“أمي لو ماتت جثمانها هيروح مصر، وهصلي عليها في مسجد عمر مكرم، حتى لو بطولي وبيادات ودبابير العالم مش هتوقفني“، كتبت سناء سيف التي تتابع هي وعائلتها كيف يذوي جسد والدتها.
لا يمكن تجاهل شبح الموت الذي يقترب الآن من ليلي سويف – الدكتورة الجامعية ووالدة الناشط السياسي المعتقل علاء عبد الفتاح- مع تبدّل حالتها الصحية الى الأسوأ.
لا يُخفِي كثيرون مخاوفهم من وفاتها الوشيكة، إذا استمرت في إضرابها عن الطعام، ليتحول التضامن معها إلى بيانات تناشد وخطابات تحاول الوصول الى يد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، من أمام قصر عابدين، في محاولة لإبعاد شبح الموت الذي يحدق بنافذتها في مستشفى سانت توماس، بوسط لندن.
سناء سيف قالت في مؤتمر صحافي من أمام المستشفى إن احتمالية فقدان ليلى سويف باتت وشيكة وبقاءها على قيد الحياة حتى الآن يشبه المعجزة، كل مؤشرات الضغط والسكر ودرجة حرارتها في انخفاض، وهي ترفض الغلوكوز وترغب في الاستمرار في إضرابها عن الطعام حتى الإفراج عن ابنها الناشط والمعتقل السياسي علاء عبد الفتاح.
حتى تاريخ اليوم، تكون الدكتورة ليلى سويف قد أمضت 246 يوماً في إضرابها عن الطعام، الذي بدأته في أيلول/ سبتمبر العام الماضي، احتجاجاً على استمرار حبس نجلها، الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، برغم انقضاء مدة عقوبته القانونية في ذلك التاريخ، كما بدأ علاء عبد الفتاح إضرابه الحالي عن الطعام في 10 آذار/ مارس هذا العام. وبتاريخ اليوم، يكون قد أمضى 84 يوماً متواصلة في الإضراب، تضامناً مع والدته، الدكتورة ليلى سويف، واستمراراً لاحتجاجه على ظروف احتجازه برغم انقضاء مدة عقوبته القانونية منذ أيلول/ سبتمبر 2024.
الجسد ساحة احتجاج حتى لو منعوا التظاهر
“مقدرش اتراجع لأني في الآخر أنا بشتري حياة ولادي. الوضع اللي فيه أولادي ده لازم يخلص، حتى ولو كان تمنه حياتي”.
ليلى سويف تُحيل جسدها إلى مساحة احتجاج، من دون استعراض، ومن دون استجداء للبطولة، هي لا تتحدث بصوت أم فقط، بل بصوت مواطنة تعرف جيدًا معنى الحق والعدالة، وترى أن الصمت عن الظلم خيانة معرفية وإنسانية، غالبًا ما يستخف بالأم، لكنها تفاجئ الجميع حين تتحول إلى قوة رمزية عصية على الإخضاع.
ليلى سويف، إذ تُضرب عن الطعام، لا تمثل فقط “أم علاء”، بل تُجسّد هذه الوظيفة الأمومية الممتدة: أمٌ ترفض الغضب الصامت وتُخاطب الدولة بجوعها، وهو ما فعلته لوز ماريا كارو، والدة أحد المختفين في كولومبيا، حين دخلت في صيام مفتوح عام 2004 بعدما عجز القضاء عن حمايتها.
تقول ليلي سويف: “ولادي حياتهم واقفة بقالها أكتر من 10 سنين. علاء حياته واقفة تمامًا قاعد في السجن، وسناء موقفة حياتها علشان تجري ورا أخوها ودفعت أتمان كتيرة قوي في ده، ومنى يدوبك راجعة تلم حياتها بعد توقف وما تستحملش بقى توقفات تانية”.
تحمّل ليلى سويف الدولة مسؤولية مباشرة عن تفكيك حياة أسرتها. كما أنها ترسم صورة مأساوية لثمن النضال في مصر الحديثة، حيث الاحتجاج الفردي بالجسد قد يُقابَل بالصمت المؤسسي واللامبالاة، وهي بذلك تكتب أحد أنبل فصول النضال النسوي والمدني في العالم العربي المعاصر.
ليست معركة من أجل علاء عبد الفتاح وحده
على رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على الموعد القانوني لإطلاق سراحه، لا يزال الناشط السياسي المصري علاء عبد الفتاح محتجزاً في زنزانته، في ما يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون المصري ذاته، وتحديدًا المادة 482 من قانون الإجراءات الجنائية.
بحسب ما أكده المحامي خالد علي، فإن عبد الفتاح اعتُقل في 28 أيلول/ سبتمبر 2019، وقضى منذ ذلك التاريخ وحتى 2 كانون الثاني/ يناير 2022 قيد الحبس الاحتياطي، قبل أن يُصدر القضاء العسكري حكمًا بسجنه خمس سنوات في 3 كانون الثاني 2022، بتهمة “نشر أخبار كاذبة” على خلفية مشاركته منشورًا عن وقائع تعذيب في السجون المصرية. وبهذا، فإن مجموع ما أمضاه عبد الفتاح في السجن -احتياطيًا وتنفيذيًا- يُكمل بالفعل فترة العقوبة القانونية في 28 أيلول 2024، ما يعني أن احتجازه الحالي من دون سند قانوني.
تنص المادة 482 من قانون الإجراءات الجنائية بوضوح، على أن مدة العقوبة المقيدة للحرية تبدأ من يوم القبض على المحكوم عليه، مع ضرورة حسم فترة الحبس الاحتياطي من مدة العقوبة، وهو ما يتجاهله تفسير الدولة، التي أعلنت أن تاريخ الإفراج عن عبد الفتاح سيكون في 3 كانون الثاني 2027، أي بعد خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم، وليس من تاريخ القبض عليه.
هذا التفسير يُمثل تأويلاً تعسفيًا للقانون، ويتناقض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ويحوّل الحبس الاحتياطي من أداة احترازية إلى عقوبة إضافية غير معلنة. وبهذا، لا يُحرم علاء من حريته فقط، بل من حقه القانوني في العدالة نفسها.
ما ينطبق على علاء في ما يخص الحبس الاحتياطي غير القانوني، ينطبق على آلاف السجناء السياسيين المصريين، ويدفع البعض منهم للجوء الى الانتحار للفرار من مصير غير معلوم، بلا عقوبة وبلا إخلاء سبيل.
في سجن بدر 3 وحده، تم توثيق 55 محاولة انتحار خلال عشرة أيام فقط، بحسب رسائل مسربة من داخل السجن عام 2023، وفي سجون أخرى مثل العاشر من رمضان وبرج العرب، تم توثيق محاولات انتحار من معتقلين سياسيين بارزين، مثل الشاعر جلال البحيري وعبدالله ربيع.
الحبس الانفرادي طويل الأمد يشمله الإهمال الطبي للسجناء، ومنع الزيارة وسوء المعاملة النفسية والجسدية واستخدام التحقيقات والحبس كعقوبة انتقامية طويلة من دون تهم واضحة أو محاكمات عادلة.
وعوضاً عن الحبس الاحتياطي، تعرض الناشط السياسي علاء عبد الفتاح للتعذيب أثناء فترة احتجازه، وفقًا لتقارير موثقة من منظمات حقوقية دولية، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أفادت منظمة العفو الدولية بأن علاء عبد الفتاح، بعد اعتقاله في أيلول من العام ذاته، نُقل إلى سجن طرة شديد الحراسة 2، حيث تعرض لعصب عينيه، وتجريده من ملابسه، والضرب والركل المتكرر، بالإضافة إلى التهديدات والإهانات اللفظية من ضباط السجن.
علاء عبد الفتاح مرآة لباقي السجناء المنسيين، ولمنظومة كاملة بحاجة للمراجعة.
علاء عبد الفتاح لم يُحبس فقط لأنه كتب، بل لأنه رمز لفكرة مزعجة، وهي أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، القمع في حالته لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل آلية دفاع مرضيّة ضد المستقبل المحتمل الذي يُمثله.
كيف تحاول محو أثر معتقل سياسي وتفشل
القمع السياسي لا يبدأ غالبًا كمنظومة مكتملة، بل كأداة ثأرية يمارسها الحاكم أو السلطة تجاه فئات أو أفراد يعارضونهم أو يهددون شرعيتهم. في مراحله الأولى، يكون القمع انتقائيًا، يستهدف الأصوات العالية أو رموز المعارضة. لكنه سرعان ما يتحول إلى بنية متجذرة، تتسع لتشمل كل من لا يصمت، ثم كل من لا يصفق. وهكذا، تُبنى طبقات القمع تدريجيًا: من القمع الصريح للمخالفين، إلى الرقابة على المترددين، ثم إلى ترويض الصامتين، فإجبار الجميع على التماهي مع رواية السلطة. ومع مرور الزمن، يفقد القمع صفته الاستثنائية ليغدو هو القاعدة، ويصبح الثأر لا ضد أفراد بعينهم، بل ضد فكرة الرفض نفسها، حتى لو أتت همسًا.
في حالة علاء عبد الفتاح، يمكن قراءة طبقات القمع السياسي بوضوح كاشف، من لحظة اعتقاله الأولى حتى الآن. فقد بدأت الدولة المصرية في التعامل مع علاء كـ”خصم رمزي” منذ ثورة 25 يناير، لا باعتباره فقط معارضًا، بل كممثل لجيل بكامله يطالب بالتغيير. وهنا تبدأ الطبقة الأولى من القمع: ثأر مباشر من صوت تحدّى السلطة، عبر الحبس والمحاكمات المتكررة.
لكن مع الوقت، تعمّق القمع وتحوّل إلى بُنية ممنهجة، إذ لم تعد الدولة تلاحق علاء فقط لما يفعله، بل لما يرمز إليه. فحتى بعد انتهاء مدة سجنه، استمر حبسه كنوع من العقاب الاستباقي، ليس على فعل، بل على احتمال. وانتقل القمع هنا من أداة سياسية إلى ممارسة انتقامية ضد الفكرة، وضد كل من يشبهها.
تتحول ملاحقة علاء إلى رسالة تهديد ضمنية (وربما صريحة) لكل من يفكر أو يحاول، ولكل من لا يزال يملك هامشًا للمطالبة بحقوقه. فيُصبح الصمت وحده غير كافٍ.
علاء عبد الفتاح لم يُحبس فقط لأنه كتب، بل لأنه رمز لفكرة مزعجة، وهي أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، القمع في حالته لم يعد مجرد وسيلة للسيطرة، بل آلية دفاع مرضيّة ضد المستقبل المحتمل الذي يُمثله.
ليلى سويف وجسدها الذابل الذي يصارع الموت الآن هما شهادة صارخة على صراع قوتين تحكمان المشهد السياسي المصري الآن، قوة تملك القانون والأحكام والحبس الاحتياطي غير القانوني وتضعهم على رقاب المعارضين، وقوة أخرى لا تملك سوى التدوين والإضراب عن الطعام.
هذه الشهادة الصامتة تكشف طبقات القمع التي تعرض لها علاء عبد الفتاح وشقيقته ووالده، لكنها الآن تتكثف، في معركة الأمعاء الخاوية، والتي تمارسها ليلى سويف من الخارج، ويمارسها علاء عبد الفتاح من الداخل، الأم والابن يضعان حياتهما في رهان أخير وسؤال ضروري: ما معنى حياتنا إذا كانت في الأصل لا تساوي شيئاً ولا يحميها القانون في بلادنا، الإجابة في يد السيسي الآن بعد عشرات المطالبات بضرورة الإفراج عن علاء عبد الفتاح – ولو بالعفو الرئاسي- بعدما أمضى مدة عقوبته منذ أيلول العام الماضي ولم يُطلق سراحه.
إقرأوا أيضاً:












