تُصوّر وسائل التواصل الاجتماعي الحمل على أنه تجربة مثالية. صور بألوان ناعمة، نساء حوامل يبتسمن أمام الكاميرا، يضعن أيديهن على بطونهن المستديرة في جلسات تصوير منجَزة بعناية، وتحت وسم #PregnancyGlow تتكرّر العبارات عن “نور الحمل”، و”جمال المرأة الحامل”، و”الاكتمال الأنثوي”.
لكنّ هذه الصور لا تروي القصّة كاملة.
في الواقع، الحمل ليس دوماً لحظة “توهّج”. بل هو لحظة تعب، وتغيرات جذرية في الجسد والنفس. لحظة خوف، وغثيان، وتقلّب مزاج، وشعور بعدم الانتماء. لحظة تتغير فيها ملامح الجسد من دون استئذان، وينكمش العالم الخارجي أحيانًا ليصبح ضيقًا، خانقًا.
كل ما أراه على إنستغرام لا يُشبهني. أنا متعبة، قلقة، لا أنام جيدًا، وبشرتي لا تلمع بل شاحبة. أشعر أنني غريبة عن نفسي، وكأن هذا الجسد لم يعد لي.
مثاليّة مزيّفة
الصور الرقمية تصنع عالمًا ورديًا للحمل، تُخفي فيه التفاصيل الصعبة. لا أحد يُظهر الدماغ المشوّش، التقيؤ في منتصف الليل، التقلبات المزاجية الحادة، أو تلك اللحظات التي تفقد فيها المرأة السيطرة على جسدها ومشاعرها.
هناك مطالبة ضمنية بأن تكون الحامل “ممتنّة دائمًا”. حتى لو كانت مرهقة أو خائفة، يُتوقع منها أن تبتسم، أن تُنكر أوجاعها، وأن تتماشى مع الصورة الرائجة عن الحمل.
لكن ما لا يُقال كثير. الحمل يرافقه قلق حقيقي. ماذا لو لم يكتمل؟ ماذا لو حدثت مضاعفات؟ ماذا لو لم أكن جاهزة؟ وماذا بعد الولادة؟ من أنا حينها؟ ومن سيهتم بما أشعر به؟ هذه الأسئلة لا تجد مكانًا في المنشورات المتناسقة على وسائل التواصل.
التجميل الإجباري
ما يحدث هو نوع من “التجميل الإجباري”. تحويل تجربة الحمل المعقّدة إلى إعلان مثالي. يُفرض على النساء التماهي مع هذه الصورة، وإلا يُعتبرن سوداويات، أو غير ممتنّات.
لكن الامتنان لا يتعارض مع التعب. والحب لا يُلغي القلق. والقدرة على الحمل لا تُبطل الحق في الشكوى والتعبير.
كل ما أراه على إنستغرام لا يُشبهني. أنا متعبة، قلقة، لا أنام جيدًا، وبشرتي لا تلمع بل شاحبة. أشعر أنني غريبة عن نفسي، وكأن هذا الجسد لم يعد لي.
خوف لا يُقال
الخوف شعور راسخ في الحمل، لكنه غالبًا ما يُقمع. كثيرات لا يقلن إنهن خائفات من الإجهاض، من التشوّه، من الولادة، من الألم، من الموت، أو حتى من المسؤولية. كأن الخوف عيب، وكأن الاعتراف به يُضعف من صورة الأمومة.
لكن الواقع أن الخوف لا يُنقص من الحب. بل هو في كثير من الأحيان أحد أشكاله. أن تخافي على حياة صغيرة لم ترينها بعد، هذا بحد ذاته تعبير عن ارتباط عميق، عن حُبّ لا شكل له بعد.
الحمل ليس تجربة موحدة. لا توجد وصفة واحدة. بعض النساء يعشنه بسلام، وأخريات بصراع. بعضهن يتألّقن فعلًا، وأخريات ينطفئن بصمت. وبعضهن بين هذا وذاك.
لكن السائد على المنصات هو سردية واحدة: الحمل تجربة روحانية، مريحة، حالمة. وما دون ذلك يتم تجاهله أو اعتباره استثناءً نادراً.
ضرورة استعادة السرديّة
في ظل هذا الخطاب المجتزأ، تصبح الحاجة ضرورية لروايات بديلة، صادقة، غير مصقولة. روايات تُظهر المرأة الحامل كما هي: متقلبة، قلقة، محبّة، متعبة، قوية وضعيفة في آن.
لا عيب في أن تكون التجربة غير متوهجة. ولا مبرر لإخفاء التعب من أجل صورة أكثر قبولًا. الحمل ليس عرضًا بصريًا. إنه تجربة إنسانية عميقة، تحمل في داخلها التناقضات كلها.
في النهاية، هناك حب. حبّ حقيقي، بلا فلاتر. لجنين لم يولد بعد، لكنه حاضر في كل تفصيل. هذا الحب لا يحتاج إلى تجميل. ولا إلى وهم التوهّج. يكفي أن يكون حقيقيًا.
إقرأوا أيضاً:









