ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

جدليّة التصعيد ومحاصرة الدولة اللبنانية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

سلوك إسرائيل لا يهدف إلى إضعاف “حزب الله” حقّاً، بل يهدف إلى منع الدولة اللبنانية من التحوّل إلى قوّة قادرة على استيعاب “حزب الله” داخلياً، لأن ذلك يعني انتهاء ذريعة التصعيد الإسرائيلي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يتمحور التصعيد الإسرائيلي المستمرّ حول هدف واحد، ألا وهو إبقاء لبنان في حالة استنزاف سياسي وأمني دائم. فإسرائيل من جهة تستفيد باستمرار من وجود سلاح “حزب الله” كذريعة استراتيجية تمكّنها من فرض شروط تصعيدية على لبنان، وتبرّر لها التوغّل البطيء، وبناء قواعد عسكرية إضافية داخل أراضيه تحت مظلّة توسيع المنطقة العازلة أو بذريعة “الدفاع عن النفس”. 

في كلّ مرّة تُطرح قضيّة سلاح “حزب الله” على الطاولة بشكل جدّي، تجد إسرائيل فيها مادّة للتصعيد السياسي والأمني، فضلاً عن إيهام الرأي العامّ الإسرائيلي بأن خطر “حزب الله” لا يزال موجوداً، ويتطلّب مزيداً من المواجهة والتدخّلات العسكرية. في الواقع، كلّ ما تقوم إسرائيل بفعله هو تكبيل حركة الدولة اللبنانية والتشويش عليها.

من الجهة المقابلة، ينظر “حزب الله” إلى الاعتداءات والاغتيالات الإسرائيلية اليومية بوصفها وسيلة مناسبة لتعزيز شرعيّة دوره “المقاوم”. ففي كلّ تصعيد أو هجوم إسرائيلي، يرفع الحزب منسوب خطابه تجاه الداخل اللبناني، مقدّماً نفسه الضامن الوحيد لأمن لبنان في مواجهة العدوان، وموظّفاً تلك الضغوط لتعزيز التكاتف الشعبي حول وجوده العسكري، والتأكيد أن السلاح ضرورة وجودية لا يمكن المساس بها. ويرى الحزب في الاستهداف الإسرائيلي فرصة لمواصلة تمسّكه باستقلاليته عن الدولة ومؤسّساتها، رغم مشاركته في الحكومات المتعاقبة – بما في ذلك حكومة نوّاف سلام الحالية – وورقة ضغط يلوّح بها كلما اشتدّت الدعوات إلى دمج سلاحه أو وضعه تحت سلطة الدولة اللبنانية.

ضمن هذه المعادلة، تظهر إسرائيل كطرف رابح في جميع السيناريوهات: ففي حال أفضى التصعيد الإسرائيلي إلى قطيعة نهائية بين “حزب الله” من جهة، ورئيسي الحكومة والجمهورية من جهة أخرى، عبر جرّ الحزب بالقوّة إلى وحل الحرب المفتوحة مجدّداً، تجد إسرائيل نفسها قادرة على تصوير الدولة اللبنانية كياناً ضعيفاً وعاجزاً، ما يبرّر لها مزيداً من التدخّل العسكري، ويعزّز موقعها أمام المجتمع الدولي، بالإضافة إلى دفعها بقوّة أكبر باتجاه فرض المزيد من العقوبات المالية على لبنان. 

أما في حال تشبَّث الحزب بسلاحه واستمرّ في التصعيد السياسي داخلياً، وبإطلاق حملات “الصهينة” ضدّ نوّاف سلام وحكومته، فذلك يعطي إسرائيل المبرّر الدائم لاستمرار عمليّاتها، وفرض شروط أشدّ قسوة على الدولة اللبنانية أيضاً. 

وكأن إسرائيل في الحالين تضع مسدّساً في رأس الدولة اللبنانية، ومسدّساً آخر في يدها، فارضةً عليها إطلاق النار على رأس “حزب الله”، إلا أن المفارقة أن المسدّس الذي تحمله الدولة اللبنانية، رصاصاته مزيّفة، والحزب ينتظر لحظة الضغط على الزناد ليلتفت إلى الوراء، ويضحك، ثم يبادر بنحر عنق الدولة، لتُرديه إسرائيل بعد ذلك قتيلاً.

هذا التداخل يضع حكومة نوّاف سلام فعلياً في موقف بالغ الحرج، إذ تجد نفسها بين مطرقة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وسندان قوّة “حزب الله” التي يصعب ضبطها داخلياً، أو تحديد أفق واضحٍ بشأنها، بخاصّة بعد تأكيد إيران تدخّلها في عمليّة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، واعتبارها، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، أن قرار حكومة سلام بوضع جدول زمني لحصر سلاح الحزب، وحلّ جميع الميليشيات خارج الدولة قبل نهاية العام الجاري، هو مجرّد إملاءات أميركية عبر المبعوث الأميركي توم برّاك.

لا شكّ في أن الدولة اللبنانية مقيّدة بمعادلات دولية وإقليمية تفرض ضرورة حصرية السلاح بيدها من جهة، ومحرجة أمام جمهور يرى في سلاح الحزب مظلّة حماية في مواجهة العدوان من جهة أخرى، لكن ذلك لا يعني أن قضيّة حصر السلاح بيد الدولة، بحدّ ذاتها، ليست قضيّة وطنية ذات أبعاد خارجية، كما أن قضيّة رفض حصر السلاح بيد الدولة هي قضيّة وطنية ذات أبعاد خارجية أيضاً. ليس هناك من جهة خارجية تُجبِر جزءاً كبيراً من اللبنانيين على المطالبة بنزع سلاح جميع الميليشيات، بل هناك جهات خارجية تؤيّد هذا الجزء من اللبنانيين في مساعيهم لإعادة بناء الدولة على أسس واضحة، حيث تكون الدولة هي صانعة القرار، بدلاً من أن تكون مجرّد مراقب عاجز في صراعات تدور على أرضها.

هذا التأييد الأميركي يبدو في نظر الجمهور المؤيّد لازدواجية السلاح مجرّد إملاءات خارجية، تماماً كما يبدو التأييد الإيراني لـ “حزب الله” في نظر الدولة والجمهور المؤيّد لمساعي حصر السلاح بيدها مجرّد إملاءات خارجية. وفي الحالين، الأمر أكثر تعقيداً بكثير من ذلك. فلا إيران التي تعرّضت لضربات قاسية تفرض على جمهور “حزب الله” التمسّك بنهجه، الذي أصبح يبدو انتحارياً، ولا الولايات المتّحدة تفرض على الجمهور المرتاب من سلاح الحزب التمسّك بنهج حصر السلاح بيد الدولة الذي أصبح يبدو استسلامياً. فلا التمسّك بالسلاح انتحار مطلق يقود إلى استسلام حتمي، ولا حصر السلاح بيد الدولة استسلام مطلق يقود إلى انتحار حتمي. 

لا مطلق في هذه المعادلات، لكنّ الانتحار الذي يقود، في نهاية المطاف، إلى الهزيمة المطلقة والاستسلام، هو السماح للقوى الخارجية بجرّ جميع اللبنانيين إلى الاقتتال الداخلي تحت ضغط التصعيد والتدخّلات اليومية.

أمام هذه الحلقة المفرغة، يصبح البحث عن حلول صعباً جداً في ظلّ استمرار التصعيد الإسرائيلي، الذي يغذّي “حزب الله” سياسياً بدوره، رغم الخسائر المادّية والبشرية التي يتعرّض لها الحزب. ولا خروج من هذه الدوّامة سوى بموقف جريء يتّخذه الحزب نفسه لإنقاذ نفسه أولاً، ولإنقاذ الدولة اللبنانية ثانياً، من الفخّ الإسرائيلي. في هذه الوضعية، ليست الدولة هي التي تستطيع إنقاذ الحزب من مصير مروّع ينتظره، بل الحزب هو الذي يستطيع إنقاذ نفسه والدولة معاً، فسردية التمسّك بالسلاح – الذي فقد معظم جدواه العملية/ العسكرية بمواجهة إسرائيل – تفرضها إسرائيل بقوّة التصعيد العسكري ضدّ الحزب كلما تقدّمت الدولة اللبنانية خطوة في اتجاه إنهاء ازدواجية السلاح.

سلوك إسرائيل لا يهدف إلى إضعاف “حزب الله” حقّاً، بل يهدف إلى منع الدولة اللبنانية من التحوّل إلى قوّة قادرة على استيعاب “حزب الله” داخلياً، لأن ذلك يعني انتهاء ذريعة التصعيد الإسرائيلي، ويعني أيضاً توقّف كلّ المساعي الإسرائيلية لمحاصرة لبنان على المستوى الدولي، سواء من خلال العقوبات الاقتصادية والمالية، أو من خلال تأزيم موقع لبنان دبلوماسياً.

إصرار إسرائيل على مفاقمة وضع الدولة اللبنانية الهشّ وتعميق أزماتها، على الرغم من سعي الدولة المستمرّ لإنهاء الوضع العسكري لـ “حزب الله” – وذلك خدمةً للبنانيين أنفسهم لا لإسرائيل – عبر التفاهم والاحتواء، ليس الهدف منه فرض شروط السلام والتطبيع بالقوّة، بل منع لبنان من أن يكون لديه دولة قادرة على وضع البلد على سكّة التعافي والنهوض. 

فليس من مصلحة إسرائيل أن يتمكّن كلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة من استيعاب حالة “حزب الله” بشكل سلمي، والعمل على حلّ هذا الملفّ بوسائل وأساليب تتفادى الصدام والتقاتل الداخلي. الضغط العسكري الإسرائيلي على “حزب الله” هو في الحقيقة، ضغط على الرئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام، ورهان على تفجير حكومة سلام من داخلها، بحيث يتحوّل الوزراء المرتبطون بالثنائي الشيعي، حركة “أمل” و”حزب الله”، إلى قنابل موقوتة، ويتحوّل “الشارع الشيعي” إلى طرف فاعل في معادلة داخلية متفجّرة.

إقرأوا أيضاً:

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
07.08.2025
زمن القراءة: 5 minutes

سلوك إسرائيل لا يهدف إلى إضعاف “حزب الله” حقّاً، بل يهدف إلى منع الدولة اللبنانية من التحوّل إلى قوّة قادرة على استيعاب “حزب الله” داخلياً، لأن ذلك يعني انتهاء ذريعة التصعيد الإسرائيلي.

يتمحور التصعيد الإسرائيلي المستمرّ حول هدف واحد، ألا وهو إبقاء لبنان في حالة استنزاف سياسي وأمني دائم. فإسرائيل من جهة تستفيد باستمرار من وجود سلاح “حزب الله” كذريعة استراتيجية تمكّنها من فرض شروط تصعيدية على لبنان، وتبرّر لها التوغّل البطيء، وبناء قواعد عسكرية إضافية داخل أراضيه تحت مظلّة توسيع المنطقة العازلة أو بذريعة “الدفاع عن النفس”. 

في كلّ مرّة تُطرح قضيّة سلاح “حزب الله” على الطاولة بشكل جدّي، تجد إسرائيل فيها مادّة للتصعيد السياسي والأمني، فضلاً عن إيهام الرأي العامّ الإسرائيلي بأن خطر “حزب الله” لا يزال موجوداً، ويتطلّب مزيداً من المواجهة والتدخّلات العسكرية. في الواقع، كلّ ما تقوم إسرائيل بفعله هو تكبيل حركة الدولة اللبنانية والتشويش عليها.

من الجهة المقابلة، ينظر “حزب الله” إلى الاعتداءات والاغتيالات الإسرائيلية اليومية بوصفها وسيلة مناسبة لتعزيز شرعيّة دوره “المقاوم”. ففي كلّ تصعيد أو هجوم إسرائيلي، يرفع الحزب منسوب خطابه تجاه الداخل اللبناني، مقدّماً نفسه الضامن الوحيد لأمن لبنان في مواجهة العدوان، وموظّفاً تلك الضغوط لتعزيز التكاتف الشعبي حول وجوده العسكري، والتأكيد أن السلاح ضرورة وجودية لا يمكن المساس بها. ويرى الحزب في الاستهداف الإسرائيلي فرصة لمواصلة تمسّكه باستقلاليته عن الدولة ومؤسّساتها، رغم مشاركته في الحكومات المتعاقبة – بما في ذلك حكومة نوّاف سلام الحالية – وورقة ضغط يلوّح بها كلما اشتدّت الدعوات إلى دمج سلاحه أو وضعه تحت سلطة الدولة اللبنانية.

ضمن هذه المعادلة، تظهر إسرائيل كطرف رابح في جميع السيناريوهات: ففي حال أفضى التصعيد الإسرائيلي إلى قطيعة نهائية بين “حزب الله” من جهة، ورئيسي الحكومة والجمهورية من جهة أخرى، عبر جرّ الحزب بالقوّة إلى وحل الحرب المفتوحة مجدّداً، تجد إسرائيل نفسها قادرة على تصوير الدولة اللبنانية كياناً ضعيفاً وعاجزاً، ما يبرّر لها مزيداً من التدخّل العسكري، ويعزّز موقعها أمام المجتمع الدولي، بالإضافة إلى دفعها بقوّة أكبر باتجاه فرض المزيد من العقوبات المالية على لبنان. 

أما في حال تشبَّث الحزب بسلاحه واستمرّ في التصعيد السياسي داخلياً، وبإطلاق حملات “الصهينة” ضدّ نوّاف سلام وحكومته، فذلك يعطي إسرائيل المبرّر الدائم لاستمرار عمليّاتها، وفرض شروط أشدّ قسوة على الدولة اللبنانية أيضاً. 

وكأن إسرائيل في الحالين تضع مسدّساً في رأس الدولة اللبنانية، ومسدّساً آخر في يدها، فارضةً عليها إطلاق النار على رأس “حزب الله”، إلا أن المفارقة أن المسدّس الذي تحمله الدولة اللبنانية، رصاصاته مزيّفة، والحزب ينتظر لحظة الضغط على الزناد ليلتفت إلى الوراء، ويضحك، ثم يبادر بنحر عنق الدولة، لتُرديه إسرائيل بعد ذلك قتيلاً.

هذا التداخل يضع حكومة نوّاف سلام فعلياً في موقف بالغ الحرج، إذ تجد نفسها بين مطرقة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وسندان قوّة “حزب الله” التي يصعب ضبطها داخلياً، أو تحديد أفق واضحٍ بشأنها، بخاصّة بعد تأكيد إيران تدخّلها في عمليّة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، واعتبارها، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، أن قرار حكومة سلام بوضع جدول زمني لحصر سلاح الحزب، وحلّ جميع الميليشيات خارج الدولة قبل نهاية العام الجاري، هو مجرّد إملاءات أميركية عبر المبعوث الأميركي توم برّاك.

لا شكّ في أن الدولة اللبنانية مقيّدة بمعادلات دولية وإقليمية تفرض ضرورة حصرية السلاح بيدها من جهة، ومحرجة أمام جمهور يرى في سلاح الحزب مظلّة حماية في مواجهة العدوان من جهة أخرى، لكن ذلك لا يعني أن قضيّة حصر السلاح بيد الدولة، بحدّ ذاتها، ليست قضيّة وطنية ذات أبعاد خارجية، كما أن قضيّة رفض حصر السلاح بيد الدولة هي قضيّة وطنية ذات أبعاد خارجية أيضاً. ليس هناك من جهة خارجية تُجبِر جزءاً كبيراً من اللبنانيين على المطالبة بنزع سلاح جميع الميليشيات، بل هناك جهات خارجية تؤيّد هذا الجزء من اللبنانيين في مساعيهم لإعادة بناء الدولة على أسس واضحة، حيث تكون الدولة هي صانعة القرار، بدلاً من أن تكون مجرّد مراقب عاجز في صراعات تدور على أرضها.

هذا التأييد الأميركي يبدو في نظر الجمهور المؤيّد لازدواجية السلاح مجرّد إملاءات خارجية، تماماً كما يبدو التأييد الإيراني لـ “حزب الله” في نظر الدولة والجمهور المؤيّد لمساعي حصر السلاح بيدها مجرّد إملاءات خارجية. وفي الحالين، الأمر أكثر تعقيداً بكثير من ذلك. فلا إيران التي تعرّضت لضربات قاسية تفرض على جمهور “حزب الله” التمسّك بنهجه، الذي أصبح يبدو انتحارياً، ولا الولايات المتّحدة تفرض على الجمهور المرتاب من سلاح الحزب التمسّك بنهج حصر السلاح بيد الدولة الذي أصبح يبدو استسلامياً. فلا التمسّك بالسلاح انتحار مطلق يقود إلى استسلام حتمي، ولا حصر السلاح بيد الدولة استسلام مطلق يقود إلى انتحار حتمي. 

لا مطلق في هذه المعادلات، لكنّ الانتحار الذي يقود، في نهاية المطاف، إلى الهزيمة المطلقة والاستسلام، هو السماح للقوى الخارجية بجرّ جميع اللبنانيين إلى الاقتتال الداخلي تحت ضغط التصعيد والتدخّلات اليومية.

أمام هذه الحلقة المفرغة، يصبح البحث عن حلول صعباً جداً في ظلّ استمرار التصعيد الإسرائيلي، الذي يغذّي “حزب الله” سياسياً بدوره، رغم الخسائر المادّية والبشرية التي يتعرّض لها الحزب. ولا خروج من هذه الدوّامة سوى بموقف جريء يتّخذه الحزب نفسه لإنقاذ نفسه أولاً، ولإنقاذ الدولة اللبنانية ثانياً، من الفخّ الإسرائيلي. في هذه الوضعية، ليست الدولة هي التي تستطيع إنقاذ الحزب من مصير مروّع ينتظره، بل الحزب هو الذي يستطيع إنقاذ نفسه والدولة معاً، فسردية التمسّك بالسلاح – الذي فقد معظم جدواه العملية/ العسكرية بمواجهة إسرائيل – تفرضها إسرائيل بقوّة التصعيد العسكري ضدّ الحزب كلما تقدّمت الدولة اللبنانية خطوة في اتجاه إنهاء ازدواجية السلاح.

سلوك إسرائيل لا يهدف إلى إضعاف “حزب الله” حقّاً، بل يهدف إلى منع الدولة اللبنانية من التحوّل إلى قوّة قادرة على استيعاب “حزب الله” داخلياً، لأن ذلك يعني انتهاء ذريعة التصعيد الإسرائيلي، ويعني أيضاً توقّف كلّ المساعي الإسرائيلية لمحاصرة لبنان على المستوى الدولي، سواء من خلال العقوبات الاقتصادية والمالية، أو من خلال تأزيم موقع لبنان دبلوماسياً.

إصرار إسرائيل على مفاقمة وضع الدولة اللبنانية الهشّ وتعميق أزماتها، على الرغم من سعي الدولة المستمرّ لإنهاء الوضع العسكري لـ “حزب الله” – وذلك خدمةً للبنانيين أنفسهم لا لإسرائيل – عبر التفاهم والاحتواء، ليس الهدف منه فرض شروط السلام والتطبيع بالقوّة، بل منع لبنان من أن يكون لديه دولة قادرة على وضع البلد على سكّة التعافي والنهوض. 

فليس من مصلحة إسرائيل أن يتمكّن كلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة من استيعاب حالة “حزب الله” بشكل سلمي، والعمل على حلّ هذا الملفّ بوسائل وأساليب تتفادى الصدام والتقاتل الداخلي. الضغط العسكري الإسرائيلي على “حزب الله” هو في الحقيقة، ضغط على الرئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام، ورهان على تفجير حكومة سلام من داخلها، بحيث يتحوّل الوزراء المرتبطون بالثنائي الشيعي، حركة “أمل” و”حزب الله”، إلى قنابل موقوتة، ويتحوّل “الشارع الشيعي” إلى طرف فاعل في معادلة داخلية متفجّرة.

إقرأوا أيضاً: