في حزيران/ يونيو 2025، هزّ الرأيَ العام الأميركي زلزالٌ سياسي هائل عندما حقق زهران ممداني، الاشتراكي الديمقراطي (كما يصف نفسه) البالغ من العمر 33 عاماً، ما اعتبره الكثيرون أمراً مستحيلاً: هزم أندرو كومو، عملاق المؤسسة الديمقراطية في نيويورك، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب عمدة المدينة. في بداية رحلته الانتخابية، لم تعطِ استطلاعات الرأي ممداني أكثر من 1 في المائة من احتمالات الفوز، وغدا اليوم مرشح الحزب الديمقراطي – رغماً عن تلك الاستطلاعات!
لنفتح قوسين: تقوم آلية الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة على تنافس مرشحين عدة داخل كل حزب للفوز ببطاقة الترشيح، إذ يصوّت أعضاء الحزب، أو في بعض الولايات جميع الناخبين، لاختيار مرشّحهم المفضل. الفائز في هذه العملية يصبح المرشح الرسمي للحزب في الانتخابات العامة، سواء رضيت عنه قيادة الحزب أم لم ترضَ. وتتنوع أنواع الانتخابات التمهيدية بين “المغلقة”، التي تقتصر المشاركة فيها على المسجلين رسميًا في الحزب، و”المفتوحة” التي تتيح لأي ناخب التصويت بغض النظر عن انتمائه الحزبي، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ “المؤتمرات الحزبية” أو “Caucuses”، وهي اجتماعات محلية تُنظم بنقاشات علنية داخل قواعد الحزب لاختيار المرشحين.
في معظم الديمقراطيات الغربية، مثل كندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، يتم اختيار المرشحين للمناصب السياسية عبر الهيئات الداخلية للأحزاب، كالمؤتمرات الحزبية أو اللجان المركزية، وليس عبر انتخابات شعبية مفتوحة كما هو الحال في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن أحزاباً أوروبية، كالحزب الاشتراكي الفرنسي أو حزب العمال البريطاني، تبنّت في السنوات الأخيرة آليات داخلية أقرب إلى نمط الانتخابات التمهيدية، فإنها بقيت محدودة ومحصورة داخل الحزب نفسه.
الفرق الجوهري يكمن في أن النظام الأميركي يُحوّل اختيار المرشحين إلى عملية انتخابية جماهيرية تتيح للمرشحين المتمردين على التيار السائد فرصة للفوز بدعم القواعد، كما حصل مع زهران ممداني أو دونالد ترامب (في الفترة الأولى)، بينما تحافظ الأنظمة البرلمانية الأوروبية على تحكم أكبر من القيادات الحزبية، ما يقلّل من احتمالات صعود مرشحين خارج الإجماع الحزبي.
أحدث زلزال فوز ممداني صدمة في المشهد السياسي، وأثار الرعب بين الديمقراطيين والجمهوريين على حدّ سواء. ونالته من وسائل الإعلام التقليدية حملات كثيرة تنتقد اتجاهه الديمقراطي-الاجتماعي. لا سيما أنه لم يكن يخفي أجندته الجريئة لمواجهة غلاء المعيشة وموقفه المؤيد للفلسطينيين، ما جعله محط جدل وطني. ويطرح هذا سؤالاً كبيراً: من يخاف من زهران ممداني، ولماذا؟ يستكشف هذا المقال جذور صعوده غير المتوقع، وردود الفعل المتباينة التي أثارها، وما يكشفه عن الانقسامات في السياسة الأميركية، ويسلط الضوء على ما إذا كان فوزه مجرد ظاهرة محلية عابرة أم نذيراً/بشيراً بتغيير أوسع.

من هو زهران ممداني
وُلد زهران ممداني، ابن الثالثة والثلاثين، في أوغندا لأبوين هنديين مسلمين مرموقين: المفكر والأكاديمي محمود ممداني، والمخرجة السينمائية الهندية العالمية ميرا ناير. وقد نشأ بين ثقافات متعددة وهوّيات متداخلة، ليجسّد في شخصه تنوّع المدينة المتروبوليتية التي يمثّلها، ويصوغ خطابًا سياسيًا ينبض بالعدالة والمساواة والانفتاح.
تمحورت حملته حول معالجة أزمة تكلفة المعيشة، وطرح رؤى تقدمية وأفكاراً غير مألوفة ضمن المنظومة الاقتصادية الأميركية، شملت تجميد الإيجارات، وتوفير مواصلات مجانية، ورعاية أطفال شاملة، وإنشاء متاجر بقالة تديرها الدولة. واقترح تمويل هذه السياسات عبر فرض ضرائب تصاعدية على الشركات الكبرى والأثرياء، مستندًا إلى نماذج سابقة وسياسات أثبتت جدواها. لكنّ ما ميّزه حقا لم يكن برنامجه فحسب، بل أسلوبه المتفرد في الخطاب السياسي؛ إذ وظّف وسائل التواصل ببراعة، مقدّمًا رسائل مصوّرة نابضة بالحياة، تحاكي وجدان الناخب وتخاطب عقله.
وقد أضفى موقفه الداعم لفلسطين طابعًا إنسانيًا وأخلاقيًا على خطابه السياسي، إذ لم يتردد في وصف ما يحصل في غزة بالإبادة، مؤيدًا حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات. وعلى رغم ما واجهه من حملات إعلامية شرسة واتهامات بالتطرّف ومعاداة السامية، ردّ بحزم رافضًا الكراهية بكل أشكالها، ومؤكدًا دعمه برامج مكافحة التمييز الديني والعنصري. شكّل تحالفه مع يهود تقدميين ومسلمين ومهاجرين وأميركيين من خلفيات متنوعة، مشهداً نادراً من الوحدة حول قيم العدالة، ورسّخ تحوّلًا ملموسًا داخل الحزب الديمقراطي بشأن القضية الفلسطينية.
لكن تأثير ممداني لم يقتصر على تفجير النقاشات الأخلاقية والسياسية حول فلسطين، بل تجاوز ذلك إلى قلب موازين السياسة المحلية، وفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي وخارجه. يمثل ممداني كلّ الشياطين التي تحاربها الرأسمالية الأميركية: فهو أفريقي من أصل آسيوي، أسمر البشرة، تقدمي النزعة، إنساني الهوى، من عائلة مسلمة، مؤيد لحقوق الفلسطينيين، ويريد قصقصة المؤسسات المالية الأميركية العملاقة. لذلك، وجد نفسه في قلب هجمات منسقة ومنظمة من المؤسسة الحزبية، الجمهورية والديمقراطية: الجمهوريون سعوا إلى شيطنته والديمقراطيون سخروا منه، والإعلام التقليدي لاحقه بالتشكيك والتهكّم، مستهدفاً أصوله الدينية وهويته العرقية. ومع ذلك، ظلّ رابط الجأش، ثابت القدم، متحصّنا بشعبيته المتنامية، وبإيمانه بأن التغيير ممكن.

انتهازية الحزبين التقليديين وموجة الإسلاموفوبيا
يودّ الجمهوريون لو يرَون في صعود زهران ممداني فرصة سياسية ثمينة لهم لاستعادة مدينة نيويورك التي خسروها قبل أكثر من عقدين. وهم يحاولون استغلالها ليس فقط لإضعاف الحزب الديمقراطي في نيويورك، بل لتوظيف ممداني كرمز يخيفون به الناخبين عبر البلاد مما يصورونه انحرافاً يسارياً راديكالياً داخل خصومهم. ولقطف ثمار هذه الفرص باكراً، شنّت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري حملة شعواء ضدّه، فوصمته – على غرار الألفاظ الترامبية – بـ “المعتوه الاشتراكي” و”الوجه الجديد للحزب الديمقراطي،” في محاولة ممنهجة لربط كل مرشح ديمقراطي مهدد في موقعه بصورة ممداني المثيرة للجدل. بل إن إحدى نائبات الحزب الجمهوري، إليز ستيفانيك، وجدت ممداني فزّاعة دعائية على المستوى الوطني واستثمرت صعوده السهمي لحشد التبرعات للدفاع عن الغالبية الهشة التي يتمتع بها الحزب الجمهوري في مجلس النواب، مع اقتراب معركة الانتخابات النصفية عام 2026. وحتى في ولايات مثل فرجينيا ونيوجيرسي، يحاول الجمهوريون ربط المرشحين الديمقراطيين المعتدلين – مثل أبيغيل سبانبرغر وميكي شيريل – بممداني، على رغم اختلاف سياساتهم الجوهرية.
يثير احتمال أن يصبح ممداني أول عمدة مسلم لنيويورك موجة عنصرية ضدّ المرشح الشاب، بل أشعل فتيل موجة جديدة للإسلاموفوبيا. النائبة مارجوري تايلور غرين نشرت صورة تمثال الحرية مرتدياً البرقع، بينما وصفه النائب أندرو أوغلز بـ “محمد الصغير،” وزاد بأن دعا إلى ترحيله. وشنت الصحافة اليمينية حملة لا هوادة فيها على ممداني، ووصفته المعلقة اليمينية لورا لومر بـ”الإرهابي،” بينما يحذّر آخرون من أن يشن المتطرفون الإسلاميون هجمات جديدة تشبه هجمة 11 سبتمبر/ أيلول. وطبيعي ألا يفوّت الرئيس دونالد ترامب هذه الفرصة، وعلى جري عادته سخر من مظهر ممداني وصوته، ووصفه بـ “المعتوه الشيوعي 100 بالمائة”.
على الجانب الآخر من المشهد السياسي، تردد الديمقراطيون في دعم زميلهم الصاعد، ولم يتصدّ من بينهم سوى قلّة للرد على هذه الهجمات، بينهم النائب ريتشي توريس الذي بادر – على رغم خلافاته السياسية مع ممداني – للرد على خطاب الإسلاموفوبيا.

هادئ لو تكلّم!
على الرغم من حداثة سنه، تمكن ممداني من امتصاص حملات الهجوم ضده وتحويلها في صالحه. ويعود جانب كبير من تأثيره إلى حضوره الشخصي اللافت. ففي لقاءاته العامة، يظهر شاباً هادئاً ومتمكناً، يتحدث بلهجة نيويوركية مألوفة، وبنبرة تجمع بين العفوية والثقة. لا يلجأ إلى الشعارات الحماسية الجوفاء، بل يخاطب جمهوره بلغة تُشبههم، مستنداً إلى تجربته كابن لمهاجرين، وكمواطن عادي يعي تمامًا هموم الحياة اليومية.
وعندما يتعرض للهجوم، لا يرفع صوته ولا يرد بعدوانية، بل يتمسك بابتسامته وثباته، وكأنه واثق من أن الصراع الحقيقي يدور حول المعنى، لا حول الضجيج والصوت العالي. هذا التوازن بين التواضع والوضوح جعله شخصية ملهمة، خصوصاً بين الناخبين الشباب الذين وجدوا فيه تمثيلاً نادراً لوجوههم وقضاياهم داخل المؤسسة السياسية.
ولعب ممداني لعبة ذكية حجّم فيها تأثير الإعلام التقليدي، حين خاطب جمهوره من الشباب والنساء من خلال الإعلام البديل الذي وجد فيه ضالّته ومنصته الأصدق والأقرب إلى جمهوره. فقد نجح فريق حملته في توظيف منصات مثل تيك توك ويوتيوب والبودكاست بشكل غير مسبوق، حيث قُدّمت مقاطع قصيرة ومؤثرة تشرح برنامجه، وتردّ على الهجمات ضده، وتوثّق لقاءاته مع الناخبين بلغة عفوية، ومباشرة. ظهوره في برامج بودكاست مستقلة، ذات جمهور شاب ومتنوّع، أتاح له أن يعيد صياغة صورته بعيدًا عن السردية التي فرضتها الصحافة التقليدية، وعلى رأسها “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، اللتان تجاهلتا جوانب قوته وركّزتا على قضايا الهوية والخطاب السياسي المتوتر. في هذا الفضاء الإعلامي الجديد، لم يكن ممداني مجرد مرشح يُروّج لخطابه، بل شريكاً في بناء خطاب جماعي، يتفاعل فيه مع أسئلة جمهوره، ويصوغ معهم – لا عنهم – معالم رؤيته للتغيير.
الخوف المحافظ من الاشتراكية
تنظر الأوساط المحافظة إلى صعود زهران ممداني وبرنامجه الاقتصادي كتهديد مباشر للمرتكزات التقليدية للاقتصاد الأميركي، وعلى رأسها الحرية الاقتصادية والمبادئ الرأسمالية. وقد تجلّى هذا القلق بوضوح في مؤتمر “الحرية والإيمان” (Freedom & Faith Coalition’s Road to Majority)، حيث عبّر مشاركون كثر عن خشيتهم من أن تؤدي مقترحات ممداني إلى تقويض ما يعتبرونه أساس نجاح الولايات المتحدة. من بين هؤلاء، دارين موزر من كارولاينا الشمالية، التي اعتبرت أجندة ممداني، وما تتضمنه من تجميد للإيجارات، وتوفير خدمات نقل ورعاية مجانية، وفرض ضرائب جديدة على الأثرياء، “إهانة للرأسمالية،” مشددة على أن مثل هذه السياسات تمثل خرقاً واضحاً لمبادئ السوق الحرة. أما رونالد ويلكوكس، من فرجينيا، فذهب إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن الحزب الديمقراطي انفلت من أي عقال وما عادت لتطرفه حدود، وتنبأ بأن تحوّل توجهات ممداني نيويورك إلى مدينة طاردة، لا تصلح للعيش أو الاستثمار.
ومع ذلك، لم تخلُ المداخلات من بعض النبرة الواقعية. فأقرّ عدد من المشاركين، مثل كيفن أبلانالب من “ائتلاف الحرية،” بأن صعود ممداني، على رغم رفضهم التام لسياساته، لم يأت من الفراغ، بل يعكس تركيبة فريدة للمزاج السياسي في نيويورك، حيث المناخ الليبرالي المتجذر، والشباب المتحمس للتغيير، واعترفوا بالقدرة التنظيمية غير المسبوقة لحملته.
وسرّى البعض عن نفسه باعتبار نجاح ممداني حالة استثنائية يصعب تكرارها على المستوى الوطني، ولا سيما في الولايات المتأرجحة والمجتمعات المحافظة، حيث لا تزال القيم التقليدية تحتفظ بوزنها الانتخابي. بهذه النظرة المزدوجة – بين الرفض الأيديولوجي والإعجاب التكتيكي – يتعامل جزء من اليمين الأميركي مع ظاهرة ممداني، باعتبارها إنذاراً بواقع جديد في المدن الكبرى، لكنه في نظرهم، لا يزال بعيدًا عن التحوّل إلى موجة وطنية جارفة.

فلسطين في قلب الخوف
أصبح موقف زهران ممداني من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي محوراً للنقاش الحاد والانقسام الحزبي داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث يتزايد فيه التعاطف مع الفلسطينيين داخل القواعد التقدمية، بينما لا يزال التعبير العلني عن هذا الموقف يثير عواصف من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية.
ضمن هذا السياق، شكّل دعم ممداني الصريح لحركة مقاطعة إسرائيل وعدم تردده في وصفه ما يحدث في غزة بكونه “إبادة جماعية”، مادة رئيسية للهجوم عليه. وقد تصاعدت الاتهامات عندما رفض إدانة شعار “عولمة الانتفاضة،” الذي يعتبره البعض خطاباً معادياً للسامية. وأطلق تصريحات نارية جريئة، مثل تعهده باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إذا دخل نيويورك، تصريحات تُظهر تحدّيه الصريح للمؤسسة السياسية، لكنها في الوقت ذاته قد تنفّر بعض الناخبين المعتدلين.
غير أن ممداني حرص، إلى مواقفه المؤيدة للفلسطينيين، على توضيح موقفه، حين أدان، في المقابل، معاداة السامية بشكل قاطع، ووصف هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر بأنه “جريمة حرب،” وتعهد بتخصيص تمويل لبرامج مكافحة الكراهية وخطاب التحريض.
تعكس الحملة الاستثنائية المعادية لممداني من المؤسستين الحزبيتين ووسائل الإعلام الرئيسية من جهة والواقع الانتخابي من جهة أخرى، صورة أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. فتحالف ممداني لا يقتصر على أصوات المسلمين أو التقدميين من أصول مهاجرة، بل يشمل أيضاً كتلة من جيل الملينيوم والجينزي الذين صارت أصواتهم مقررة في أي انتخابات عامة، تضاف إليهم نسبة كبيرة من اليهود التقدميين الذين يرفضون الصهيونية، وقد أظهر استطلاع للرأي أوردته منصة Middle East Eye أن 60 في المائة من الديمقراطيين باتوا يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 12 في المائة يتعاطفون مع الإسرائيليين – وهو تحول دراماتيكي في المزاج الحزبي حدث خلال السنوات الثماني الماضية.
بيد أن هذا التنوع في التحالف الانتخابي لم يجد صداه في تغطية الصحافة الليبرالية، وبخاصة الـ”نيويورك تايمز” المعروفة بانحيازها المتعصّب لإسرائيل، والتي تواصل التركيز على تصوير ممداني كتهديد للناخبين اليهود، متجاهلة التحولات العميقة داخل القاعدة الديمقراطية نفسها.
تأثير صعود ممداني على المشهد السياسي الأميركي
لعل في فوز زهران ممداني دليلاً على أن مرشحاً اشتراكياً ديمقراطياً يمكنه أن يحقق انتصاراً حقيقياً في مدينة أميركية كبرى، إذا ما تقدّم ببرنامج واضح وجذاب، يستند إلى هموم الناس اليومية. لقد نجح ممداني في تحويل قضايا كغلاء الإيجارات وصعوبة الوصول إلى وسائل النقل وارتفاع تكاليف رعاية الأطفال إلى نقاط ارتكاز في حملته، لاقت صداها حتى لدى بعض الديمقراطيين المعتدلين، ممن رأوا في خطابه صراحة نادرة وجدية في معالجة الأزمات المعيشية.
ومع ذلك، من الضروري التنبّه إلى أنه لا يمكننا فصل نجاح ممداني عن خصوصية نيويورك بمناخها السياسي الليبرالي الذي يتيح هامشاً أوسع للأفكار التقدمية. ولذلك من الخطأ الجسيم المراهنة بتعميم الظاهرة على مجمل الساحة السياسية الأميركية. ففي الانتخابات التمهيدية للكونغرس عام 2024، لم تتجاوز نسبة مرشحي “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” حاجز الـ 1 في المائة، بينما فاز المرشحون المعتدلون بنسبة 67 في المائة، ما يثبت أن قدرة التيار اليساري الراديكالي على تحقيق اختراقات واسعة على المستوى الوطني، لا تزال محدودة.
لكن حملة ممداني، على رغم هذه التحديات، توفر دروساً بالغة الأهمية للمرشحين في المستقبل. فقد أثبت أن تعبئة القواعد الشعبية يمكن أن تكون أكثر فعالية من الاتكال على دعم النخب، وأن السيطرة على أدوات التواصل المرئي – لا سيما عبر “تيك توك” ومنصات الفيديو القصير – تتيح تواصلاً أكثر حميمية وتأثيراً مع الناخبين، وأن خطاباً متفائلًا يلامس المشكلات اليومية يمكن أن يشكل قاطرة للتغيير، حتى في وجه حملات التشويه والتخويف.
على رغم ذلك، الانتقال من الشعبية إلى القدرة على الحكم لا يخلو من صعوبات. ففي السباق إلى الانتخابات العامة، يواجه ممداني تساؤلات جدية حول واقعية مقترحاته، خصوصاً تلك التي تتطلب صلاحيات أو تمويلاً خارج نطاق سيطرة البلدية. فتجميد الإيجارات قد يؤدي – بحسب بعض التقديرات – إلى تقليص المعروض السكني، بينما تحتاج خطط الرعاية الشاملة للأطفال إلى موافقة سلطات الولاية. هذه التحديات ستضع قدرة ممداني على الجمع بين الطموح السياسي والتنفيذ العملي تحت اختبار حقيقي.
إذاً أهي شجاعة أم كارثة؟
لن يكون ممداني، في حال نجاحه، أول من يشغل منصب عمدة مدينة بتوجهات تقدمية. فقد سبقه السيناتور بيرني ساندرز، أحد مصادر إلهام ممداني، حين تولى رئاسة بلدية برلنغتون بين عامي 1981 و1989، وسعى آنذاك إلى تطبيق سياسات اشتراكية، من بينها فرض سيطرة بلدية على الأراضي. ولتحقيق هذه الأهداف، اضطر إلى التفاوض مع حكومة ولاية فيرمونت ذات الغالبية الجمهورية، فلجأ إلى الضغط الشعبي وتحالف مع التعاونيات المحلية لتنفيذ مشاريع إسكان منخفض التكلفة من دون الدخول في صدام مباشر مع الولاية.
وبعد عقود، واجهت عمدة بوسطن، ميشيل وو، في عام 2022، رفضاً من المجلس التشريعي في ماساتشوستس لتمويل برنامج للإسكان الاجتماعي، فلجأت إلى تحويله إلى “صندوق استثماري بلدي” تموله رسوم تطوير العقارات الخاصة. سيتعين على ممداني أن يتعلم من دروس من سبقه ويحوّل المقاومة السياسية إلى فرص تكتيكية، سواء من خلال الضغط الشعبي أو عبر إعادة صياغة السياسات بما يتلاءم مع الإطار القانوني القائم.
ولكن لنعد إلى سؤالنا الرئيسي: من يخشى زهران ممداني؟ يبدو أن أطرافاً عدة ترى في صعوده تهديداً مباشراً لمواقعها ومفاهيمها الراسخة. فالمؤسسة الديمقراطية تخشى أن يُقوّض نفوذها التقليدي ويعيد رسم موازين القوى داخل الحزب. أما الجمهوريون، فعلى رغم خشيتهم من جاذبيته المتزايدة، وجدوا فيه عدواً يوحّد صفوفهم ويغذّي حملاتهم الانتخابية. وفي المقابل، يظهر الإعلام التقليدي، وعلى رأسه جريدة نيويورك تايمز، قلقاً من فقدان احتكاره للسردية السياسية في مدينة لطالما ادّعى تمثيلها.
لا يبدو ممداني مجرد مرشح يحمل برنامجاً، بل إنساناً يُجسّد حلماً جمعياً بالتغيير، ويمثل جيلاً يسعى إلى إعادة تعريف السياسة كأداة للكرامة، لا وسيلة للهيمنة. وصعوده، بالتالي، ليس ظاهرة عابرة، بل هو انعكاس لتحولات بنيوية أعمق: تزايد التعاطف داخل الحزب الديمقراطي مع القضية الفلسطينية، وتمرد جيل جديد من الشباب على قواعد اللعبة السياسية القديمة، ومحاولة جادة لإعادة تعريف اليسار الأميركي خارج قوالبه المعتادة.
في النهاية، سواء فاز ممداني في الانتخابات العامة أم خسر، يكفي أنه كسر القالب وأثبت أن النموذج التقليدي في السياسة بات موضع تساؤل. والسؤال الذي لا يزال من المبكر الإجابة عنه هو: هل يمكن لرؤيته الجريئة أن تصمد أمام العاصفة، أم أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد؟









