في إحدى جلسات مجلس النواب المصري أوائل هذا العام، اعتلى كامل الوزير منصّة المتحدثين حاملًا رزمة من صور الأقمار الصناعية لشبكة الطرق الجديدة. أشار الوزير بحماسة إلى الخطوط المتشابكة عبر الصحارى والدلتا، مؤكداً أن وزارته «أنجزت ما وعدت به في زمنٍ قياسي». وبينما كان النواب يصفقون لهذا العرض البطولي، كانت لجنة أخرى تحقق في حادث تصادم قطارين وقع قبل أيام، ترجّح أن خللًا في الصيانة ونظام إشارات السكة الحديد المتهالك كان السبب. في المشهد ذاته يتجسد التناقض: حكومة تُفاخر ببناء أسرع قطار كهربائي قبل موعده المقرر، فيما قطارات الركاب التقليدية تتصادم بسبب مزالق الإهمال. كيف أصبحت السرعة غاية في حد ذاتها ولو على حساب السلامة؟
عُيّن كامل الوزير وزيرًا للنقل في مارس 2019 إثر كارثة قطار محطة رمسيس المروّعة، التي أودت بحياة 25 شخصًا وأجبرت سلفه على الاستقالة. جاء الوزير الجديد إلى الوزارة حاملاً عقلية المهندس العسكري الذي قاد سابقًا الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مشروعات عاجلة. بالفعل، أخذ على عاتقه منذ اليوم الأول مهمة أشبه بحالة طوارئ: إصلاح المرفق المنكوب بسرعة وإعادة الانضباط. خلال الشهور الأولى، أشرف بنفسه على حملة صيانة مكثفة لعربات القطارات القديمة، وتعاقد على شراء قاطرات وعربات جديدة، وأطلق وعودًا بإنهاء مشاريع كبرى في مواعيد قياسية.
غير أن عقلية الطوارئ هذه تحولت من استجابة مؤقتة إلى نموذج إدارة دائمة. فحتى بعد مرور الأزمة المباشرة، استمر الوزير في العمل بمنطق الحملة العسكرية التي يجب أن تنتصر في أسرع وقت. يروي أحد مساعدي الوزير أن الأخير كان يردد باستمرار لمهندسيه: “نحن في سباق مع الزمن، ولا مجال للتراخي”. وهكذا أصبحت السرعة في الإنجاز أولوية مطلقة تهيمن على ثقافة العمل في وزارة النقل، تمامًا كما لو أن قطاع السكك الحديدية لا يزال يعيش حالة حرب أو إنقاذ وطني دائم.
هذه الذهنية ساهمت في تحقيق بعض المكاسب الملموسة؛ فقد شهدت السكك الحديدية إدخال قطارات مكيفة جديدة على خطوط الصعيد، وتم الانتهاء من مشروعات متعثرة منذ سنوات مثل تطوير مزلقانات وتأهيل بعض المحطات. كما أن مشاريع الطرق السريعة تمددت بوتيرة غير مسبوقة في كل اتجاه تقريبًا. لكن الوجه الآخر لهذا النموذج بدأ يتكشف مع مرور الوقت: إغفال منهجي لمسائل الجودة والاستدامة. فالمهمة العاجلة التي جاء الوزير لتنفيذها تحوّلت إلى سباق دائم على الإنجاز السريع، من دون أن يواكب ذلك تغيير في أسلوب الإدارة نحو التخطيط طويل الأمد أو بناء كوادر فنية قادرة على صيانة ما يُنجز.
كفاءة استعراضية مقابل جودة مستدامة
تفاخر الحكومة المصرية بالأرقام الضخمة التي ضُخت في قطاع النقل خلال السنوات الأخيرة. فقد أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الدولة استثمرت حوالي 950 مليار جنيه في مشاريع النقل والمواصلات، من طرق وجسور وسكك حديدية ومترو، خلال عقد واحد. ويشير مسؤولو وزارة النقل إلى أن طول الطرق السريعة الجديدة بلغ ما يقارب الـ7000 كيلومتر ضمن المشروع القومي للطرق، نُفِّذ 90 في المئة منها بالفعل بكلفة تجاوزت الـ155 مليار جنيه. بل إن مدبولي نفسه أشاد في حفل افتتاح أحد مشاريع المترو بأن مصر حققت معدلات إنجاز “بكفاءة عالية وتكلفة منخفضة” مقارنة بالمعايير العالمية.
غير أن هذه الكفاءة الظاهرية يقابلها واقع مختلف على الأرض. فعلى الرغم من كل تلك الاستثمارات، ما زالت حوادث القطارات والطرق تقع بوتيرة تنذر بالخطر. إذ شهدت مصر خلال العقد الماضي وحده، آلاف الحوادث المميتة على قضبان سكك الحديد، حتى أن عام 2018 سجل رقمًا قياسيًا بلغ 2044 حادث قطار. وبين 2006 و2019 سُجِّل أكثر من 21 ألف حادث قطار أودت بحياة 1,287 شخصاً وإصابة 2,113 آخرين على رغم كل خطط التطوير المعلنة. وعلى رغم تراجع عدد الحوادث السنوية أخيرًا وفق الإحصاءات الرسمية، إلا أن سلسلة طويلة من الكوارث الكبيرة لا تزال ماثلة في الأذهان. ففي آذار/ مارس 2021 اصطدم قطاران في محافظة سوهاج، ما أدى إلى مقتل ما يزيد عن 30 راكبًا وإصابة المئات. وبعدها بأسابيع، خرج قطار عن القضبان في طوخ مخلفًا 11 قتيلًا و98 مصابًا. وبحلول أيلول/ سبتمبر 2024، وقع حادث تصادم قطارين في الزقازيق أودى بحياة 3 أشخاص وأصاب 60 آخرين، ليعيد الى الأذهان أن مسلسل الحوادث مستمر على رغم الوعود الرسمية بانتهائه.
أما على الطرق السريعة، فالمفارقة أكثر وضوحًا. فقد تصدرت مصر عناوين الصحف الرسمية عام 2024 بفضل قفزة مفترضة في مؤشر جودة الطرق العالمي، إذ أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء أن مصر تقدمت من مؤخرة الترتيب إلى المركز الثامن عشر عالميًا خلال عشر سنوات. هذه الأخبار وُظّفت إعلاميًا كدليل على نجاح المشروع القومي للطرق. ولكن في الواقع، تحتل مصر مرتبة متأخرة عالميًا في معدلات وفيات حوادث الطرق. إذ تشير تقديرات بحثية دولية إلى أن مصر تسجل حوالي 42 وفاة لكل 100 ألف نسمة سنويًا نتيجة حوادث المرور – وهو من أعلى المعدلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب أرقام منظمة الصحة العالمية الرسمية، بلغ معدل وفيات الطرق في مصر نحو 10.1 لكل 100 ألف في 2019، أي ما يقارب ضعف المعدل في أوروبا. وبالتالي، فإن فجوة هائلة تفصل بين الأرقام التي تروجها الدولة حول جودة البنية التحتية، وبين التجربة اليومية للمواطن الذي يركب قطارًا متهالكًا أو حافلة مسرعة على طريق غير آمن.
يظهر الخلل أيضًا في التفاصيل التقنية للمشاريع. فالأولوية القصوى كانت دائمًا لتدشين الطريق أو تشغيل القطار في الموعد المحدد أو قبله، بينما تأجلت أمور مثل وضع خطط صيانة منتظمة أو تدريب كوادر التشغيل والصيانة على التقنيات الحديثة. على سبيل المثال، لا تزال أجزاء كبيرة من شبكة السكك الحديدية المصرية تعمل بنظام الإشارات الميكانيكية القديمة بدل النظام الإلكتروني الحديث، ما يجعل نسبة الخطأ البشري أعلى ويزيد احتمالات الكوارث في كل رحلة. وعلى رغم شراء جرارات وعربات قطار جديدة، برزت مشكلات في سلاسل التوريد وقطع الغيار حالت دون الاستفادة الكاملة منها، حيث تسعى الورش المحلية جهدها للتعامل مع تكنولوجيا متقدمة من دون دعم كافٍ.
لقد أدى تجاهل هذه الجوانب غير المرئية إعلاميًا إلى تراكم ما يمكن تسميته “دين صيانة مؤجَّل”. بمعنى أن الدولة بانشغالها في البناء السريع للمشاريع، راكمت استحقاقات صيانة وإصلاح ضخمة ستضطر إلى دفع فاتورتها آجلاً. فعمر الطريق أو القطار لا يقاس فقط بيوم افتتاحه ولقطة قص الشريط، بل بقدرته على العمل بأمان وكفاءة بعد خمس وعشر سنوات. وحين تغيب خطط الصيانة الدورية وتتضاءل ميزانياتها، فإن أُنجز سريعًا اليوم قد يتحول غدًا إلى عبء مالي وبشري أكبر. وكما حذّر أحد الخبراء: الإهمال في الجودة الآن يعني دفع الثمن لاحقًا بأرواح المواطنين وبكلفة اقتصادية أعلى لإصلاح ما تآكل قبل أوانه.
تسليع المؤشرات الدولية
سعى النظام المصري في السنوات الأخيرة إلى توظيف المؤشرات والتقارير الدولية كـ”صكوك شرعية” لإثبات نجاح سياساته. ففي قطاع النقل كثيرًا ما تستشهد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي المتعلقة بجودة البنية التحتية لتأكيد أن مصر قفزت عشرات المراتب في تصنيف جودة الطرق. وتصدرت عناوين الصحف الحكومية احتفاءً بوصول مصر إلى المركز 18 عالميًا في جودة الطرق عام 2024، بعدما كانت في المركز 118 قبل عقد. لا شك في أن تحسين الطرق وإنشاء المحاور الجديدة أمر إيجابي، لكن المبالغة الدعائية في استخدام هذا المؤشر تخفي تعقيدات عدة.
أولها، أن منهجية مؤشر جودة الطرق نفسه تعتمد على آراء رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين حول البنية التحتية في بلادهم، وهو تقييم ذاتي أكثر منه قياس موضوعي. هذا يعني أن صعود ترتيب مصر قد يعكس تحسنًا في انطباعات المستثمرين المحليين أو تأثيرًا لحملات الدعاية الرسمية، ولا يعني بالضرورة أن الطرق أكثر أمانًا لجميع المواطنين. وقد حذّر خبراء مرارًا من الخلط بين جودة الرصف وبين سلامة المرور: فبعض الدول قد تكون طرقها ممهدة وحديثة لكن معدلات الحوادث فيها مرتفعة بسبب عوامل أخرى كتهور السائقين وضعف إنفاذ قوانين المرور. وفي الحالة المصرية، لا تزال التقارير الدولية المتخصصة (مثل تقارير منظمة الصحة العالمية) تصنف السلامة المرورية كأحد التحديات الخطيرة التي تواجه البلاد على رغم جودة البنية التحتية المعلنة.
ثانيها، أن الإعلام الرسمي يتبنى هذه المؤشرات بانتقائية شديدة. فهو يبرز التصنيفات الإيجابية ويتجاهل المؤشرات السلبية. فعلى سبيل المثال، احتفت الصحف بتحسن مؤشر جودة الطرق، لكنها لم تذكر أن مصر ما زالت ضمن أسوأ الدول في مؤشر السلامة على الطرق أو معدل وفيات حوادث المرور. وبالمثل، تتحدث التصريحات الرسمية عن تحديث أسطول السكك الحديدية وارتفاع تصنيف مصر في مؤشر تنافسية البنية الأساسية، لكنها لا تتطرق إلى مؤشرات الكفاءة اللوجستية أو مستوى أمان السكك الحديدية حيث لا تزال مصر متأخرة. هذا التناول الدعائي حول المؤشرات جعلها أشبه بسلعة تسويقية تستخدمها الحكومة لإقناع الجمهور بجدوى ما تقوم به، من دون أن تخوض في التفاصيل التقنية أو الأسئلة الحرجة حول التكلفة والعائد والاستدامة.
لقد وصل الأمر الى حد أن أي انتقاد يُوجَّه الى مشروع طريق أو جسر جديد، يُجابَه رسميًا بالقول: كيف تنتقدون ونحن صعدنا في التصنيف العالمي؟! وفي هذا مغالطة واضحة، لأن بناء الطرق الجديدة -على أهميته- يجب أن يُقيّم بمعايير أشمل من مجرد رقم في تقرير دولي. المواطن العادي يهتم أكثر بأن يصل سالماً وألا تتسبب “الطرق العالمية” في مصرع عائلته بحادث سير، حتى لو منحها الخبراء الأجانب 7 نجوم. والمؤشرات الدولية نفسها تشدد عادة على أنها أدوات مقارنة عامة، وليست تقييمًا تفصيليًا لجوانب السلامة أو الجدوى الاقتصادية لكل دولة.
إقرأوا أيضاً:
ثقافة غياب المحاسبة والاعتراف بالخطأ
على رغم كل ما حدث من كوارث خلال توليه الوزارة، يتبنى كامل الوزير خطابًا ثابتًا قوامه عدم الاعتراف بالتقصير الشخصي ورفض مبدأ الاستقالة السياسية. في كل أزمة كبيرة – من حوادث القطارات المتسلسلة عام 2021 وصولًا إلى فاجعة الطريق السريع الأخيرة في 2025 – كان السؤال يطرح حول مدى مسؤولية الوزير السياسية والأخلاقية عما حصل. إلا أن رده جاء واحدًا تقريبًا في كل مرة: لن أستقيل.
بعد حادث تصادم قطاري سوهاج 2021 الذي أثار غضبًا شعبيًا عارمًا، خرج الوزير عبر مداخلة تلفزيونية ليؤكد أنه مستمر في منصبه لأن “الهروب ليس من طبعي”. وأردف موضحًا: “عندنا مشكلة في العنصر البشري، وبنعالجها بالتدريب والتطوير، ولو مشيت دلوقتي يبقى أنا بسيب الميدان وأهرب من المسؤولية”. بهذا الخطاب، حوّل الوزير المسألة من خلل بنيوي في المنظومة إلى خطأ أفراد يمكن إصلاحهم. فألقى باللوم على سائق مهمل هنا أو عامل تحويلة هناك، وتعهد بأتمتة نظم الإشارات بحلول 2024 كحل سحري للمشكلة.
تكرر السيناريو في حوادث تالية. حين خرج قطار عن مساره في قليوب عام 2023 متسببًا في وفاة وإصابات، سُئل الوزير مجددًا عن جدوى بقائه. فكان رده أنه “مستمر في حملته لتطهير السكك الحديدية من العناصر غير المنضبطة”، ملمحًا إلى وجود موظفين مستهترين أو ربما عناصر مُخربّة هي التي تعطل جهود التطوير. هكذا توجَّه الأنظار دائمًا إلى أسفل الهرم الإداري بدل النظر إلى قمته. وللمفارقة، كثيرًا ما رافقت تلك الحوادث قرارات إقالة مسؤولين في المستويات الوسطى – كرئيس هيئة السكك الحديدية أو نوابه – لتبدو كأنها قرابين فداء تمتص الغضب الشعبي، بينما يبقى رأس المنظومة بمنأى عن أي مساءلة.
بلغ إصرار كامل الوزير على البقاء ذروته بعد حادث تصادم مأساوي على أحد الطرق السريعة في منتصف 2025 خلّف عشرات القتلى. إذ واجه موجة غير مسبوقة من الانتقادات في البرلمان والإعلام، طالبت صراحة باستقالته ومحاسبة الوزارة على الإهمال في صيانة الطرق. حينها، ظهر الوزير في موقع الحادث إلى جانب مذيع موالٍ للحكومة، وفي لهجة عاطفية تحدى منتقديه قائلاً: “أمنيتكم إني أسيب الوزارة وأمشي… بس أنا بقولكم مش همشي، هفضل مكاني لحد ما أموت”. وأضاف موجّهًا كلامه لمن يشككون في كفاءته: “اسألوا عني دفعتي وزمايلي… أنا اتعلمت أكون مقاتل، وأي نقد باستوعبه بروح المقاتل. أنا الفلاح المصري البسيط اللي بيشتغل في أي حتة، ومش هسيب شغلي حتى لو مش وزير”. هكذا وضع الرجل شرعية بقائه في منصبه فوق أي اعتبار آخر، مصورًا التنحي على أنه خيانة وجبن، ومحولًا النقاش من نتائج أدائه إلى صفاته الشخصية كـ”مقاتل” و”فلاح مكافح”.
هذه الثقافة التي ترفض الاعتذار وتحويل الاستقالة إلى وصمة، لا تقتصر على الوزير وحده، بل تتسق مع نهج عام بين كبار المسؤولين في مصر. فالاعتراف بالتقصير – ولو الأدبي – أصبح نادرًا، والمسؤول غالبًا ما يدافع عن بقائه باعتباره ضرورة لاستمرار الإنجازات. وفي المقابل، يتم التضحية بالموظفين الأدنى وتصويرهم إما مهملين يستحقون العقاب أو مدسوسين يعرقلون الدولة ويتآمرون على نجاحاتها. النتيجة هي إفراغ مفهوم المساءلة السياسية من معناه، وتحويل أي أزمة إلى مجرد مشكلة فنية أو أمنية يمكن حلها بالقبض على بضعة أفراد أو تغيير لوائح السلامة، من دون الاقتراب من جوهر السياسات أو كفاءة القيادات العليا.
تجلّيات نهج حكم أوسع
لا يمكن فهم ظاهرة كامل الوزير بمعزل عن السياق الأعم لنمط الحكم في مصر خلال العقد الأخير من عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. فالرجل ليس مجرد وزير نقل ذي شخصية خاصة، بل هو أيضًا أشهر تجلٍّ لمفهوم الإدارة الذي تتبناه السلطة الحالية. إنه نتاج بيئة حكم تركّز على الإنجازات المحسوسة والسريعة لتدعيم شرعيتها، حتى لو كان ذلك على حساب معايير الجودة والمؤسسية.
أول ملامح هذا النهج هو هوس المشروعات القومية العملاقة والبناء بوتيرة محمومة. فمنذ 2014، رفعت الدولة شعار «الجمهورية الجديدة» سعيًا الى إبراز تحول عمراني وتنموي شامل. واندفعت الحكومة في تدشين العاصمة الإدارية الجديدة، ومشاريع طرق وأنفاق وكباري لا تهدأ، مرورًا بشبكة قطارات سريعة تربط الصحارى ببعضها. هذه المشاريع ضخمة الحجم وسريعة التنفيذ تهدف إلى رسم صورة دولة تنهض من كبوتها وتعوّض عقود التأخر خلال سنوات قليلة. ونجح النظام فعلاً في خلق مشهد بصري مذهل لمدن جديدة وطرق لامعة ومحطات حديثة. لكن وتيرة التنفيذ المرتفعة تعني بالضرورة تضييق الوقت المخصص للدراسات والاختبارات، ما يرفع احتمالات الأخطاء والتكاليف الخفية. كما أن التركيز على الكم – بالأمتار المربعة والكيلومترات والميزانيات – طغى على حساب النقاش حول أولويات هذه المشاريع وجدواها الاقتصادية والاجتماعية. فمثلاً، أنفقت مصر مليارات الدولارات على إنشاء طرق ومحاور تخدم العاصمة الإدارية والمدن الجديدة، في حين تعاني سكك حديد دلتا النيل المكتظة بالسكان من تقادم مزمن. هذه الهوة بين الأولويات الشعبية والرسمية أصبحت سمة عامة في حقبة المشروعات الكبرى.
ثاني الملامح هو مركزة القرار وتهميش المؤسسات الرقابية والمتخصصة. فمن خلال إسناد تنفيذ الجزء الأكبر من هذه المشروعات إلى مؤسسات سيادية (بخاصة الجيش)، تقلّص دور الأجهزة المدنية التقليدية في التخطيط والرقابة. على سبيل المثال، باتت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة هي المقاول والمشرف الرئيسي على مشاريع البنية التحتية، فيما أصبح دور وزارة النقل أو الإسكان أقرب إلى التنسيق أو المتابعة. هذا الوضع أدى إلى وضع أنشطة كثيرة خلف جدار من السرية بدعوى الأمن القومي، ما جعل التقييم المستقل أو المحاسبة البرلمانية أمرًا بالغ الصعوبة. حتى دراسات الجدوى وتقييم الأثر البيئي للمشروعات لم تعد تُنشر للعلن كما جرت العادة، إذ تمضي المشاريع بسرعة من الفكرة إلى حفل الافتتاح من دون حوار مجتمعي كافٍ أو تمحيص فني علني. وقد أشار تقرير حديث لمركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى مخاطر هذا النمط، مؤكدًا أن “التسريع المفرط لجدول المشروعات مع تجاهل دراسات الجدوى والأثر البيئي يعزز مخاطر التأثيرات السلبية”. بمعنى آخر، عندما تغيب الشفافية والتمحيص العلمي في التخطيط والتنفيذ، تكون النتيجة مشروعات قد تنجح إعلاميًا لكنها تفشل عمليًا في تلبية احتياجات الناس أو تصون البيئة والموارد على المدى الطويل.
ثالث الملامح هو استخدام الإعلام الموجَّه بالأرقام الكبيرة كستار دخاني يحجب النقاش العام الجاد. فالإعلام المصري الموالي للدولة ينهمك يوميًا في تعداد الإنجازات القياسية: أكبر كوبري، أطول طريق، أضخم مدينة ملاهي، أول قطار سريع…. وهذه لغة تحقق تأثيرًا نفسيا لحظيًا بالفخر، لكنها تغفل أسئلة بديهية: ماذا عن تكلفة الدين العام لهذه المشاريع؟ من المستفيد الحقيقي منها؟ هل قُيِّمت مخاطرها على المجتمعات والبيئة؟ وأين صوت الخبراء المستقلين؟. وعندما يتجرأ صحافي مستقل أو نائب معارض على إثارة مثل هذه التساؤلات، سرعان ما يواجَه بعاصفة من التخوين أو التقليل من شأنه، باعتباره “محبطًا” أو “عدوًا للنجاح”. وفي ظل هذا المناخ، أُفرغت برامج “التوك شو” والصحف من أي نقد جاد، وتحولت في كثير منها إلى منصات ترويج للمشاريع الحكومية، تستضيف مسؤولين يرددون أرقامًا مبهرة من دون تدقيق. وكما لاحظ أحد المحللين، صار التركيز على الإنجاز الكمي السريع هو القيمة العليا، الى درجة أنه “في ثقافة الحكم الحالية، الأهم أن تفعل شيئًا مرئيًا سريعًا ولو لم يكن الأفضل، بدل أن تفعل الشيء الصحيح بشكل غير ظاهر”.
كامل الوزير يجسد هذه السمات جميعًا. فهو رجل الأرقام القياسية في وزارته: يتباهى بعدد الكيلومترات التي رصفها وبملايين الأمتار المكعبة التي حفرها وبآلاف العربات التي استوردها. وهو رجل المركزية والثقة المطلقة: يدير قطاع النقل كأنه كتيبته الخاصة، معتمدًا على دائرة ضيقة من الضباط السابقين والمقربين، غير آبه كثيرًا بأصوات الخبراء المدنيين التي تنادي بالتروي والتخطيط بالمشاركة. وهو أخيرًا نجم إعلامي يومي: يظهر على الشاشات موقعًا عقودًا أو مفتتحًا مشاريع أو متفقدًا ورشًا، ويرد على منتقديه من المذيعين المحسوبين على المعارضة بلهجة المتهكم الواثق. هذا الحضور الطاغي في المشهد العام يجعل الوزير أحد أعمدة سردية “الجمهورية الجديدة” التي تسعى السلطة إلى تسويقها: جمهورية تُنجز وتبني مهما كانت الصعاب، ولا وقت لديها للاعتذار أو التراجع.
ثمن الكفاءة الاستعراضية
في المشهد الختامي من هذه الحكاية، نقف أمام سؤال يتجاوز شخص كامل الوزير إلى فلسفة الحكم برمتها في مصر اليوم: ما الثمن البعيد الذي سندفعه لقاء هذه الكفاءة الاستعراضية التي تُغلّب الكم على الكيف؟ إن قطارًا يقطع المسافة من القاهرة إلى أسوان في 8 ساعات بدل 12 هو إنجاز على الورق، لكن قيمته الحقيقية تتلاشى إذا كان يهدد حياة ركابه عند كل رحلة بسبب إهمال الصيانة. والطريق السريع الأملس قد يُصنَّف ممتازًا دوليًا، لكن ماذا يفيد المواطن إذا صار “طريقًا إلى الآخرة” كما وصفه نائب غاضب في البرلمان؟
ربما حان الوقت لمراجعة جذرية لهذا النموذج قبل أن تتراكم ديون المستقبل. فالنظم التي تقاس نجاحاتها فقط بعدد الجسور والطرق الجديدة، من دون اعتبار لجودتها واستدامتها، تواجه عاجلًا أم آجلًا لحظة الحقيقة عندما تبدأ تلك المنجزات بالتصدع حرفيًا ومجازيًا. والمشكلة أن أي تصدع هنا لا يعني خسارة مادية فحسب، بل قد يعني إزهاق أرواح بريئة كما شهدنا مرارًا.
يبقى السؤال معلقًا في الهواء: هل يمكن ترميم هذه المنظومة لتوازن بين السرعة والجودة، بين الكم والنوع، أم أن ذلك يتطلب تغييرًا أعمق في فلسفة الإدارة والحكم التي تكافئ الاستعراض السريع على حساب التخطيط المحكم؟ في غياب إصلاح كهذا، سيظل المواطن المصري يصعد كل صباح إلى قطاره أو سيارته وهو يدعو الله أن يبلغه وجهته سالماً – مهما بلغت جودة الطرق نظريًا ومهما تباهى المسؤولون بالإنجازات. لأن جودة الحكم في النهاية هي ما يجعل جودة الطرق والمرافق ذات معنى حقيقي في حياة الناس، وما لم تتحقق تلك الجودة العليا، ستبقى الإنجازات المادية مجرّد واجهات براقة تخفي وراءها هشاشة مخيفة.












