزمات الخارجيّة مثل كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية، عوامل عمّقت هشاشة الوضع”. 

يضيف بوزيّان: “حالياً، تنتظر تونس قرضاً من صندوق النقد الدولي، ويبدو أن مسار التفاوض بين الطرفين ما زال غامضاً، إذ يشترط صندوق النقد على تونس رفع الدعم بشكل كلي، وهذا ما شرعت فيه الحكومة التونسية بطريقة مكثّفة في قانون المالية الجديد، فقد تم تخفيض حجم الميزانية الموجّهة للدعم بنسبة تتجاوز 30 في المئة. وهو ما انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، وعلى الهندسة الاقتصادية للطبقات الاجتماعية في تونس، فقد توسعت رقعة الفقر بسبب ارتفاع البطالة وتراجع نسبة النموّ”.

طبقة وسطى تتآكل

الباحث في علم الاجتماع السياسي فؤاد الغربالي، يوضح لـ”درج”، أن “الطبقة الوسطى تراجعت لمصلحة طبقة جديدة من الأثرياء الجدد، الفئة التي استفادت من النموذج الليبرالي الذي لم ترافقه ديمقراطية، أي مؤسسات تراقب السوق وتسائل رؤوس الأموال، هذا ما أدى بالطبقة الوسطى الى التهاوي وجعلها حليفاً للطبقات المهمشة في الثورة، نلاحظ هذا بشكل وثيق عندما نتذكر دور الطبقة الوسطى في الثورة، إذ كانت تأمل بأن تتحسن أوضاعها بعد الثورة. إلا أن الحكومات المتعاقبة واصلت النموذج ذاته في الحكم، سياسات تقشّف وتطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، وبذلك يمكننا الحديث الآن عن اندثار الطبقة المتوسطة في تونس”.

قاطعت الطبقى الوسطى منظومة الانتقال الديمقراطي لحظة اختيار قيس سعيد، إذ اعتبرت أنها لم تستفد من المنظومة بشكل جيد كما كانت تتوقع. ولكن اليوم في سياق جديد، بخاصة بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو، بقيت حذرة في تعاطيها مع سعيّد، إذ لم تشارك في الانتخابات التشريعية أو في الاستفتاء حول الدستور، وحتى الآن ما زالت تنتظر جملة من الإصلاحات تتعلق بالترفيع في الأجور وتحسين القدرة الشرائية. يؤكّد الغربالي أن “الطبقة الوسطى في وضعية مرتبكة، لا نعلم الى أين قد تتجه ردود أفعالها في المستقبل. ولكن إذا ما تواصلت السياسات ذاتها، وإذا نفذت تونس إصلاحات صندوق النقد الدولي، فستجد الطبقة الوسطى نفسها مرّة أخرى المتضرر الأول، لأنها طبقة تعوّل على الدولة بدرجة كبيرة وتقتات منها، في حين أن صندوق النقد الدولي يطلب من الدولة رفع يدها عن كل ما يتعلق بالنطاق الاقتصادي والاجتماعي، وتكتفي بدور شرطي المرور”.

هل من ثورة جياع على الأبواب

من المستبعد، إن لم يكن من الاستحالة أن تكون هناك ثورة، أو حتى هزّة اجتماعية في المدى القريب، فتراجع شعبيّة قيس سعيد لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة السخط عليه، ففي الوقت الحالي، لا تملك المعارضة ثقلاً كافياً أو صدى مسموعاً لدى الأوساط الشعبية المتضررة من الوضع الاقتصادي، ما يجعل انخراطها في مشروع المعارضة لإسقاط سعيّد صعباً. إضافة إلى ارتباك المعارضة واتخاذها قرارات اعتبرها البعض خاطئة أو عشوائية.

في كل الأحوال، لا يمكن اعتبار مقاطعة الانتخابات بالضرورة دعماً للمعارضة، كما تسوق بعض مكوّنات المعارضة. علاوة على ذلك، بات شقّ واسع من المجتمع يعتبر أن أي تغيير سيؤدي إلى نتائج أسوأ، وقد ارتفعت موجة الحنين إلى نظام بن علي، مقارنة مع الوضع الاقتصادي المزري الذي يواجهه التونسيون. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
05.04.2023
زمن القراءة: 5 minutes

من المستبعد، إن لم يكن من الاستحالة أن تكون هناك ثورة، أو حتى هزّة اجتماعية في المدى القريب، فتراجع شعبيّة قيس سعيد لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة السخط عليه.

“عندما التحقت بالوظيفة العمومية قبل 6 سنوات، كان راتبي 1200 دينار تونسي (نحو 400 دولار وقتها) وكانت الأسعار في المتناول، أما الآن، فكل شيء في ارتفاع باستثناء الرواتب التي بقيت على حالها، مقابل ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية”، يتحدّث علي، وهو أستاذ في التعليم الثانوي، لـ”درج”. ويتابع، “الراتب لا يكفي لتغطية النفقات الأساسية، وينتهي في النصف الأوّل من الشهر، لا يتعلّق الأمر بي فقط، وإنما جميع من أعرفهم يعانون أيضاً”.

قصة علي هي قصة معظم أفراد الطبقة الوسطى، الشريحة الأوسع في النسيج الاجتماعي، والتي كانت تاريخياً بمعزل عن التغيرات السياسية والاقتصادية في تونس. لم تولد هذه الطبقة كنتيجة طبيعيّة للتنظيم الاقتصادي للمجتمع، بل في إطار هندسة اجتماعيّة لعب فيها القرار السياسي دورا أساسيّاً، خلقت هذه الطبقة ضمن مقايضة سياسية تقوم على الرخاء والأمن الاجتماعي مقابل الولاء السياسي، ولكن منذ بداية الألفية عموماً، والثورة خصوصاً، اتسعت رقعة الفقر لتشمل الطبقة الوسطى التي بدأت تتهاوى، لأسباب عدة منها النموذج الاقتصادي الذي سارت عليه تونس، والقائم على الاستهلاك من دون أن ترافقه سياسة صناعية أو تنموية.

تعيش تونس الآن على وقع أزمة اقتصادية خانقة، بخاصة وسط غياب مواد استهلاكية وندرة المواد الأساسية، فيما ارتفع معدّل الاستهلاك في شهر رمضان، علماً أن مستوى التضخم قد تجاوز عتبة الـ10 في المئة بحسب الأرقام التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، في سابقة لم تشهد مثلها تونس منذ ثلاثة عقود. 

الأفق الاقتصادي يغرق في الغموض وتذبذب مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والذي مهما كانت نتيجته، بالموافقة أو الرفض، فإن تبعاته ستكون كارثية على جزء واسع من المجتمع. 

فوفق اتفاق مبدئي لم يقع تنفيذه حتى الآن، فإن تونس في حاجة إلى قرض طارئ من صندوق النقد الدولي بقيمة 1.9 مليار دولار، وقد حذّر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، من توجه الاقتصاد التونسي نحو المجهول. 

وإن فشلت تونس في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، فإن الأوضاع ستتأزم بشكل سريع، والانهيار هو النتيجة المنطقية لهذا، حيث ستعجز الدولة عن تقديم الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة في مرحلة أولى، وسداد رواتب الموظفين في مرحلة ثانية، ولكن إذا تحصّلت على القرض، فإن آلاف العائلات التي ترزخ تحت طائلة الفقر ستواجه مصيراً كارثياً، حيث أن رفع الدعم والتقشّف من بين الشروط الأساسية للحصول على القرض،  ولن تجد السلطات الحالية سوى القمع الأمني حلاً للسيطرة على الوضع. 

كل شيء في ارتفاع

تشهد تونس أزمة اقتصادية حادة، فاقمتها تداعيات جائحة “كورونا”، وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة والمواد الأساسية نتيجة الأزمة الروسية – الأوكرانية، إذ تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى “استمرار نسق ارتفاع التضخم في السوق المحلية”، ليبلغ أعلى مستوى منذ بداية تسعينات القرن الماضي. 

وقد شهدت أسعار المواد المصنعة لشهر شباط/ فبراير 2023، ارتفاعاً بنسبة 9.8 في المئة، باحتساب الانزلاق السنوي، ويعود ذلك بالأساس الى ارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة 8.7 في المئة، وأسعار الملابس والاحذية بنسبة 9.4 في المئة، وأسعار مواد التنظيف بنسبة 10.3 في المئة. وفي السياق ذاته، ارتفعت أسعار الخدمات 7.3 في المئة، ويعزى ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار خدمات المطاعم والمقاهي والنزل بنسبة 9.8 في المئة، وأسعار خدمات النقل العمومي والخاص بنسبة 15.9 في المئة.

كما أن رصيد تونس من العملة الصعبة، بخاصة الدولار، يشهد نقصاً فادحاً، ما أثر على نسق استيراد الأدوية وعدد من المواد الاستهلاكية مثل القهوة والسكّر، وهو نقص يعتبره الرئيس قيس سعيد مؤامرة، ردّ عليها باعتقال بعض الناشطين.

حالياً، تنتظر تونس قرضاً من صندوق النقد الدولي، ويبدو أن مسار التفاوض بين الطرفين ما زال غامضاً، إذ يشترط صندوق النقد على تونس رفع الدعم بشكل كلي، وهذا ما شرعت فيه الحكومة التونسية بطريقة مكثّفة في قانون المالية الجديد.

يوضح الخبير في الجباية ومنسق منظمة “البوصلة” أمين بوزيّان، لـ”درج”، أن “الاقتصاد التونسي يمر في المرحلة الأشد خطورة في التاريخ المعاصر، وهذا انعكس سلباً على المستوى الاجتماعي، لا سيما لناحية التضخّم، ليس بالنسبة إلى المنتجات الغذائية وحسب، بل أيضاً الأدوية التي ارتفعت أسعارها بشكل كارثي في الفترة الأخيرة. الاقتصاد التونسي هشّ بطبعه، والأزمات الخارجيّة مثل كورونا والحرب الروسية – الأوكرانية، عوامل عمّقت هشاشة الوضع”. 

يضيف بوزيّان: “حالياً، تنتظر تونس قرضاً من صندوق النقد الدولي، ويبدو أن مسار التفاوض بين الطرفين ما زال غامضاً، إذ يشترط صندوق النقد على تونس رفع الدعم بشكل كلي، وهذا ما شرعت فيه الحكومة التونسية بطريقة مكثّفة في قانون المالية الجديد، فقد تم تخفيض حجم الميزانية الموجّهة للدعم بنسبة تتجاوز 30 في المئة. وهو ما انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، وعلى الهندسة الاقتصادية للطبقات الاجتماعية في تونس، فقد توسعت رقعة الفقر بسبب ارتفاع البطالة وتراجع نسبة النموّ”.

طبقة وسطى تتآكل

الباحث في علم الاجتماع السياسي فؤاد الغربالي، يوضح لـ”درج”، أن “الطبقة الوسطى تراجعت لمصلحة طبقة جديدة من الأثرياء الجدد، الفئة التي استفادت من النموذج الليبرالي الذي لم ترافقه ديمقراطية، أي مؤسسات تراقب السوق وتسائل رؤوس الأموال، هذا ما أدى بالطبقة الوسطى الى التهاوي وجعلها حليفاً للطبقات المهمشة في الثورة، نلاحظ هذا بشكل وثيق عندما نتذكر دور الطبقة الوسطى في الثورة، إذ كانت تأمل بأن تتحسن أوضاعها بعد الثورة. إلا أن الحكومات المتعاقبة واصلت النموذج ذاته في الحكم، سياسات تقشّف وتطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، وبذلك يمكننا الحديث الآن عن اندثار الطبقة المتوسطة في تونس”.

قاطعت الطبقى الوسطى منظومة الانتقال الديمقراطي لحظة اختيار قيس سعيد، إذ اعتبرت أنها لم تستفد من المنظومة بشكل جيد كما كانت تتوقع. ولكن اليوم في سياق جديد، بخاصة بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو، بقيت حذرة في تعاطيها مع سعيّد، إذ لم تشارك في الانتخابات التشريعية أو في الاستفتاء حول الدستور، وحتى الآن ما زالت تنتظر جملة من الإصلاحات تتعلق بالترفيع في الأجور وتحسين القدرة الشرائية. يؤكّد الغربالي أن “الطبقة الوسطى في وضعية مرتبكة، لا نعلم الى أين قد تتجه ردود أفعالها في المستقبل. ولكن إذا ما تواصلت السياسات ذاتها، وإذا نفذت تونس إصلاحات صندوق النقد الدولي، فستجد الطبقة الوسطى نفسها مرّة أخرى المتضرر الأول، لأنها طبقة تعوّل على الدولة بدرجة كبيرة وتقتات منها، في حين أن صندوق النقد الدولي يطلب من الدولة رفع يدها عن كل ما يتعلق بالنطاق الاقتصادي والاجتماعي، وتكتفي بدور شرطي المرور”.

هل من ثورة جياع على الأبواب

من المستبعد، إن لم يكن من الاستحالة أن تكون هناك ثورة، أو حتى هزّة اجتماعية في المدى القريب، فتراجع شعبيّة قيس سعيد لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة السخط عليه، ففي الوقت الحالي، لا تملك المعارضة ثقلاً كافياً أو صدى مسموعاً لدى الأوساط الشعبية المتضررة من الوضع الاقتصادي، ما يجعل انخراطها في مشروع المعارضة لإسقاط سعيّد صعباً. إضافة إلى ارتباك المعارضة واتخاذها قرارات اعتبرها البعض خاطئة أو عشوائية.

في كل الأحوال، لا يمكن اعتبار مقاطعة الانتخابات بالضرورة دعماً للمعارضة، كما تسوق بعض مكوّنات المعارضة. علاوة على ذلك، بات شقّ واسع من المجتمع يعتبر أن أي تغيير سيؤدي إلى نتائج أسوأ، وقد ارتفعت موجة الحنين إلى نظام بن علي، مقارنة مع الوضع الاقتصادي المزري الذي يواجهه التونسيون. 

05.04.2023
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية