بين الصواعد والهوابط، عزفت الأوركسترا ليل الجمعة الماضية، محوّلة مغارة جعيتا، الرمز الوطني والجيولوجي النادر، إلى صالة أفراح فاخرة. وبينما يُمنع الزوار عادة من التصوير داخلها “إلا بهواتف مرخصة من وزارة السياحة كما يؤكد الموظفون”، كانت هواتف المدعوين تلك الليلة شاهدة على “حفل تمهيدي” لزفاف سارة شماس وألكسندر ويدمان، حيث أضيئت لهم الشموع وصخور المغارة نفسها.
تحوّل الموقع الذي يمد آلاف العائلات في بيروت وجبل لبنان بالمياه، إلى مسرح لأوركسترا تطفو بين الصخور”، كما وصفتها شركة “8eArt” التي تولت التنظيم بإشراف منسق الحفلات روبير هيكل. بموافقة بلدية جعيتا، صار الإرث الطبيعي العام ديكوراً لحدث خاص، في بلد يتقن تحويل ثرواته العامة إلى امتيازات خاصة، فتُباع المياه كما الصخور، ويُستأجر الجبل والبحر مقابل حفنة من المال.
على مواقع التواصل الاجتماعي، أثار انتشار فيديو الحفل ضجة واسعة بسبب ما اعتُبر اعتداءً على إرث طبيعي نادر، خصوصا أنه جاء بالتزامن مع استمرار أعمال الحفر في العقار 345 القريب من مغارة فقمة الراهب في عمشيت، في ما وصفه ناشطون بـ”سياسة تخريب البيئة”.
وتنوّعت ردود الفعل بين الغضب والسخرية. فكتب أحد المعلّقين: “في الوقت اللي كانت فيه مصر تفتتح المتحف المصري الكبير، كانت وزارة السياحة ووزارة الثقافة وبلدية جعيتا عم يمشوا المازات الباردة على طاولات الستلاغتيت، والمازات الساخنة على طاولات الستلاغمايت”. فيما طالب آخرون بمحاسبة المسؤولين وإقالة كل من وزيرة السياحة ورئيس بلدية جعيتا، معتبرين أن ما حصل استهتار رسمي بإرث لبنان الطبيعي والثقافي بهدف تحويله إلى مساحة حصرية للمقتدرين.
مخالفات قانونيّة وبيئيّة
تجسد قضية الحفل داخل مغارة جعيتا نموذجاً لتحويل البيئة من حق عام يُفترض حمايته حفاظاً على الصحة العامة وحقوق الأجيال القادمة، إلى مورد اقتصادي ومصدر منفعة لأصحاب النفوذ.
في هذا السياق، يصف المحامي علي عباس ما حدث في المغارة بأنه شبيه بما يحدث في قضية مغارة الفقمة، وفي ملف الثروة الحرجية، والتعديات على الأملاك العامة البحرية. ويشير في مقابلة مع “درج” الى أنه “استغلال للمرافق العامة لتحقيق مكاسب ومنافع خاصة على حساب المنفعة العامة”.
ويضيف عباس أن ما حصل داخل المغارة كان “خارج إطار المألوف”، وكان من المفترض أن يخضع لدراسة تقييم أثر بيئي وفقاً لأحكام المرسوم 8633/2012″، لافتاً إلى أن الموقع “يحتاج إلى مراسلات وموافقات مشتركة بين وزارة السياحة والبيئة والثقافة والطاقة والمياه على أي نشاط ينظّم داخله”. ويشدّد على أن “البيئة ثروة لكل اللبنانيين، وتدميرها يمس بحقوق الأجيال القادمة”.
في هذا الإطار، حاول موقع “درج” التواصل مع وزيرة البيئة تمارة الزين للاستفسار عما إذا كانت بلدية جعيتا قد حصلت على تقييم أثر بيئي أو موافقات لإقامة هذه الفعاليات داخل المغارة، إلا أنه لم يتلقّ رداً حتى تاريخ النشر.
وفي حديث لإذاعة صوت لبنان، أوضح رئيس هيئة الشراء العام جان العلية أن الحفل الذي أقيم في مغارة جعيتا يشكل مخالفة صريحة لأحكام الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من قانون الشراء العام. من جهته، اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أنّ “العبث بثروات لبنان الطبيعية أمرٌ غير مقبول إطلاقًا”.
أما رئيس بلدية جعيتا وليد بارود، فأوضح أنه تواصل شفهياً مع وزارة السياحة لإبلاغها بالحفل الذي حضره نحو 120 شخصاً. لكن الوزارة قالت في بيان إنها وقعت عقداً بالتراضي مع بلدية جعيتا لإدارة المرفق وتشغيله وصيانته بشكل مؤقت. لكنّها أضافت أن رئيس البلدية “لم يقدّم تفاصيل كاملة حول طبيعة النشاط ومضمونه”، مؤكّدة أن أي نشاط من هذا النوع “يستوجب طلبًا خطيًا من البلدية إلى الوزارة، تُبنى الموافقة عليه بعد دراسةٍ شاملةٍ للشروط الأمنية، والمالية، والثقافية، والإدارية، وتلك المتعلّقة بالسلامة العامة”.
ويعد هذا الحفل بمثابة مخالفة لتعميم مجلس الوزراء رقم 36/2025، الذي يطلب من جميع الإدارات العامة والبلديات واتحاداتها والأجهزة المعنية كافة التشدد في منع استعمال الأماكن العامة البرية والبحرية والمعالم الأثرية والسياحية أو تلك التي تحمل رمزية وطنية جامعة، قبل الحصول على التراخيص والأذونات اللازمة من الجهات المختصة وفقاً للأصول.
وكان بارود صرّح سابقاً لموقع Business Gate، بأنه تم الاتفاق مع وزيرة السياحة على تنظيم برنامج فني دوري داخل المغارة كل 45 يومًا، بمشاركة موسيقيين عالميين، “بهدف جمع التبرّعات لدعم تشغيلها وصيانتها”. وأشار إلى أنّ الاتفاق مع وزارة السياحة ينص على ألا تقل قيمة الحفلات داخل المغارة عن 40 إلى 50 ألف دولار”.
إيجار المغارة سراً
أُجريت التحضيرات للحفل بسرية تامة، بعيداً عن الأضواء، ما حال دون إمكانية كشفه أو إفشاله. رئيس النادي اللبناني للتنقيب في المغاور المهندس جوني طوق، أوضح أن النادي على تواصل دائم مع بلدية جعيتا في كل ما يتعلق بالمغارة، لكنه لفت إلى أن الحفل الأخير حصل من دون تنسيق مسبق وأنهم علموا به من خلال الصفحة الرسمية للمغارة على تطبيق إنستغرام.
وأكد طوق أن “العقد الموقّع بين بلدية جعيتا ووزارة السياحة ينص على أن أي عمل أو نشاط داخل المغارة يحتاج إلى موافقة النادي مسبقاً”، لكونه الجهة المسؤولة عن جميع الأمور التقنية داخلها. وأضاف: “إقامة حفلات خاصة داخل المغارة أمر مرفوض تمامًا، لأنها إرث وطني وبيئي لجميع اللبنانيين”.
إقرأوا أيضاً:
وأشار طوق الى أن “الاتفاق بين بلدية جعيتا والوزارة كان على تنظيم حفلات موسيقية راقية على غرار الحفلات الكلاسيكية التي أُقيمت عام 1969 بمشاركة الموسيقيَّين فرانسوا بايل وكارل هاينز شتوكهاوزن ، ضمن إطار جمع التبرعات لصيانة المغارة، وليس لإقامة حفلات خاصة”.
ليست مغارة جعيتا مجرد كهفٍ صخري أو معلم سياحي فحسب، بل مصدر للمياه التي تروي العاصمة بيروت. إذ يغذي نبع جعيتا محطة ضبية التي تعتمد عليها مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان لتأمين جزء من حاجات العاصمة من المياه. وعلى رغم هذه الأهمية الحيوية، التزمت وزارة الطاقة والمياه، ومصلحة مياه بيروت وجبل لبنان الصمت حيال الحفل الذي أقيم داخل المغارة، تماماً كما فعلت وزارة البيئة.
في هذا السياق، حذّر طوق من أن الأنشطة الخاصة داخل المغارة تؤثر على توازنها البيئي، موضحاً أنها”احتاجت إلى ملايين السنين لتتكون، ولا يجوز الإضرار بها من أجل حفل مدته نصف ساعة”.
الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي أوضح في مقابلة مع “درج”، أن “التغير في العناصر الداخلية للمغارة، منها الضوء والرطوبة، يمكن أن يخل بتوازنها الدقيق”، لافتاً إلى أن “ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكربون (CO₂) الناتج من وجود عدد كبير من الأشخاص في الداخل يؤثّر على تكوينات الصواعد والهوابط”.
واعتبر الجيولوجي طوني نمر أن “ما حصل في مغارة جعيتا وقبلها في آثار أفقا يدل على فقدان مبدأ احترام المحيط الطبيعي وانعدام مستوى الثقافة البيئية والأثرية لدى الكثيرين”.
سوابق مهّدت لمخالفات بيئيّة
ليست الحفلات الموسيقية في مغارة جعيتا حدثاً استثنائياً، إذ افتُتحت المغارة في شهر تموز/ يوليو 2025 على وقع الأنغام الموسيقية. وسبق أن نظمت وزارة السياحة مناسبات مماثلة داخلها، من بينها حفل موسيقي رعاه وزير السياحة السابق ميشال فرعون في عهد حكومة الرئيس تمام سلام عام 2014، تكريماً لرؤساء البعثات الدبلوماسية، وتخلله عزف للفنان سيمون غريشي وغناء السوبرانو العالمية فلور مينو.
وفي عام 2011، نظمت الشركة المشغّلة للمغارة نشاطاً داخلها من دون الحصول على إذن مسبق من وزارة السياحة، ما دفع الوزير حينها إلى توجيه إنذار خطي إليها. غير أن الشركة عادت ونظمت حفلاً آخر داخل المغارة، تخلله تصوير إعلان ترويجي، الأمر الذي دفع الوزير إلى رفع القضية إلى النيابة العامة التمييزية.
كما شهدت المغارة عروضاً سابقة، أبرزها في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 1997، حين قدم الموسيقي جمال أبو الحسن مقطوعات موسيقية في أرجائها، بينما صُوّرت داخلها عام 1977 مشاهد من الفيلم الهندي “شاندي سونا”.
ويلفت المحامي علي عباس إلى أن هذه السوابق هي التي مهدت لما حصل اليوم، موضحاً أنه لم يتم إجراء أي دراسة لتقييم الأثر البيئي قبل الحفلات السابقة التي أقيمت داخل المغارة. ويضيف: “من الضروري أن يتم التحقيق في الحادثة لتحديد حجم الضرر والمسؤوليات، ومحاسبة المتورطين في إعطاء الأذونات لإقامة الحفل”.
إقفال مغارة جعيتا مؤقتا بقرار من وزيرة السياحة لورا الخازن لا يمحو ما حصل داخلها. وبينما تشكل الوزارة لجنة من الخبراء للكشف عن أي أضرار لحقت بالمغارة جراء الحفل الأخير، يبقى صدى الحفلات في جعيتا شاهداً على علاقة اللبنانيين المضطربة، بينهم وبين بيئتهم من جهة، وبينهم وبين القانون من جهة أخرى.
إقرأوا أيضاً:












