ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

جرعة واحدة من طرطوس لا تكفي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليست طرطوس مدينة يمكن أن تكون فيها وحيداً بسهولة. ليس لأنها مزدحمة، بل لأنها تسحبك إلى إيقاعها الخاص، هناك دائماً شعور بأنك جزء من مشهد أكبر منك، حتى لو كنت مجرد عابر. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أنا جبلاوي متعصّب لمدينته، ولم تكن طرطوس تشكل في ذاكرتي أو وعيي شيئاً يُذكر. العداء الأزلي القائم ولو على سبيل المزاح بين جبلة وطرطوس، لا يمر مرور الكرام في وعي أبناء هاتين المدينتين. لا وجود لقصة واضحة حول سبب هذا العداء، أو رواية موحّدة، كل طرف لديه أسباب غير منطقية!

قد يكون مردّ “العداء” التاريخي إلى اتخاذ فرسان الهيكل من طرطوس مكاناً ليبنوا كنيستهم، أو لأن هواش خير بيك اتخذ من صافيتا معقلاً له، أو ربما بسبب التمرد الدائم الذي كانت تقوم به جبلة ضد محتلّيها، ولإبعاد الشبهة، نعم خرجت تظاهرات في جبلة ضد بشار الأسد!

في إحدى السهرات الموسيقية التي حضرتها في طرطوس أخيراً، تشرع فتاتان بالعزف على آلات موسيقية عدة، وتغنيان أغانيَ من مختلف الجغرافيا السورية، وهنا سألت هل يمكن لسهرة واحدة في زقاق ضمن حي من أحياء طرطوس أن تشعرني بانتماء كبير الى سوريا؟ أو الى مدينة تشبه سوريا التي نحلم بها وقد لا تكون؟

المتحف الوطني في طرطوس: تصوير فرح الشيخ

ليست طرطوس مدينة يمكن أن تكون فيها وحيداً بسهولة. ليس لأنها مزدحمة، بل لأنها تسحبك إلى إيقاعها الخاص، هناك دائماً شعور بأنك جزء من مشهد أكبر منك، حتى لو كنت مجرد عابر. 

سوريا داخل أغنية

بدأ التجهيز للحفل قبل ساعات من وقته، تنظم الفتاتان الآلات الموسيقية وعدة الصوت، أما صاحب المكان الذي ستقام فيه الحفلة فيجهز الكراسي والطاولات فيما الجمهور بدأ بالتوافد. مشهد غريب قد يبدو مسروقاً من مشاهد الحزن اليومية في سوريا، لا أصف المشهد لأقول هذه سوريا وأتحدث عن مظاهر إيجابية، لكن تحت طبقات الموت والركام هنالك أشخاص يرغبون في العيش وتحدّي الموت، وهذا أسلوبهم في ذلك. لن يكون كل الشعب كاتباً أو صحافياً أو موثقاً للانتهاكات، هنالك من يعمر البلاد ويحييها بالموسيقى والفرح، وهذا إعمار للروح.

خلال الحفلة، انسجمت مع الأغاني التي غنتها الفتاتان، لكن بعدها شرعت أفكر كيف كانت الأغاني تحكي عن سوريا. بالتأكيد لم تكن كل الأغاني سورية، ولكنها مرتبطة بالذاكرة السورية، من أغنية “هلي يا سنابل” مروراً بأغنية “ضيعة ضايعة”، لتصدح بعدها أغاني فؤاد فقرو. 

الصورة:فرح الشيخ

عندما غنت الفتاتان “شيد قصورك”، لم أدرِ إن كان ذلك تعبيراً عن واقع أسدي عشناه سابقاً أم رفضاً لتكراره مجدداً. انقطعت الكهرباء وحصل عطل تقني في الحفل، فلم يقبل الجمهور التوقف، بل استمر في الغناء مشاركاً المغنيتين الأغاني. وما إن بدأت أغنية “علي الكوفية” حتى تحرك كل الجمهور من كل الأعمار. لم أدرِ إن كان ذلك بسبب إيقاع الأغنية الحماسي، أم بسبب ارتباطها بفلسطين والوجدان القومي الذي نشأنا عليه!!

الأكيد أن “من مفرق جاسم للصنمين” غناها الحضور بمشاعر حزن وفرح، حتى أن أغنية “إنتو من الجرد واحنا من الساحل” حركت الأجواء كلها، وبعد كل هذه التوليفة الموسيقية، غنت الفتاتان أغاني كرتونية عدة من طفولتنا، وعندما وصلتا الى أغنية روبن هود، ضحكت وتساءلت في نفسي: “من يكون روبن هود سوريا اليوم؟”.

 مدينة بلا هوية… أم اسفنجة الهويات؟ 

أخبرني أشخاص من طرطوس أنهم يرون المدينة من دون هوية واضحة أو شيء مميز فيها، في حين يرى آخرون أن ما يميز هذه المدينة هو هوياتها المتعددة. شخصياً، أجد أن المدينة تحمل فعلاً هويات متعددة، متشابهة، متناقضة، وغريبة عن بعضها. قد يكون السبب الرئيسي في ذلك أن أبناءها يعملون في البحر، يسافرون ويجولون مدن العالم كلها، يكتسبون منها الكثير وينقلون لمدينتهم ما تعرفوا عليه وما عاشوه من عادات وقصص.

الصورة: فرح الشيخ

في زيارتي الأخيرة، مررت من “قهوة الساحة” التي أخبرني عنها أحد أصدقائي، وكما قال لي رفيقي لاحظت أن روادها بحارة متقاعدون، يدعى قسم كبير منهم بـ”الحجي”، دلالة على قيامهم بالحج بعد سنين الإبحار الطويلة. تسمع ضمن هذه القهوة حكايا وقصصاً، بعضها حقيقي وبعضها الآخر من وحي الخيال، إضافة الى بعض المغامرات العاطفية التي لا تخلو من غمز ولمز.

احتضنت هذه المدينة خلال سنين الحرب السورية، سوريين كثراً، (وككل المدن السورية خرج منها مجرمون)، ويبدو أن هذا الفعل ليس جديداً، فعلى مر العصور قدمت طرطوس الكثير من الهجرات التي استقرت فيها لزمن وتركت بصمتها الخاصة، من كنيسة فرسان الهيكل الى كاتدرائية مريم العذراء، التي أصبحت لاحقاً المتحف الوطني في طرطوس.

ربما طرطوس ليست مدينة بلا هوية، بل مدينة تبتلع هويات كثيرة من دون أن تفقد نفسها. أو قد تكون مدينة لا تحتاج الى أن تثبت شيئاً. فيها نوع من التواضع العفوي الذي ينعكس في كل شيء: في القهاوي القديمة، في الزوايا الصغيرة، في السهرات التي لا تبحث عن جمهور كبير. لا أحد هنا يحاول أن يبدو أكبر مما هو عليه. حتى الفرح يبدو بسيطاً، غير متكلّف، وكأنه لا يريد أن يلفت الانتباه. وهذا التواضع ليس نقصاً، بل أسلوب حياة كامل.

أغرب ما رأيته كان مشهد كزدورة السيارات، سيارات تمشي بسرعة بطيئة جداً ووراءها رتل من السيارات تمشي بالسرعة نفسها من دون أي اعتراض من أحد، ويوجد رتل آخر إلى يسارها يمشي بسرعة اعتيادية، هنا حتى للتمشية والكزدورة بالسيارة قواعدها المرورية الخاصة، وكأن البحر ألقى على السكان شيئاً من كسله المتوسطي.

المدينة التي تمتص الجميل والقبيح معاً

لم أتفحص طرطوس هذه المرة كمتأثر بأغنية نصري شمس الدين “وقفلي خليني بوس شبابيك الحلوة بطرطوس” ولا كجبلاوي يزور مدينة اعتاد أن يسمع قصصاً عن عداء معها، لكن كشخص يريد أن يشاهد المتناقضات ضمن هذه المدينة التي صنعتها، مدينة تلاصق البحر ككل المدن الساحلية في سوريا لكنها لا تشبهها بشيء، فأهل جبلة واللاذقية يُعرفون بسرعة غضبهم وهياجهم كالبحر في “النو” كما يقول الصيادون، لكن طرطوس هادئة، وادعة، سكانها “رايقين” كما نقول بالعامية.

أثار انتباهي منظر المدينة القديمة، بيوت تتكئ على بعضها، ولكنها في الوقت نفسه قائمة على كتلة من الآثار القديمة، منسية منذ العهد السابق ومهملة، وتشعر فيها باستباحة المكان، تستغرب كيف يعيش أشخاص بين الآثار. لحظة دخولي الى مكان كنيسة فرسان الهيكل، تهيأ الى ذهني سؤال واحد: ألا يخاف السكان هنا أن تستيقظ الأشباح في الليل، أم أنهم تعايشوا  سوياً كما تعايشنا في سوريا سنوات طويلة مع القتلة والموت؟

المدينة القديمة حيث تظهر كنيسة فرسان الهيكل (صور من الانترنت)

استمريت بالمشي بين دهاليز هذه المدينة القديمة مستغرباً ومعجباً، حتى حين خرجت منها ظهرت أمامي كتلة إسمنتية بالغة البشاعة تحجب منظر البحر؛ ألا وهي منتجع بُني سابقاً في عهد النظام السابق. لكن ما ينسيك مباشرة هذه البشاعة هو أنك تشاهد البحر مباشرة بعدما تشيح بنظرك قليلاً إلى اليسار لتشاهد جمال المتوسط.

أكملتُ المشي على امتداد الكورنيش، لكن فجأة وقعت عيناي على ما هو أبشع من الكتلة الإسمنتية الواقعة مقابل المدينة القديمة. مبنى الحزب القديم ما زال ببشاعته وشكله المثير لذكريات سيئة في تاريخ أهالي طرطوس ووجدانهم، لكنه ما زال موجوداً كأثر بصري لذاكرة لا تزال موجودة، وهنا ما قد يفسّر التناقضات الكثيرة التي تحملها طرطوس، فالإسفنجة لا تختار دائماً ما تمتصّه. 

الصورة: مبنى حزب البعث القديم (تصوير ابراهيم زرقة)

غالباً، تفرض المدن هويتها على القادمين إليها، أما طرطوس فبدت كمدينة تسمح للأشياء بأن تتراكم فيها طبقة فوق طبقة. ولهذا ربما يصعب تعريفها، ولا يمكن قراءتها كطبقة واحدة، بل كطبقات متراكمة فوق بعضها. تحتها آثار، وفوق الآثار بيوت، وفوق البيوت ذكريات، وفوق الذكريات حياة يومية جديدة. كأن المدينة لا تمسح ما قبلها، بل تضيف إليه من دون توقف. حتى تاريخها يبدو كأنه لا ينتهي، بل تُعاد كتابته فوق نفسه باستمرار، بدون أن يُلغى أي شيء بالكامل.

وربما لهذا السبب لم أستطع أن أقرر إن كانت مدينة بحرية أم مدينة ريفية كبرت على مهل. فكل تعريف بدا ناقصاً أمام مدينة اعتادت أن تضيف طبقة جديدة من دون أن تتخلى عما قبلها.

على الكورنيش البحري يوجد كولبات عدة، لكنْ هناك اثنتان بجانب بعضهما، واحدة تعج بالزبائن والأخرى تكاد تخلو من أي زائر. أخبرني أحد الأصدقاء أن سبب الفراغ يعود الى مقطع فيديو انتشر لصاحب المكان في آذار/ مارس الماضي. لا أعرف إن كان ذلك صحيحاً أو إن كانت هنالك مقاطعة فعلية، لكن المفارقة بين المكانين كانت لافتة.

وبينما كنت أتابع المشي على الكورنيش، كانت أرواد تظهر في الأفق كأنها جزء من المشهد اليومي، على الرغم من أنها تحمل من الأساطير أكثر مما تحمل بعض المدن من التاريخ. وتروي أسطورة أن عاشقين فرقت بينهما حوريات البحر فاستنجدت الفتاة بإله البحر ليعيد إليها حبيبها، فصنع لها ملاذاً آمناً يسكناه سوياً، فكانت جزيرة أرواد.

الصورة: فرح الشيخ

أما أسطورة أخرى فتقول إن “أرواد” كانت ابنة للإله بعل فتركته وهربت الى يم (إله البحر)، وارتمت في أحضانه مؤثرة البقاء عنده إلى الأبد، وما زال أبوها (بعل) يناديها إليه ولم تجب.

في منتصف الكورنيش يوجد مكسر حجري، لا أعرف متى أنشئ، في نهايته صيادون يمارسون هوايتهم بصيد السمك، وينتظرون أن تعلق سمكة بصنارتهم، هذا الصبر الذي يملكه سكان المدن البحرية. ومن بعيد تلوح السفن الصغيرة تقطع البحر من الميناء الى أرواد، ورائحة البحر لم تزكم أنفي لأنها أوكسجيني.

الصورة  فرح الشيخ

وعلى الرغم من هذا الهدوء الممتد على المكسر، تجد في الكورنيش نفسه أو في مقاه محاذية نبضاً آخر يقوده جيل Z، وجدته هنا مختلفاً. ليس كما أتخيلهم في مدن أخرى. هنا، لا يبدو أنهم يعرفون لليأس عنواناً. يخلقون عملاً، وأجواءً، وسهرات، وأماكن صغيرة من تحت الركام. ليس عبر الشعارات، بل بالوجود فقط. وكأنهم تكيفوا على الحياة بسرعة تليق بمن كبروا وسط الحرب.

لم تكن طرطوس ما اكتشفته في المدينة، بل الطريقة التي اضطررت أن أراها بها: مدينة لا تصرخ بهويتها، ولا تحاول إقناعك بشيء، لكنها تتراكم أمامك بصمت حتى تصعب عليك مقارنتها بأي مدينة أخرى.
قد لا تملك طرطوس شيئاً لا يوجد في غيرها من مدن الساحل، لكن ما يختلف هو الإيقاع. كل شيء هنا يبدو أقل استعجالاً، أقل رغبة في أن يُعرّف نفسه، كأن المدينة قررت منذ وقت طويل أن تعيش من دون أن تشرح حياتها لأحد.

غادرت طرطوس بأسئلة أكثر مما جئت به، لكنني غادرتها أيضاً بانطباع واحد واضح: ليست مدينة تحاول أن تُعجبك، بل مدينة تتركك تكتشفها على مهل!

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
23.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

ليست طرطوس مدينة يمكن أن تكون فيها وحيداً بسهولة. ليس لأنها مزدحمة، بل لأنها تسحبك إلى إيقاعها الخاص، هناك دائماً شعور بأنك جزء من مشهد أكبر منك، حتى لو كنت مجرد عابر. 


أنا جبلاوي متعصّب لمدينته، ولم تكن طرطوس تشكل في ذاكرتي أو وعيي شيئاً يُذكر. العداء الأزلي القائم ولو على سبيل المزاح بين جبلة وطرطوس، لا يمر مرور الكرام في وعي أبناء هاتين المدينتين. لا وجود لقصة واضحة حول سبب هذا العداء، أو رواية موحّدة، كل طرف لديه أسباب غير منطقية!

قد يكون مردّ “العداء” التاريخي إلى اتخاذ فرسان الهيكل من طرطوس مكاناً ليبنوا كنيستهم، أو لأن هواش خير بيك اتخذ من صافيتا معقلاً له، أو ربما بسبب التمرد الدائم الذي كانت تقوم به جبلة ضد محتلّيها، ولإبعاد الشبهة، نعم خرجت تظاهرات في جبلة ضد بشار الأسد!

في إحدى السهرات الموسيقية التي حضرتها في طرطوس أخيراً، تشرع فتاتان بالعزف على آلات موسيقية عدة، وتغنيان أغانيَ من مختلف الجغرافيا السورية، وهنا سألت هل يمكن لسهرة واحدة في زقاق ضمن حي من أحياء طرطوس أن تشعرني بانتماء كبير الى سوريا؟ أو الى مدينة تشبه سوريا التي نحلم بها وقد لا تكون؟

المتحف الوطني في طرطوس: تصوير فرح الشيخ

ليست طرطوس مدينة يمكن أن تكون فيها وحيداً بسهولة. ليس لأنها مزدحمة، بل لأنها تسحبك إلى إيقاعها الخاص، هناك دائماً شعور بأنك جزء من مشهد أكبر منك، حتى لو كنت مجرد عابر. 

سوريا داخل أغنية

بدأ التجهيز للحفل قبل ساعات من وقته، تنظم الفتاتان الآلات الموسيقية وعدة الصوت، أما صاحب المكان الذي ستقام فيه الحفلة فيجهز الكراسي والطاولات فيما الجمهور بدأ بالتوافد. مشهد غريب قد يبدو مسروقاً من مشاهد الحزن اليومية في سوريا، لا أصف المشهد لأقول هذه سوريا وأتحدث عن مظاهر إيجابية، لكن تحت طبقات الموت والركام هنالك أشخاص يرغبون في العيش وتحدّي الموت، وهذا أسلوبهم في ذلك. لن يكون كل الشعب كاتباً أو صحافياً أو موثقاً للانتهاكات، هنالك من يعمر البلاد ويحييها بالموسيقى والفرح، وهذا إعمار للروح.

خلال الحفلة، انسجمت مع الأغاني التي غنتها الفتاتان، لكن بعدها شرعت أفكر كيف كانت الأغاني تحكي عن سوريا. بالتأكيد لم تكن كل الأغاني سورية، ولكنها مرتبطة بالذاكرة السورية، من أغنية “هلي يا سنابل” مروراً بأغنية “ضيعة ضايعة”، لتصدح بعدها أغاني فؤاد فقرو. 

الصورة:فرح الشيخ

عندما غنت الفتاتان “شيد قصورك”، لم أدرِ إن كان ذلك تعبيراً عن واقع أسدي عشناه سابقاً أم رفضاً لتكراره مجدداً. انقطعت الكهرباء وحصل عطل تقني في الحفل، فلم يقبل الجمهور التوقف، بل استمر في الغناء مشاركاً المغنيتين الأغاني. وما إن بدأت أغنية “علي الكوفية” حتى تحرك كل الجمهور من كل الأعمار. لم أدرِ إن كان ذلك بسبب إيقاع الأغنية الحماسي، أم بسبب ارتباطها بفلسطين والوجدان القومي الذي نشأنا عليه!!

الأكيد أن “من مفرق جاسم للصنمين” غناها الحضور بمشاعر حزن وفرح، حتى أن أغنية “إنتو من الجرد واحنا من الساحل” حركت الأجواء كلها، وبعد كل هذه التوليفة الموسيقية، غنت الفتاتان أغاني كرتونية عدة من طفولتنا، وعندما وصلتا الى أغنية روبن هود، ضحكت وتساءلت في نفسي: “من يكون روبن هود سوريا اليوم؟”.

 مدينة بلا هوية… أم اسفنجة الهويات؟ 

أخبرني أشخاص من طرطوس أنهم يرون المدينة من دون هوية واضحة أو شيء مميز فيها، في حين يرى آخرون أن ما يميز هذه المدينة هو هوياتها المتعددة. شخصياً، أجد أن المدينة تحمل فعلاً هويات متعددة، متشابهة، متناقضة، وغريبة عن بعضها. قد يكون السبب الرئيسي في ذلك أن أبناءها يعملون في البحر، يسافرون ويجولون مدن العالم كلها، يكتسبون منها الكثير وينقلون لمدينتهم ما تعرفوا عليه وما عاشوه من عادات وقصص.

الصورة: فرح الشيخ

في زيارتي الأخيرة، مررت من “قهوة الساحة” التي أخبرني عنها أحد أصدقائي، وكما قال لي رفيقي لاحظت أن روادها بحارة متقاعدون، يدعى قسم كبير منهم بـ”الحجي”، دلالة على قيامهم بالحج بعد سنين الإبحار الطويلة. تسمع ضمن هذه القهوة حكايا وقصصاً، بعضها حقيقي وبعضها الآخر من وحي الخيال، إضافة الى بعض المغامرات العاطفية التي لا تخلو من غمز ولمز.

احتضنت هذه المدينة خلال سنين الحرب السورية، سوريين كثراً، (وككل المدن السورية خرج منها مجرمون)، ويبدو أن هذا الفعل ليس جديداً، فعلى مر العصور قدمت طرطوس الكثير من الهجرات التي استقرت فيها لزمن وتركت بصمتها الخاصة، من كنيسة فرسان الهيكل الى كاتدرائية مريم العذراء، التي أصبحت لاحقاً المتحف الوطني في طرطوس.

ربما طرطوس ليست مدينة بلا هوية، بل مدينة تبتلع هويات كثيرة من دون أن تفقد نفسها. أو قد تكون مدينة لا تحتاج الى أن تثبت شيئاً. فيها نوع من التواضع العفوي الذي ينعكس في كل شيء: في القهاوي القديمة، في الزوايا الصغيرة، في السهرات التي لا تبحث عن جمهور كبير. لا أحد هنا يحاول أن يبدو أكبر مما هو عليه. حتى الفرح يبدو بسيطاً، غير متكلّف، وكأنه لا يريد أن يلفت الانتباه. وهذا التواضع ليس نقصاً، بل أسلوب حياة كامل.

أغرب ما رأيته كان مشهد كزدورة السيارات، سيارات تمشي بسرعة بطيئة جداً ووراءها رتل من السيارات تمشي بالسرعة نفسها من دون أي اعتراض من أحد، ويوجد رتل آخر إلى يسارها يمشي بسرعة اعتيادية، هنا حتى للتمشية والكزدورة بالسيارة قواعدها المرورية الخاصة، وكأن البحر ألقى على السكان شيئاً من كسله المتوسطي.

المدينة التي تمتص الجميل والقبيح معاً

لم أتفحص طرطوس هذه المرة كمتأثر بأغنية نصري شمس الدين “وقفلي خليني بوس شبابيك الحلوة بطرطوس” ولا كجبلاوي يزور مدينة اعتاد أن يسمع قصصاً عن عداء معها، لكن كشخص يريد أن يشاهد المتناقضات ضمن هذه المدينة التي صنعتها، مدينة تلاصق البحر ككل المدن الساحلية في سوريا لكنها لا تشبهها بشيء، فأهل جبلة واللاذقية يُعرفون بسرعة غضبهم وهياجهم كالبحر في “النو” كما يقول الصيادون، لكن طرطوس هادئة، وادعة، سكانها “رايقين” كما نقول بالعامية.

أثار انتباهي منظر المدينة القديمة، بيوت تتكئ على بعضها، ولكنها في الوقت نفسه قائمة على كتلة من الآثار القديمة، منسية منذ العهد السابق ومهملة، وتشعر فيها باستباحة المكان، تستغرب كيف يعيش أشخاص بين الآثار. لحظة دخولي الى مكان كنيسة فرسان الهيكل، تهيأ الى ذهني سؤال واحد: ألا يخاف السكان هنا أن تستيقظ الأشباح في الليل، أم أنهم تعايشوا  سوياً كما تعايشنا في سوريا سنوات طويلة مع القتلة والموت؟

المدينة القديمة حيث تظهر كنيسة فرسان الهيكل (صور من الانترنت)

استمريت بالمشي بين دهاليز هذه المدينة القديمة مستغرباً ومعجباً، حتى حين خرجت منها ظهرت أمامي كتلة إسمنتية بالغة البشاعة تحجب منظر البحر؛ ألا وهي منتجع بُني سابقاً في عهد النظام السابق. لكن ما ينسيك مباشرة هذه البشاعة هو أنك تشاهد البحر مباشرة بعدما تشيح بنظرك قليلاً إلى اليسار لتشاهد جمال المتوسط.

أكملتُ المشي على امتداد الكورنيش، لكن فجأة وقعت عيناي على ما هو أبشع من الكتلة الإسمنتية الواقعة مقابل المدينة القديمة. مبنى الحزب القديم ما زال ببشاعته وشكله المثير لذكريات سيئة في تاريخ أهالي طرطوس ووجدانهم، لكنه ما زال موجوداً كأثر بصري لذاكرة لا تزال موجودة، وهنا ما قد يفسّر التناقضات الكثيرة التي تحملها طرطوس، فالإسفنجة لا تختار دائماً ما تمتصّه. 

الصورة: مبنى حزب البعث القديم (تصوير ابراهيم زرقة)

غالباً، تفرض المدن هويتها على القادمين إليها، أما طرطوس فبدت كمدينة تسمح للأشياء بأن تتراكم فيها طبقة فوق طبقة. ولهذا ربما يصعب تعريفها، ولا يمكن قراءتها كطبقة واحدة، بل كطبقات متراكمة فوق بعضها. تحتها آثار، وفوق الآثار بيوت، وفوق البيوت ذكريات، وفوق الذكريات حياة يومية جديدة. كأن المدينة لا تمسح ما قبلها، بل تضيف إليه من دون توقف. حتى تاريخها يبدو كأنه لا ينتهي، بل تُعاد كتابته فوق نفسه باستمرار، بدون أن يُلغى أي شيء بالكامل.

وربما لهذا السبب لم أستطع أن أقرر إن كانت مدينة بحرية أم مدينة ريفية كبرت على مهل. فكل تعريف بدا ناقصاً أمام مدينة اعتادت أن تضيف طبقة جديدة من دون أن تتخلى عما قبلها.

على الكورنيش البحري يوجد كولبات عدة، لكنْ هناك اثنتان بجانب بعضهما، واحدة تعج بالزبائن والأخرى تكاد تخلو من أي زائر. أخبرني أحد الأصدقاء أن سبب الفراغ يعود الى مقطع فيديو انتشر لصاحب المكان في آذار/ مارس الماضي. لا أعرف إن كان ذلك صحيحاً أو إن كانت هنالك مقاطعة فعلية، لكن المفارقة بين المكانين كانت لافتة.

وبينما كنت أتابع المشي على الكورنيش، كانت أرواد تظهر في الأفق كأنها جزء من المشهد اليومي، على الرغم من أنها تحمل من الأساطير أكثر مما تحمل بعض المدن من التاريخ. وتروي أسطورة أن عاشقين فرقت بينهما حوريات البحر فاستنجدت الفتاة بإله البحر ليعيد إليها حبيبها، فصنع لها ملاذاً آمناً يسكناه سوياً، فكانت جزيرة أرواد.

الصورة: فرح الشيخ

أما أسطورة أخرى فتقول إن “أرواد” كانت ابنة للإله بعل فتركته وهربت الى يم (إله البحر)، وارتمت في أحضانه مؤثرة البقاء عنده إلى الأبد، وما زال أبوها (بعل) يناديها إليه ولم تجب.

في منتصف الكورنيش يوجد مكسر حجري، لا أعرف متى أنشئ، في نهايته صيادون يمارسون هوايتهم بصيد السمك، وينتظرون أن تعلق سمكة بصنارتهم، هذا الصبر الذي يملكه سكان المدن البحرية. ومن بعيد تلوح السفن الصغيرة تقطع البحر من الميناء الى أرواد، ورائحة البحر لم تزكم أنفي لأنها أوكسجيني.

الصورة  فرح الشيخ

وعلى الرغم من هذا الهدوء الممتد على المكسر، تجد في الكورنيش نفسه أو في مقاه محاذية نبضاً آخر يقوده جيل Z، وجدته هنا مختلفاً. ليس كما أتخيلهم في مدن أخرى. هنا، لا يبدو أنهم يعرفون لليأس عنواناً. يخلقون عملاً، وأجواءً، وسهرات، وأماكن صغيرة من تحت الركام. ليس عبر الشعارات، بل بالوجود فقط. وكأنهم تكيفوا على الحياة بسرعة تليق بمن كبروا وسط الحرب.

لم تكن طرطوس ما اكتشفته في المدينة، بل الطريقة التي اضطررت أن أراها بها: مدينة لا تصرخ بهويتها، ولا تحاول إقناعك بشيء، لكنها تتراكم أمامك بصمت حتى تصعب عليك مقارنتها بأي مدينة أخرى.
قد لا تملك طرطوس شيئاً لا يوجد في غيرها من مدن الساحل، لكن ما يختلف هو الإيقاع. كل شيء هنا يبدو أقل استعجالاً، أقل رغبة في أن يُعرّف نفسه، كأن المدينة قررت منذ وقت طويل أن تعيش من دون أن تشرح حياتها لأحد.

غادرت طرطوس بأسئلة أكثر مما جئت به، لكنني غادرتها أيضاً بانطباع واحد واضح: ليست مدينة تحاول أن تُعجبك، بل مدينة تتركك تكتشفها على مهل!

23.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية