لم يسبق للبنانيين أن عرفوا منطقة تُدعى “جبال كريستوباني” على خريطة بلادهم. ليست موجودة في كتب الجغرافيا، ولا في الخرائط الرسمية ولا في ذاكرة أحد. برز الاسم فجأة في 19 نيسان/ أبريل 2026، ضمن خريطة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي عبر منصة X.
وفقاً لمنشور سبق نشر الخريطة، قال أدرعي إنه وقبل دقائق من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ ليل 16-17 نيسان، “أجرى الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية سُميت بـ “عملية العقاب”، إذ هبطت قوات في عمق سلسلة جبال كريستوفيني سلسلة جبال لبنان الشرقية في جنوب لبنان ورسخت وجودها العملياتي في المنطقة”.
ظهور اسم “كريستوباني أو كريستوفيني” ليس تفصيلاً عابراً. فالتسمية تشير إلى المنطقة المعروفة بسلسلة جبال لبنان الشرقية أي السفوح الغربية لمرتفعات جبل الشيخ أو جبل حرمون وفقاً للتسمية اللبنانية. لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أكدت أن “مسمى “جبال كريستوفيني” هو مسمى وهمي ومختلق، ولا وجود له في التاريخ الجغرافي أو السجلات العقارية الرسمية للجمهورية اللبنانية”. واعتبرت اللجنة أن “اختراع مسميات جديدة للأراضي يندرج ضمن سياسة عدوان ثقافي وجغرافي، ما يشكل انتهاكاً لاتفاقية لاهاي لعام 1907 التي تمنع القوة المحتلة من تغيير معالم الأرض أو تجاوز سلطة الإدارة الوطنية”.
تُعد إعادة تسمية المدن والقرى أداةً سياسية–عسكرية تُستخدم لترسيخ الوجود على الأرض، والتحايل على الاتفاقيات الدولية، وخلق وقائع ميدانية يُعاد استثمارها لاحقاً في مسارات تفاوضية أو اتفاقيات جديدة، وهو نهج إسرائيلي متكرر تاريخياً.
حذّرت لجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان من أن إطلاق تسمية “جبال كريستوفيني “يهدف إلى إنشاء “منطقة رمادية” جغرافياً، بحيث يصعب على المراقبين الدوليين تحديد مواقع القوات بدقة وفق الخرائط اللبنانية الرسمية، ما قد يفتح الباب أمام اشتباكات مستقبلية ناتجة من التضليل في تحديد المواقع والحدود”.

سياسة استيطانية إسرائيلية
يوم الخميس الفائت، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إنه وجّه الجيش “لمواصلة توسيع المنطقة الأمنية والانتشار أيضاً باتجاه سفوح جبل الشيخ، كي نتمكن من حماية إخواننا الدروز في أوقات المحن”.
لا يمكن فصل هذا التصريح عن سياق أوسع يتجاوز الاعتبارات العسكرية التي يروج لها الجيش الإسرائيلي . وتندرج هذه الممارسات ضمن سياسات توسعية أشار إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، حين فاجأ العالم بعرض “خريطة إسرائيل الكبرى” في الأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2023، قبل أن يصرح أخيراً أنه “يحمل رسالة تاريخية وروحانية لبنائها”. وتعكس هذه التصريحات منطقاً قائماً على إعادة رسم الخرائط وترسيخ وقائع جديدة على الأرض ليس فقط عبر الانتشار العسكري، بل أيضاً من خلال اللغة.
في مخالفة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، نشر الجيش الإسرائيلي أكثر من 100 إنذار إخلاء لسكان لبنان، وأعاد إصدارها وتوسيع نطاقها حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ ليل 16-17 آذار/ مارس 2026، بما يعكس نمطاً ممنهجاً من التهجير القسري الهادف إلى إفراغ مناطق سكنية وفرض السيطرة على الأرض بالقوة. وتشمل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حتى اليوم 55 قرية في الجنوب اللبناني، مُنع أبناؤها من العودة إليها.
تعود سياسة قضم الأراضي إلى عشرينات القرن الماضي. في عام 1951، أُنشئت “لجنة الأسماء الحكومية” الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء دايفيد بن غوريون، بهدف تسمية جميع التجمعات والمواقع على “خريطة إسرائيل”، واستبدال الأسماء العربية التي كانت قائمة قبل عام 1948 بأسماء عبرية.
إقرأوا أيضاً:
وجاءت هذه الهيئة امتداداً لتحركات غير رسمية سبقتها، مثل لجنة أسماء المستوطنات التي أنشأها الصندوق القومي اليهودي عام 1925، ولجنة أخرى أُنشئت بعد عام 1948 لإيجاد أسماء عبرية تحل محل الأسماء العربية في النقب. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1920 و 1990، ساهمت هذه السياسات في تغيير أسماء نحو 7000 موقع ومنطقة، في إطار مسار ممنهج لإعادة تشكيل الجغرافيا والهوية على حد سواء.
هدفت هذه الهيئة إلى استبدال التسميات العربية والعثمانية وتلك العائدة إلى فترة الانتداب البريطاني بأسماء مستمدة من مصادر توراتية أو تاريخية، في إطار ما سُمّي بـ “تعزيز الهوية الوطنية” في المناطق التي تم الاستيلاء عليها قبل عام 1948.
وفي عام 1951، قال رئيس الوزراء دايفيد بن غوريون، في معرض حديثه عن اللجنة: “لا نعترف بالملكية السياسية للعرب على الأرض، كذلك لا نعترف بملكيتهم الروحية أو بأسمائهم. لا يهمّ ما يقوله العرب، ما يهم هو ما يفعله اليهود”. وفي عام 2009، أعلنت وزارة النقل الإسرائيلية بدء محو الأسماء العربية من لوحات الطرق. ومنذ عام 1967، أطلقت إسرائيل أسماء عبرية أو توراتية على مناطق وقرى سورية في الجولان.
حقبة الاستعمار الجديدة
وضع ميثاق الأمم المتحدة حدّاً لمبدأ الاستيلاء على الأراضي بالقوة، باعتباره أحد أسس النظام الدولي الحديث. إلا أنّ هذه المبادئ شهدت في السنوات الأخيرة تآكلاً متزايداً، مع تصاعد سياسات أعادت إحياء منطق النفوذ الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، جاءت خطوات إسرائيل لضمّ أراضٍ، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحت مسمّى “صفقة القرن”، لتكريس واقع يتجاوز قواعد القانون الدولي.
وتعكس سياسات ترامب – نتانياهو اتجاهاً أوسع نحو إعادة تشكيل النظام العالمي، عبر إحياء مفهوم “مناطق النفوذ” الذي ساد في القرن التاسع عشر، حيث تمنح القوى الكبرى حق فرض سيطرتها على محيطها الجغرافي، في نهج يقدّم المصالح السياسية على حساب السيادة الوطنية ومبادئ القانون الدولي.
ضمن هذا الإطار، لا تبدو سياسات إعادة تسمية منطقة لبنانية تحت مسمى “كريستوباني” منفصلة عن هذه التحولات الدولية. فمن أبرز الأمثلة، ما قام به ترامب حين نشر عبر منصته “تروث سوشيال” فيديو مُصنّعاً بالذكاء الاصطناعي يظهر قطاع غزة، الذي دمرته حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وقد تحوّل إلى منتجع سياحي يحمل اسم “ترامب غزة”.
وفي 20 كانون الثاني/ يناير 2025، وقع ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بتغيير اسم “خليج المكسيك” في الوثائق والخرائط الأميركية إلى “خليج أميركا”. كما أطلق، خلال التصعيد مع إيران في آذار/ مارس 2026، تسمية ساخرة على مضيق هرمز، واصفاً إياه بـ”مضيق ترامب”.
الموقف الرسمي اللبناني
تنص اتفاقيتا لاهاي وجنيف الرابعة على منع القوى المحتلة من تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأراضي المحتلة. لكن يأتي محو الأسماء ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض استقلالية المجتمعات وحقها في تقرير المصير، وتعيد تشكيل هويتها التاريخية والسياسية بغية طمس حقوقها ومطالبتها بالأراضي.
في النهاية، قد لا يتذكر أحد متى دخلت القوات الإسرائيلية تلك الجبال، لكن ترسيخ اسم “كريستوباني” في الخرائط في غياب رد رسمي لبناني، قد يحول الوهم إلى واقع. يستوجب الموقف إيداع احتجاج رسمي لدى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة ولجنة الخبراء المعنية بالأسماء الجغرافية، لتوثيق هذا الانتهاك و”منع أسرلة الجغرافيا اللبنانية”، وفقاً للجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان.
إقرأوا أيضاً:












