فارقتنا جدّتي منذ بضعة أيّام، وأردتُ أن أدوّن ذكرياتي عنها قبل أن أفقدها كذلك. لكنني لا أعرف كيف أُعنون هذه المدوّنات…
ربّما “سجائر جدّتي”؟
لا. كانت لترى العنوان مبتذلًا.
أتخيّلها جالسةً بجانبي وأنا أكتب، تدير عينيها استنكارًا وضجرًا من هذا الاقتراح، قبل أن تنفث سحابةً طويلة وبطيئة من الدخان. لم تكن لتقول شيئًا، لكن نظرتها كانت ستكشف إلى أيّ حدٍّ ترى هذه الفكرة مستهلَكة ومملّة، لا تليق بشخصيّتها الفريدة.
ومع ذلك، فهذه هي الحقيقة: كانت تمسك السيجارة معظم الوقت، أو تُبقي علبة السجائر دائمًا قريبة منها. كانت تحملها برفقٍ بين أصابعها النحيلة المرتعشة قليلًا، وتنفث الدخان ببطءٍ دراماتيكيّ، لتسرق أكبر قدر ممكن من الصمت والهدوء.
لعينيها اللوزيّتين حدودٌ مصقولة إلى حدٍّ بدتا معه كأنّهما ستتلاشيان مع الدخان. عندما كانت تدخّن، كانت تشيح بهما بعيدًا، لتقول لنا إنها شبه غائبة، أو أنّ حقائبها جاهزة… إن أرادت أن تتلاشى كليًا.
كانت شديدة البرود، وتحافظ على مسافة مع الجميع — وهي صفة ورثتها عنها أمي، وورثتها أنا بدوري. كانت هادئة، لكنها تمتلك من خفّة الدم والحنكة ما يكفي ليُقال إنها “مثقلة بالخفة” – إن جاز التعبير.
كانت تتكلّم كثيرًا، لكن لا بالكلمات؛ بل بعينيها، أو بطرف فمها، أو بأصابعها، أو بتسريحة شعرها، أو بفساتينها المنقّطة.
في بيتها وبين عائلتها، كانت تعبّر عن نفسها بطلاقةٍ أكبر. أمّا أمام “الغرباء”، فلم تكن تتكلّم كثيرًا، كأنّها لا تريد تجاوز نصّها المقتضب، حرصًا على مغادرة مسرح الاجتماعيات بأسرع وقت.
كان الناس يقولون: “ليست من هنا”. وكانوا على حق.
جاءت من مكانٍ بعيد، وبقيت بعيدة نوعًا ما. كانت معلّمة لغة عربية، محبّة للأدب بشدة. في علّيتها كومة من الكتب جمعتها على مرّ السنين. وكانت أمي تصعد، وهي طفلة، لتقرأها إلى جوار كيسٍ كبير من الزعتر معلّق في السقف، يفوح عبيره في ممرّات الدار.
لطالما حدّثتني جدّتي وأمي عن أراضٍ بعيدة، ومناظر غريبة، وطرقاتٍ ملتوية وطويلة تختلف عن تلك التي نشأتُ حولها – بعضها متخيَّل، وبعضها الآخر حقيقي. ورثتُ هذه الصور من دون وعي، ورعيتُها وسقيتُها بدوري: البحر الأزرق الذي لم تكفّا عن الحديث عنه، الرمل الأبيض الذي كانتا تصطحبانني للعب فيه – لكن للأسف، لا أتذكّر منه شيئًا – والجبال الخضراء الطافية في ضبابٍ خفيف.
حين نزلت جدّتي من تلك الحافلة القادمة من اللاذقية إلى لبنان ذات يوم، لم تتوقّع أن تلتقي زوجها المستقبلي هناك. لكن هذا ما حدث.
تعرّفت إلى جدّي في الباص. سرعان ما أحبّا بعضهما وتزوّجا. انتقلت إلى لبنان، وبعده إلى أوديسا لفترة.
ويا للعجب: المدن الثلاث – اللاذقية، بيروت، وأوديسا – كانت كلّها تحت النيران في السنوات الماضية… كأنّها كانت تعلم أنّ تلك المشاهد ستبهت، مثل أطراف عينيها، في الدخان.
وكأنّ النار كانت تلاحقها دائمًاً:
نارُ بنادق الإرهابيّين في الحرب الأهليّة حين اقتحموا شقّة جدّي وصوّبوا بندقيّة إلى صدره قبل أن يسرقوا المكان.
ونارُ اللهيب الذي التهم شقّتهم في بيروت بعد الانفجارات المتلاحقة.
ونارُ الاشتباكات في اللاذقية التي خرقت بيت طفولتها وألحقت أضراراً به.
استنشقت جدّتي كلّ ذلك الدخان… وزفَرَته ببطء.
لكن، إن كانت تاتا نارًا ودخانًا، فإنّ جدّو كان ضوء قمرٍ دافئًا.
كان رجلًا شغوفًا، شاعرًا حسّاسًا، ومعلّمَ رياضياتٍ فطنًا. يُحبّ جدّتي كثيرًا. وكان هو الآخر يتحدّث كأنّه جاء من عالمٍ بعيد أيضًا.
كان يردّد حكاية قصيرة عن الأرنب الذي يعيش على القمر؛ ذلك الأرنب السحريّ الذي يترك لنا الهدايا، يملأ خزائن المطبخ بالحلوى، ويضع النقود على المنضدة قرب السرير.
بعدما تعرّضا للسرقة، عوّض الأرنب السحريّ ما فُقِد.
وبعدما احترقت الشقّة، أعاد بناء كلّ شيء من جديد.
حرص جدّو على أن تبتسم تاتا دائمًا. فإذا تشاجرا، أنهى الخلاف بنكتة أو تعليق يرفع طرفَي شفتيها.
كان الناس يكرّرون قولهم: “ليست من هنا”، فكان يغمرها بمزيد من السحر والدفء.
كان يتلو الشعر وهو يرتشف قهوته، يستقبل الضيوف بحرارة، ويلعب معهم الشطرنج أو الطاولة بحماسة.
وفي الصيف، كان يصحبنا إلى بيوت أصدقائه القدامى، الذين يعودون من الاغتراب ليعتنوا بحدائقهم الجميلة.
في زمنٍ نزايد فيه على “أهميّة الاستقلال” و”تفضيل الذات”، نميل إلى نسيان عمق الرفقة، وأهمية التنازل للحفاظ على الوصل، ودفء الزواج.
جدّتي، التي كانت دائماً على وشك أن تتلاشى، كان زوجها يعشقها. وهي، كانت تعشقه.
وحين فارقنا جدّي، حملت حقائبها ورحلت معه.
ظلّت هنا جسدًا، ولم تعد ابتسامتها كما كانت.
“الجميع يعرف أنّه سيموت، لكنّ أحدًا لا يصدّق ذلك”،
قال مورِي لميتش بينما كان يحتضر ببطء من مرض التصلُّب الجانبيّ الضموري، في كتاب أيام الثلاثاء مع مورِي.
كنتُ أقرأه حين اتصلت بي أمي لتخبرني بوفاة جدّتي.
كنتُ أعرف أنها ستموت. فقد ظلّت في غيبوبة لأشهر، تكافح لتملأ رئتيها هواءً، ولتفتح عينيها، فضلًا عن تحريك إصبع أو رسم ابتسامة.
آخر مرة رأيتها في المستشفى، كان جلدها لا يزال مشدودًا بفعل الزيوت والدهون التي دلّكت بها نفسها سنوات طويلة.
وخصلات شعرها الأشقر، التي اعتادت العناية بها، استقرّت على الوسادة مثقلةً بالعرق، فاقدةً حيويّتها وقدرتها على تحدّي الجاذبيّة، والالتفاف بمرح… بسبب المرض.
جلست ساكنة على سرير المشفى، فارتعبت. إذ لم تجلس ساكنة يومًا في حياتها.
وعندما ودّعتها، بعد أن لفّوها في كفنها، لم أجرؤ على لمسها، فضلًا عن النظر في وجهها.
وقفتُ بعيدًا، أتفحّص بعمق أيَّ أثرٍ لروحها. ربّما لو ركّزتُ بما يكفي، لرأيتُ شيئًا. أو شممتُ شيئًا. أو التقطتُ آخر نفثات سجائرها…
لكن لا. لم يكن هناك شيء.
إقرأوا أيضاً:









