ما معنى أن يتظاهر الناس؟ أعتقد أن الإجابة لا تُطرح في حيّز التعريف السطحي، بل في إدراك طبيعة الفعل نفسه، بوصفه امتداداً لموقف جماعي يعكس اختلالاً في التوازن بين الحاكم والمحكوم، بين الحقّ العامّ ومصادرته، بين الدولة ككيان راعٍ، والسلطة كأداة للاستحواذ.
المظاهرة، في أصلها، فعل سياسي. لا فرق إن خرج الناس مطالبين بخدمات أساسية، أو محتجّين على قرار سلطوي، فالسياسة ليست حكراً على النُخب، بل هي تعبير عن إدارة الشأن العامّ، والمطالبة بحقوق معيشية كالكهرباء والماء، أو تحسين الرواتب جراء انهيار العملة الوطنية، هي في ذاتها تموضع في قلب السياسة، لا على هامشها.
ولذلك، فإن الفصل بين “المظاهرات السياسية” و”غير السياسية”، أو بين “النسائية” و”الرجالية”، هو اختزال مضلّل للفعل الاحتجاجي، ومحاولة لتفريغه من محتواه الجوهري. التمايز لا يكون في الشكل، بل في الموقف؛ فحين تخرج النساء إلى الشارع؛ كما جرى في ساحة خورمكسر في عدن، العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية، عصر يوم السبت ١٠ أيّار/ مايو ٢٠٢٥، يطالبن تحت اسم “ثورة النسوان”، بمحاسبة الفاسدين في الدولة، وتوفير أبسط مقوّمات الحياة، فإنهن يمارسن حقاً سياسياً مشروعاً، ويتقدّمن في مساحة تمّ تحييدهن عنها طويلاً.
“ما نريده فقط حقوقنا كبشر، حياة كريمة تليق بنا، ومواطنة متساوية نحن نستحقّها”، تقول القاضية نورا ضيف الله قعطبي؛ وهي من عدن، وتضيف: “فخورة لأنني انتمي إلى نساء مدينتي الجميلة عدن، الماجدات القوّيات الصادحات بحقوقهن ومطالبهن بلا وجل ولا خوف. سنستمرّ إلى أن نحقّق مطالبنا وحقوقنا وحياة كريمة نتوق إليها، وسنجسّدها واقعاً لا محالة”.
لكن، كما في كلّ مشهد احتجاجي حرّ، يتربّص الخطر في محاولات التجيير، حيث تسعى قوى سياسية إلى تحويل المظاهرة إلى منصّة تأييد لها، حتى وإن كانت هي ذاتها جزءاً من منظومة السلطة التي تُدان.
إقرأوا أيضاً:
في مظاهرة عدن النسائية؛ “ثورة النسوان”، جرت محاولة لحرف المسار حين رُفعت شعارات مؤيّدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو المكوّن الذي يشارك فعلياً في مجلس القيادة الرئاسي، وفي الحكومة نفسها، ومحافظ عدن من المجلس الانتقالي، وهو أيضاً عضو في الحكومة. هنا تصبح المفارقة فادحة: هل يجوز أن يحتج طرف على نفسه؟
وما يُضاعف من قسوة المفارقة أن النساء اليمنيات؛ رغم كل الشعارات المرفوعة منذ العام ٢٠١٥ عن التمكين والمشاركة، ما زلن مُستثنيات من التمثيل الحقيقي في مواقع القرار. فعلى الرغم من تعاقب خمسة رؤساء للحكومة منذ ذلك العام (خالد بحاح، وأحمد بن دغر، ومعين عبد الملك، وأحمد بن مبارك، وسالم بن بريك) لم تُمنح أي امرأة حقيبة وزارية حتى اليوم. وهو غياب لا يُفسَّر فقط بتقصير سياسي، بل يعكس – في تصوري – بُنية حكم مأزومة تُبقي النساء خارج معادلة الفعل، حتى في لحظات تدّعي فيها السلطة التحوّل والانفتاح. إنه إقصاء ناعم، تتواطأ فيه السلطة مع الذهنية الذكورية، وتُصادر به أي إمكانية لتكافؤ حقيقي، أو لبعض تكافؤ حقيقي، في تمثيل قضايا المجتمع.
نجاح المظاهرات، وخصوصاً حين تقودها نساء، لا يُقاس فقط بالعدد أو الصدى، بل بقدرتها على البقاء وفيّة لجوهر المطالب، وبمنأى عن اصطفافات تستثمر الغضب الشعبي لصالح مشاريع ضيّقة.
في السياق اليمني المأزوم، تصبح المظاهرة النسائية فعلاً مزدوجاً: انتزاع للحقّ، ومقاومة رمزية لثقافة التواطؤ، التي تحوّل كلّ احتجاج إلى غنيمة سياسية.
بعبارة أخرى أكثر دقّة، يمكن القول إن نجاح المظاهرات النسائية لا يُقاس بعدد المشارِكات، بل بمدى حفاظها على استقلالية مطالبها، وبقدرتها على تحدّي محاولات التجيير. وفي ظلّ واقع يمني صادم ومُحبط يتهرّب فيه الجميع من المسؤولية، يتبدّى صوت النساء أكثر صدقاً ووضوحاً، لأنه يأتي من موقع المعاناة، لا من كواليس السلطة.
إنّ الفعل الاحتجاجي، في جوهره، ليس مناسبة خطابية، بل هو – كما أعتقد – مواجهة مع بنية اختلال يجب تفكيكها، وهو ما ينبغي أن تعيه النساء اللاتي خرجن للتظاهر في عدن؛ والرجال على حدّ سواء. ومن هنا، فإن المظاهرة كيفما كان شكلها أو اسمها “ثورة نسوان” أو “ثورة حريم”، يتعيّن ألا تُقاس بمدى قربها من السلطة، أو بُعدها عنها، بل بمدى صدقها في تمثيل وجع الناس.
في النهاية، لا توجد مظاهرة بريئة من السياسة، لكنّ السياسة الحقيقية هي التي تُصغي إلى غضب الناس، لا تلك التي تستثمره وتزيّفه.














