خرجت ثيودوسيا كرم من منزلها صباحًا كما يفعل آلاف الطلاب. لم تكن ذاهبة إلى جبهة قتال، ولا إلى منطقة عسكرية، بل إلى امتحان جامعي. حملت أوراقها، ورافقت عائلتها في رحلة طويلة من قريتها الجنوبية القليعة إلى الجامعة اللبنانية. كان يفترض أن تعود إلى منزلها بعد انتهاء الامتحان، حاملةً همّ النتائج وربما خطط العطلة الصيفية.
لكن ثيودوسيا لم تعد.
على جسر الخردلي في جنوب لبنان، قتلت غارة إسرائيلية الطالبة الجامعية مع والدها الطبيب جيمس كرم وشقيقها طوني، لتنتهي رحلة التعليم برحلة جنازة.
الجريمة إسرائيلية بلا شك. لكن المأساة التي فجّرتها وفاة ثيودوسيا فتحت سؤالًا آخر لا يمكن تجاهله: هل كان ينبغي أصلًا أن تكون هناك امتحانات تُجبر الطلاب على التنقل في بلد يعيش حربًا مفتوحة؟
عندما يصبح التعليم رحلة محفوفة بالموت
ليست وظيفة وزارة التربية في زمن الحرب أن تتصرف وكأن الحرب غير موجودة. وظيفتها أن تدير العملية التعليمية وفق الواقع القائم لا وفق واقع متخيّل.
منذ أسابيع، تعلو صرخات وتحذيرات من أساتذة جامعيين وطلاب وأهالٍ بشأن المخاطر المترتبة على إجراء الامتحانات في الظروف الحالية. فالحرب لم تعد حدثًا بعيدًا عن الحياة اليومية، بل أصبحت جزءًا من تفاصيلها. مناطق واسعة تتعرض للقصف، والطرق الرئيسية تشهد استهدافات متكررة، فيما يعيش آلاف الطلاب حالة نزوح مستمرة بين المناطق.
وعلى الرغم من ذلك، أصرت وزارة التربية وإدارة الجامعة اللبنانية على المضي في الامتحانات وفق الآليات المعتادة تقريبًا، وكأن البلاد لا تمر بواحدة من أخطر مراحلها الأمنية منذ سنوات.
أين العدالة التعليمية؟
المشكلة لا تتعلق فقط بعدد دورات الامتحانات الرسمية أو بمواعيدها. فالنقاش الذي شغل الطلاب خلال الأسابيع الماضية حول دورة واحدة أو ثلاث دورات يبدو اليوم تفصيلاً ثانويًا أمام سؤال أكثر جوهرية: هل تتوافر أصلًا شروط العدالة وتكافؤ الفرص والسلامة لإجراء الامتحانات؟
كيف يمكن مقارنة طالب يعيش في منزله ويتمتع بالاستقرار النسبي، بطالب نزح مرات عدة خلال الأشهر الماضية، أو يضطر إلى اجتياز عشرات الكيلومترات يوميًا عبر طرقات معرضة للقصف؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بينما يعيش جزء من الطلاب تحت ضغط نفسي وأمني مستمر، فيما يواجه آخرون ظروفًا مختلفة تمامًا؟
تحت أزيز المسيّرات
بعيدًا من مخاطر التنقل والقصف، ثمة جانب آخر يكاد يغيب عن النقاش التربوي الدائر اليوم: القدرة الفعلية على التعلّم والتركيز في ظل الحرب.
أكتب هذه السطور فيما لا يفارق أزيز الطائرات المسيّرة الإسرائيلية سماء بيروت. ذلك الصوت المتواصل الذي أصبح جزءًا من يوميات اللبنانيين، والذي يرافق ساعات العمل والنوم والانتظار. وعلى الرغم من اعتيادنا الظاهري عليه، فإن تجاهله ليس بالأمر السهل. فكيف بطالب أو طالبة يستعدان لامتحان مصيري؟
كيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بين طلاب يعيشون تحت وقع القصف والتهديد اليومي، وآخرين يدرسون في ظروف أكثر استقرارًا؟ وكيف يُطلب من شاب أو شابة مراجعة الدروس وحفظ المعلومات فيما ينشغل العقل بأسئلة أكثر إلحاحًا: هل سنمضي الليلة بسلام؟ هل سنضطر إلى النزوح مجددًا؟ وهل سيعود أفراد العائلة إلى المنزل؟
لا تؤثر الحروب على المباني والطرقات فقط، بل على قدرة الناس الذهنية والنفسية. والخوف المستمر، والضغوط النفسية، وأصوات الطائرات والانفجارات، والنزوح المتكرر، كلها عوامل تجعل التركيز والتعلّم أكثر صعوبة.
ماذا تفعل الدول في زمن الحرب؟
في أوقات الحروب والنزاعات، لا تتعامل الأنظمة التعليمية حول العالم مع الامتحانات باعتبارها هدفًا بحد ذاته، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع هدفها حماية الحق في التعليم من دون تعريض حياة الطلاب للخطر. ولهذا تلجأ دول عدة إلى إجراءات استثنائية، منها تأجيل الامتحانات، أو تعديل آليات التقييم، أو توزيعها جغرافيًا لتقليل التنقل، أو اعتماد تقييمات تراكمية مؤقتة، أو توفير مراكز امتحانية قريبة من أماكن النزوح والإقامة.
صحيح أن بعض هذه البدائل يطرح تحديات أكاديمية وقانونية، لكن إدارة الأزمات تقوم أساسًا على الموازنة بين المخاطر المختلفة، لا على التمسك بالإجراءات التقليدية مهما كانت الظروف.
وهنا يكمن جوهر الانتقادات الموجهة إلى وزارة التربية. فالمطلوب من الوزارة في زمن الحرب ليس فقط الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية، بل أيضًا تطوير خطط استثنائية تتناسب مع الواقع الاستثنائي. أما الإصرار على تطبيق قواعد زمن السلم في زمن الحرب، فهو لا يعكس صلابة المؤسسات بقدر ما يكشف عجزها عن التكيف مع الأزمة.
إقرأوا أيضاً:
في تجارب الحروب حول العالم، لا تُقاس جدية المؤسسات التعليمية بقدرتها على الحفاظ على روزنامة الامتحانات، بل بقدرتها على حماية الطلاب عندما تنهار ظروف الحياة الطبيعية. لذلك تلجأ الحكومات والجامعات عادة إلى بدائل استثنائية، من تأجيل الامتحانات إلى اعتماد التقييم التراكمي أو توزيع مراكز الامتحان بالقرب من أماكن سكن الطلاب ونزوحهم. أما الإصرار على تطبيق قواعد زمن السلم في خضم حرب مفتوحة، فلا يُنظر إليه بوصفه دفاعًا عن التعليم، بل باعتباره تجاهلًا للمخاطر التي يتحملها الطلاب وأهاليهم يوميًا. فحين يصبح الوصول إلى قاعة الامتحان مغامرة غير مضمونة النتائج، لا يعود السؤال كيف نجري الامتحانات، بل ما إذا كان الإصرار على إجرائها بهذه الطريقة قرارًا مسؤولًا أصلًا.
أسئلة لا تكفيها بيانات النعي
بعد مقتل ثيودوسيا كرم، لم يعد النقاش تربويًا بحتًا. لقد أصبح نقاشًا حول المسؤولية العامة. ما هي معايير السلامة التي اعتُمدت قبل الإصرار على إجراء الامتحانات؟ وهل تم تقييم المخاطر التي يتعرض لها الطلاب القادمون من المناطق الأكثر تضررًا؟ وهل استمعت الوزارة إلى الطلاب وأهاليهم والأساتذة الذين حذروا مرارًا من خطورة الوضع؟
لا أحد يستطيع منع الغارات الإسرائيلية أو ضمان أمن الطرقات في ظل الحرب. لكن الدولة مسؤولة عن قراراتها. وهي مطالبة بأن تسأل نفسها اليوم سؤالًا بسيطًا: هل كان يمكن تفادي تعريض آلاف الطلاب لهذه المخاطر عبر خيارات أخرى؟
لن تعيد الإجابة ثيودوسيا إلى الحياة. لكنها قد تمنع أن يتحول طلاب آخرون إلى أسماء جديدة في بيانات النعي.
فالمدرسة والجامعة وُجدتَا لحماية المستقبل، لا لتحويل الطريق إليهما إلى اختبار للبقاء على قيد الحياة.
ما هي البدائل الممكنة؟
من بين البدائل الأكثر شيوعًا والمعتمدة في ما يتعلق بإجراء الامتحانات في مناطق النزاع:
تأجيل الامتحانات حتى استقرار الوضع الأمني.
اعتماد التقييم التراكمي (coursework) بدل الامتحان النهائي الكامل.
إنشاء مراكز امتحانات لا مركزية قريبة من أماكن النزوح.
تقليص المواد الممتحنة أو تقسيم الامتحانات على مراحل.
الامتحانات الإلكترونية أو الهجينة عندما تكون البنية التحتية متاحة.
إعطاء خيارات متعددة للطلاب (امتحان الآن أو في دورة لاحقة من دون عقوبات أكاديمية).
اعتماد علامات السنوات السابقة أو تقييم استثنائي مؤقت كما حصل في عدد من الدول خلال الحروب والأزمات الكبرى وجائحة كورونا.
تستند هذه البدائل إلى مبادئ “التعليم في حالات الطوارئ” و”التعليم الحساس للنزاعات” التي تعتمدها منظمات دولية مثل اليونسكو (UNESCO) واليونيسف (UNICEF) والشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ (INEE)، والتي تدعو إلى تكييف السياسات التعليمية مع الظروف الأمنية والإنسانية الاستثنائية بما يضمن استمرارية التعليم من دون تعريض الطلاب لمخاطر إضافية.
هذه البدائل ليست مثالية، لكنها تُستخدم عندما تصبح سلامة الطلاب جزءًا من المعادلة التربوية، لا تفصيلًا خارجها. بعد اليوم، لم يعد ممكناً التعامل مع قضية الامتحانات بوصفها مجرد ملف تربوي. اسم ثيودوسيا كرم سيبقى شاهداً على لحظة فشلت فيها الدولة في طرح السؤال الصحيح. لم يكن السؤال كيف نحافظ على روزنامة الامتحانات، بل كيف نحافظ على حياة الطلاب. فالامتحان الذي يضع الطالب أمام احتمال ألا يعود إلى منزله ليس امتحاناً أكاديمياً. إنه فشل سياسي وإداري وأخلاقي.
إقرأوا أيضاً:












