بعد أن أنهت الطبيبة ثبات إسليم مناوبتها في مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، توجهت مباشرة إلى منزل يضم عدداً من النساء المصابات لتطبيب جروحهن، لكنها خرجت منه جثة هامدة إثر قصف إسرائيلي استهدف المنزل.
لم يكن في المنزل المستهدف، الذي اعتادت الطبيبة ثبات زيارته لعلاج المصابات غير القادرات على الحركة والذهاب إلى المستشفى، سوى نساء مسنات ينتظرن وصولها.
عُرفت الطبيبة ثبات (30 عاماً) بإخلاصها وحبها لتخصصها، بالإضافة إلى تطوعها خارج أوقات عملها لتقديم الخدمة الطبية للنساء المصابات، برغم أن تخصصها كان في رعاية حديثي الولادة والخدّج.
عاشت الطبيبة ثبات أيامها الأخيرة بين الجوع والخوف والبرد، لكنها لم تتردد أو تتوقف عن إكمال مهمتها الإنسانية في أسوأ بيئة ممكنة، حيث القتل الذي لا يتوقف، ونقص المعدات والمستلزمات الطبية، والظروف غير الآدمية داخل مستشفيات مهددة بالقصف.
تخرجت الطبيبة ثبات، التي كانت تتحدث الإنجليزية والروسية والأوكرانية، من جامعة فينيتسا الأوكرانية عام 2016، وفقاً لزميلها وابن عمها أحمد، الذي روى لـ”درج” اللحظات الأخيرة من حياتها.
يقول أحمد: “بعد عشر دقائق فقط من دخول الطبيبة ثبات إلى منزل في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لتقديم خدمات طبية للنساء هناك، سقط صاروخ إسرائيلي عليهن، فاستشهدت ابنة عمي مع النساء اللواتي كن مصابات أصلاً”.
كانت الطبيبة ثبات تعمل في قسم الحضانة في مستشفى شهداء الأقصى، وبعد انتهاء دوامها، كانت تذهب إلى النقاط الطبية للتطوع وخدمة النازحين في الخيام، نظراً للحاجة الماسة إلى الأطباء بسبب انتشار الأمراض والأوبئة وكثرة الجرحى.
لم تستسلم الطبيبة ثبات أو تتراجع برغم الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للمنظومة الصحية في قطاع غزة، وقتل الطواقم الطبية بشكل شبه يومي، وحرق المستشفيات وتدميرها وإخراجها عن الخدمة، كما حدث مؤخراً في مستشفى كمال عدوان شمال القطاع.
ونعى مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية الدكتور منير البرش، زميلته الطبيبة عبر تغريدة على موقع “إكس”، قال فيها: “إسليم طبيبة حضانة متميزة، أتقنت مهارات وإجراءات الخدّج وسط ظروف الحرب القاسية. عملت بإخلاص لما يقارب العام، قبل أن تُستشهد جراء قصف الاحتلال الإسرائيلي لمنزل في مخيم النصيرات”.
“فعلنا كل ما في وسعنا. من يبقى منا للنهاية سيروي الحكاية كاملة، سيروي كيف فعلنا ما لا يستطيع فعله بشر على وجه الأرض… تذكرونا”.
الطبيبة ثبات كانت واحدة من مئات الأطباء الذين استُشهدوا في قطاع غزة، إما باغتيالهم داخل منازلهم، وإما في أماكن عملهم في المستشفيات والنقاط الطبية.
وراء كل طبيب غزي قُتل أو اعتُقل على يد الجيش الإسرائيلي، قصة مؤلمة، نجح البعض في روايتها للعالم، وكتبها آخرون على جدران المستشفيات أو على أوراق الوصفات الطبية.
في المستشفى الإندونيسي شمال قطاع غزة، كتب الطبيب محمود أبو نجيلة قبل استشهاده على جدران المستشفى: “فعلنا كل ما في وسعنا. من يبقى منا للنهاية سيروي الحكاية كاملة، سيروي كيف فعلنا ما لا يستطيع فعله بشر على وجه الأرض… تذكرونا”.
ارتقى الطبيب أبو نجيلة قبل أن يتمكن من رواية قصة الألم التي عاشها داخل المستشفى الإندونيسي، وأهوال القصف الإسرائيلي، ومعاناة الجرحى والمرضى من نقص العلاج ونقص الأكسجين بسبب انقطاع الكهرباء.
كلمات أبو نجيلة المقتضبة على جدران المستشفى، لخصت الأيام القاسية التي عاشها مع زملائه، محاصرين داخل مكان صغير من جيش كامل ودبابات وطائرات لم تغادر الأجواء، وسط أصوات انفجارات وقصف لا يتوقف.
في مكان آخر، داخل مستشفى الشفاء، الذي قُصف ودُمر مرتين، أصرّ طبيب زراعة الكلى الوحيد في قطاع غزة الدكتور همام اللوح، على البقاء برغم تهديدات القصف.
في مقابلة إذاعية باللغة الإنجليزية، قال اللوح كلمات تعكس إصراره وإنسانيته: “إذا غادرت، من سيعالج المرضى؟ إنهم بشر يستحقون الرعاية الصحية، وليسوا حيوانات. هل تعتقدون أنني درست الطب لأكثر من 14 عاماً، لأفكر فقط في حياتي وأترك المرضى؟ لا، لن أغادر”.
بعد أيام قليلة من هذه الكلمات، استهدفت طائرة حربية إسرائيلية منزل الطبيب اللوح؛ في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مما أدى إلى استشهاده برفقة والده.
يتّبع الجيش الإسرائيلي سياسة ممنهجة لاغتيال أطباء غزة بهدف زيادة معاناة السكان وحرمانهم من حقهم في العلاج.
إلى جانب هؤلاء الأطباء، برز اسم مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية، الذي صمد لأكثر من ثلاثة أشهر محاصراً مع الطواقم الطبية والجرحى والمرضى، ليكون شاهداً على الجرائم الإسرائيلية ضد الأطباء.
اعتقل الجيش الإسرائيلي أبو صفية في مشهد هوليودي، ونشر مقطع فيديو يُظهر “حسن معاملته” أثناء الاعتقال، لكن شهود العيان أكدوا تعرضه للتعذيب لاحقاً.
إحصائيات رسمية
خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، قتل الجيش الإسرائيلي 1000 طبيب وممرض، ودمر عشرات المستشفيات، وفقاً لإحصائية صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية.
وأكدت الوزارة أن الجيش الإسرائيلي استهدف المنظومة الصحية بشكل كامل في جميع محافظات قطاع غزة، حيث دمر عشرات المستشفيات والمراكز الطبية وأخرجها عن الخدمة تماماً.
يتعمد الجيش الإسرائيلي، بحسب الوزارة، استهداف الطواقم الطبية، حيث أعدم حتى الآن أكثر من 1000 طبيب وممرض وكادر من الكوادر الصحية في قطاع غزة.
تدمير المستشفيات
وضع الجيش الإسرائيلي مستشفيات قطاع غزة هدفاً عسكرياً لقواته خلال الحرب المستمرة، فهاجم مستشفى الشفاء للمرة الأولى في آذار/ مارس 2023، مما أسفر عن مقتل أطباء وممرضين وجرحى، كما نفذ إعدامات ميدانية داخل المستشفى. ثم عاد في كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته وأكمل تدمير المستشفى، وفقاً لتأكيدات وزارة الصحة.
كما دمر الجيش الإسرائيلي مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، ومستشفى الشهيد محمد يوسف النجار في محافظة رفح، الذي كان يقدم الخدمات الصحية لنحو 300 ألف نسمة.
إقرأوا أيضاً:










