ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

جنوب لبنان بين مفاوضات الدولة ورهانات الحزب وتوازن العجز

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليس فقدان الدولة اللبنانية قدرتها على التفاوض بشكل مستقل أمراً يدعو إلى التفاؤل، فما يترتب على ذلك هو ارتباط لبنان مجدداً بحرب استنزاف إقليمية يُعاد فيها إنتاج مشهد ترميد جنوب لبنان، على نطاقٍ أوسع جغرافياً، وعلى وقع جولة جديدة من المفاوضات الإقليمية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

للوهلة الأولى، يُثير اعتراض “حزب الله” على “إعلان واشنطن”، الموقَّع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية وزارة الخارجية الأميركية، امتعاض الكثير من اللبنانيين الآملين بوضع حدٍّ للتدهور الأمني، ويزيد الاحتقان ويؤجّج الانقسام الداخلي الحادّ. ردّة الفعل هذه طبيعية ومتوقّعة، فليس المطلوب من اللبنانيين جميعاً معرفة تفاصيل كل اتفاق ومراحله، وكل ما خفي منه وما بان، بينما هم ينتظرون “وقف إطلاق النار” لكي يعودوا إلى قراهم ومنازلهم أو ما تبقّى منها، وإلى حياتهم الطبيعية أو ما تبقّى منها. وعلى المقلب الآخر، يثير الاتفاق نفسه امتعاض المؤيدين للحزب، وجزءاً كبيراً من الجنوبيين، الذين يتوجّسون من خسارة أرضهم، وهو أيضاً ردُّ فعلٍ طبيعي ومتوقّع، للأسباب نفسها التي تنطبق على القسم الأول من اللبنانيين.

تتجاوز المعضلة مجدداً ثنائية التأييد والرفض المطلقين. ولا يسع أي ناقدٍ سوى أن يتعرَّض لمثل هذه الثنائية التي لا تتركُ هامشاً للمناورة السياسية، وتفرضها سرديّتان سائدتان بالنقد. فالرافضون بالمطلق يرون موقفهم محقّاً، وبالمطلق أيضاً، من منظور مقاومة إسرائيل التي تحتلّ الآن، في هذه اللحظة، جزءاً كبيراً من الأرض اللبنانية، وتستمرُّ في سعيها الى فرض واقعٍ أمني جديد على حساب جنوب لبنان والدولة اللبنانية في آنٍ. أما المؤيّدون بالمطلق فيرون موقفهم محقّاً، وبالمطلق أيضاً، من منظور رفضهم أن يكون أمن لبنان رهناً للحسابات الخارجية لإيران، التي لا تقيم وزناً حقيقياً للكارثة الإنسانية في لبنان، وتربط مصيره بأمنها القومي، متعاملةً معه كجزء من منظومة ردعها الإقليمي.

وعلى الرغم من استئناف المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران لساعات، وتعرّض وقف إطلاق النار الذي كان سارياً منذ نيسان/ أبريل بين الطرفين لخطر الانهيار، إثر تنفيذ إسرائيل غارةً استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن التوافق يبدو جليًا بين الخطابين الإيراني والأميركي في تحديد الخطوط الحمراء وما يمكن تجاوزه وما لا يمكن تجاوزه في لبنان، مثل وضع الضاحية (وبيروت ضمناً) مقابل مستوطنات الجليل، ثم تثبيت هذه المعادلة عملياً بعد تنفيذ إيران تهديداتها.

غير أن جنوب لبنان، الذي يتعرَّض للتدمير المنهجي بالغارات والقصف المدفعي وعمليات التفخيخ والنسف، يُترَك خارج هذه الحسابات، وكأنه هديةٌ أميركية-إيرانية لإسرائيل مقابل تقليصها نطاق القتل والتهجير والتدمير، أو إبطاء وتيرة توسع هذا النطاق. وهذا ما يدلُّ أيضاً على أن المفاوضات بين أميركا وإيران بالغة الجدية، وإلا لسمحت واشنطن لتل أبيب بقصف الضاحية مجدداً، ولما التزمت طهران بوقف هجماتها تلبيةً لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن واشنطن في الوقت نفسه تحاول استنزاف طهران اقتصاديًا لإخضاعها وفرض الاستسلام عليها. وعموماً، لا جديد في ما حاولت إيران إضافته إلى معادلة “الضاحية مقابل الجليل”، وهي معادلة كانت الدولة اللبنانية قد ثبّتتها أساساً، وهي سبب أساسي في امتعاض أهالي الجنوب الذين يرون فيها خنجراً في ظهورهم، ثم أتت صواريخ “حزب الله” غير النوعية وغير الدقيقة، التي لم تصب هدفاً، ولم يكن هدفها أن تصيب هدفاً مادياً أساساً، على مستوطنات الجليل، فردّت عليها تل أبيب بقصف الضاحية، لتجيير تلك المعادلة لصالح إيران، لا أكثر ولا أقل.

لكن لا شكّ في أن اعتراض “حزب الله” على “إعلان واشنطن”، والذي صدر بعد انتظار دام اثنتي عشرة ساعة تقريباً، محاكياً بذلك موقف الحرس الثوري الإيراني الذي سبقه إلى رفض نتائج التفاوض (ما يتعارض في العمق مع الرواية التي يروّجها الحزب حول أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية في منطلقاته، خلافاً لما يُشاع في أوساطه)، لا يمكن فهمه في الوقت ذاته بمعزل عن التراكمات التاريخية والتطورات الميدانية التي تحكم واقع الاشتباك المباشر مع إسرائيل في جنوب لبنان.

إلا أن السؤال لا ينبغي أن يكون عن “شرعية” هذا الاعتراض من عدمه، لمجرّد صدوره من الحرس الثوري، أو الحزب الذي أثبت أنه على النقيض من مشروع الدولة في لبنان، بل عن طبيعة هذا الاعتراض. فهل ينبني على موقفٍ نابع من قراءة واقعية، أم هو ردّ فعلٍ تفرضه حسابات الحرس الثوري وإيقاع المحادثات الأميركية – الإيرانية؟ والسؤال الأهم: هل “حزب الله” وحده من يعترض عليه؟ من هنا تتأكّد ضرورة رفض التبسيط المفرط السائد.

من منظور أي لبناني يرفض مبدئياً التفريط بأرضٍ لبنانية، ولا يجد إمكانية قيام دولةٍ لبنانية ذات سيادة حقيقية بالتوازي مع خسارة جزء من الأرض، فإن غياب أي نصٍّ يُلزم إسرائيل، حاضراً أو مستقبلاً، بشكل مباشر أو تدريجي، بالانسحاب من الأراضي التي احتلّتها (ودمّرتها)، يجعل من القبول بمثل هذا الاتفاق (وإن لم يكن نهائياً بعد) تبنّياً ضمنياً لمنطق مناهضة مشروع الدولة، أي اصطفاف سياسي ضمني في خندق “حزب الله” المعادي منذ تأسيسه لقيام دولةٍ فعلية ذات سيادة حقيقية في لبنان، حتى لو اختلفت الشعارات في الظاهر بشكلٍ جذري. الفرق كبيرٌ بين فرض إسرائيل وجودها العسكري في جنوب لبنان على الرغم من إرادة اللبنانيين، حتى لو طال أمد الاحتلال لعشرات السنين، وبين إضفاء الشرعية على هذا الوجود عبر منحه غطاءً قانونياً، ولو بشكلٍ غير مباشر.

لكن هناك مسألةٌ لا نوليها اهتماماً وتبدو، إلى هذا الحد أو ذاك، تقنيةً وتتعلَّق بالعقل الدبلوماسي الأميركي بشكل أساسي. فإذا قمنا بجولةٍ تاريخية على الاتفاقات التي وقَّعتها إسرائيل برعاية أميركية، نجدُ أنها لا تبدأ أبداً بانسحابات فورية، لكنها يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى انسحابات شاملة وفقاً لميزان القوى بالطبع. حتى في اتفاقية فصل القوات على الجبهة المصرية – الإسرائيلية (18 كانون الثاني/ يناير 1974)، وعلى الرغم من الانتصار المصري (باهظ الثمن) وسقوط خط بارليف وعبور الجيش المصري قناة السويس، فقد انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدريجياً من سيناء وليس مباشرة، ضمن ترتيبات شملت وقفاً لإطلاق النار، وفصلاً للقوات مع مناطق منزوعة السلاح ومحدودة التسليح، وإشرافاً من قوة طوارئ دولية.

وقد اعتبر الطرفان هذه الاتفاقية “خطوة أولى” نحو “سلام دائم”، وليس اتفاق سلام نهائياً. ومهَّدت هذه الاتفاقية الطريق لاتفاقية سيناء الثانية (4 أيلول/ سبتمبر 1975)، والتي شملت انسحاباً إضافياً للقوات الإسرائيلية والسيطرة المصرية على حقول النفط. لم تنصّ اتفاقيتا سيناء الأولى ولا الثانية صراحةً على انسحاب إسرائيلي شامل وفوري من كامل سيناء، بل كانتا بمثابة ترتيبات عسكرية مؤقتة. وهو ما يبدو مشابهاً إلى حدٍّ ما للاتفاق الأولي في واشنطن بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، إذ يبدو الإعلان بمثابة ترتيبات أمنية وعسكرية مرحلية ومؤقتة حتى الآن، مع شرطٍ إسرائيلي بانسحاب “حزب الله” الكامل من جنوب نهر الليطاني، على الرغم من أن وجوده لم يعد كبيراً.

وكما في سيناء، ففي جنوب لبنان، يطرح اتفاق واشنطن “مناطق تجريبية”، يتولى الجيش اللبناني وحده السيطرة الأمنية الحصرية داخلها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشاره فيها، كما أنها ستكون مفتوحة أمام أبنائها للعودة إليها تحت حماية الجيش، ولن تتعرض لقصفٍ إسرائيلي، وفقاً للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. أي أن شرط انسحاب “حزب الله” يقابله انتشار الجيش اللبناني، على الرغم من وجود فارقٍ تاريخي هائل في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل في الحالة اللبنانية مقارنةً بالحالة المصرية. وهو ما يستدعي بعض التفاؤل، غير أن هذا التفاؤل لا يلبث أن ينقلب إلى نقيضه حين نجد أن الاتفاق نفسه الذي ينصُّ (حتى الآن) على تأسيس “مناطق تجريبية” خاضعة للجيش اللبناني، يُشرعِن في المقابل بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في “مناطق أمنية” و”نقاط استراتيجية” من دون جدول زمني واضح للانسحاب، ومن دون تلميحٍ الى إمكانية وجود جدولٍ زمني للانسحاب في المستقبل.

وعلى الرغم أيضاً من تثبيت الدولة اللبنانية موقفها أمام المجتمع الدولي والدول العربية الداعمة، ما استدعى موجةً واسعة النطاق من الاستنكار الدولي والعربي للغارة الإسرائيلية التي استهدفت دورية للجيش اللبناني على طريق الخردلي – كفرتبنيت في النبطية، وأسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين، وهو استنكارٌ لا نرى له مثيلاً حين تُدمَّر قرى وتُقتَل عائلات كاملة باعتداءات إسرائيلية يومية، فإن إسرائيل تجد في التفاوض مع الدولة اللبنانية حرباً من نوعٍ آخر.

إسرائيل تخوض حربين لا حرباً واحدة: حربٌ ضد “حزب الله” وأخرى ضد الشرعية اللبنانية. إذ لا تكتفي بقضم أراضي جنوب لبنان بذريعة مواجهة “حزب الله” الذي يشكّل، حسب زعمها، تهديداً لأمنها (وهو ما ينفيه عددٌ من المحلّلين والباحثين الإسرائيليين بقولهم إن الحزب أصبح خارج المعادلة ولم يعد يشكّل تهديداً وجودياً وحقيقياً لإسرائيل)، بل تحاول تمريغ أنف السلطات اللبنانية وتمزيق ورقة قوّتها الوحيدة، أي شرعيتها الدولية، مستغلةً الانقسام الداخلي الحادّ، مضاعفةً منسوب الضغط عبر “رفع الكلفة”، سواء من خلال التوسيع اليومي التدريجي لدائرة الاستهداف بالغارات الجوية، أو من خلال التنكيل بالقرى الجنوبية نسفاً وجرفاً كما يُنكَّل بجثة، أو حتى من خلال الاستهدافات المباشرة للجيش اللبناني بين الحين والآخر وما يمثّله ذلك من رسائل للدولة اللبنانية لفرض مزيد من التنازلات التفاوضية.

وكما تخوض إسرائيل حربين، فإن الدولة اللبنانية و”حزب الله” يخوضان أيضاً حربين على جبهتين منفصلتين لكن متداخلتين في الوقت ذاته. فالدولة تعمل على الانضمام إلى ما يشبه حلف بغداد جديد (هذه المرة بوجه إيران وليس الاتحاد السوفياتي) يجمع عدداً من الدول العربية، على رأسها الحكومة السورية الجديدة. في حين يعمل “حزب الله” على تحويل لبنان إلى ساحة إيرانية بالكامل، مستغلاً الحرب لتحقيق ما عجز عن تحقيقه في فترات السلم سابقاً، مبخّساً جهود الدولة الدبلوماسية، ومتعمّداً رفع السقف إلى مستويات غير واقعية لا تمتّ إلى ميزان القوى الفعلي بصلة. وفي الحالين، لا شيء يحدّ من الخطر الإسرائيلي. ففي الحالة الأولى تنازلات تبدو حتمية، وفي الثانية رهانات تبدو قاتلة ربما ستجرّ المزيد من التنازلات مستقبلاً. وفي الحالين أيضاً، فإن تكثيف هذا التناقض سيولّد انفجاراً داخلياً يضاعف الخطر الإسرائيلي، وهو في حد ذاته ليس أقلّ خطراً من ذاك الآتي من الخارج.

إذاً، موضع الخلاف الحقيقي في ما يتعلّق بالاتفاق ليس فقط في مبدأ الانسحاب الفوري مقابل التدريجي، بل في أي محورٍ من المحورين المتضادّين (حتى الآن) سيتموضع لبنان في المرحلة المقبلة. ومن هنا، حتى يزول الغموض حول هذا التموضع، فإن جنوب لبنان عبارة عن ساحة لتصفية الحسابات، وإيصال الرسائل، وتحديد ميزان القوى الجديد في الإقليم، في نظر جميع الأطراف المتصارعة باستثناء أهل الجنوب وحدهم، حتى وإن تجرّع جزءٌ كبيرٌ منهم سرديّة “حزب الله” انطلاقاً من تعاطفٍ وتضامنٍ مع مقاتليه في الجنوب، ومعظمهم من أبناء البلدات المحتلّة. ويمكن لهذا الخلاف أن يستحيل سراباً بالكامل في حال توصّلت واشنطن وطهران إلى تسوية سياسية لإدارة نفوذهما في المنطقة ولبنان ضمناً، شبيهة بالمعادلة التي فرضها الطرفان في العراق بعد إسقاطهما نظام صدام حسين عام 2003، سواء على مستوى تشكيل لجان أمنية مشتركة، أو التوافق على أسماء مرشحين ورؤساء، أو التحالف ضد أعداء مشتركين (من صدام حسين إلى “داعش”)… أو حتى بالتسوية الضمنية بين الطرفين في ما يخصّ “حق إيران” بالردّ على الاعتداءات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في حين يُترَك جنوب لبنان لقمةً سائغة في فم الوحش الصهيوني.

لا يحدِّد “إعلان واشنطن” بعد جدولاً زمنياً أو آلية لأي انسحاب، ولا ينصّ أساساً على انسحاب شامل. في المقابل، فإن إصرار “حزب الله” على “الانسحاب الفوري” كمقدمة لأي تنازل منه، وكأن المفاوضات يمكن أن تبدأ من حيث انتهت حرب تموز/ يوليو 2006، يتجاهل الاختلال في ميزان القوى اليوم، على الرغم من الأضرار المتزايدة التي يتكبّدها جيش الاحتلال الإسرائيلي. فالأخير لا يتوقّف تقدّمه في اتجاه بلدات جديدة تسقط ضحية الترميد لا الاحتلال فحسب، ولا يبدو كأنه يكترث للخسائر البشرية والمادية بحجمها الحالي، بل يعتبرها جزءاً من تكلفة محدَّدة مسبقاً لمثل هذا الاشتباك، لم تتجاوز بعد الحد الأقصى، مقابل تحقيقه ما يفوق الحد الأدنى من المكاسب العسكرية والاستراتيجية التي يطمح إليها، تماماً كما تصرَّف في قطاع غزة.

في هذا السياق، يُترجَم فرض “حزب الله” لشرط “الكل أو لا شيء” إلى لا شيء. وهو يبدو في الظاهر فرضاً لشرطِ رفضٍ عدميّ، إلا أنه في الباطن فرضٌ لشرطِ طهران السياسي، وسرعان ما أتى الردّ الإسرائيلي على هذا الرفض الذي ترجمه الحزب باستهداف مستوطنات الجليل، في قصفٍ على مبنى سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الأحد الماضي، والأرجح أن الاستهدافين كانا بتوجيه أميركي وإيراني، أميركي بغية إضعاف ورقة إيران في لبنان عبر تجاوز “الخط الأحمر” الذي رسمته في إسلام آباد، وبسببه تعرّض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتوبيخ من قبل ترامب منذ أيام حين أعلنت إسرائيل عن نيّتها قصف الضاحية الجنوبية، وإيراني بهدف استغلال التوقيت المناسب قبيل افتتاح مباريات كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة بالمشاركة مع كندا والمكسيك لفرض معادلة جديدة. فأي تنازلٍ إيراني عن لبنان كورقة ضغطٍ في سياق المحادثات مع واشنطن، هو إضعافٌ لباقي أوراق إيران، وهو ما يُرجّح أن ترامب حاول تحقيقه بشكل غير مباشر عبر نتانياهو. وعلى هذا الأساس يتصرَّف الحزب أيضاً، مراهناً على أن ما ستحقّقه إيران من مكاسب سينعكس إلى مكاسب محقّقة في لبنان، ومطالباً الدولة اللبنانية بالالتفاف حوله وحول المحور الإيراني، غير آبهٍ بالنتائج العسكرية والاقتصادية والسياسية المباشرة والمتراكمة.

فإذا دقَّقنا في ديناميكيات القوة، ولم نكتفِ بمعادلات الردع العسكري فحسب على الرغم من أسبقيتها، بل أخذنا بالاعتبار جميع ما يملك لبنان من مواقع الثقل والتأثير السياسي، وما يصنع معادلة ردعٍ أكثر تعقيداً، حتى لو كانت أطرافها متصارعة في السياسة (وربما لاحقاً، وللأسف، في ما هو أبعد من ذلك)، فإن عدم التماهي بين الدولة اللبنانية و”حزب الله” هو بالذات ما يحمي لبنان اليوم من سيناريو السحق التام ويشتري لنا الوقت. وهذا ما يدركه “حزب الله”، لكنه ينطلق من هذا التناقض الذي يخدمه ويخدم اللبنانيين جميعاً موضوعياً، مستغلاً إياه في التعبئة السياسية، وفي تحويل خسائره في حربٍ لم يكتفِ بالمبادرة إليها، بل تعهَّد بتغيير مجرى سابقتها، إلى خسائر لدولةٍ لم تكن في وارد إقامة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من موقع ضعفٍ وعجز، وكانت لا تزال تمارس دورها في ضبط خلايا الموساد على الأراضي اللبنانية، ومحاكمة المتّهمين بالتواصل مع إسرائيل، على الرغم من هشاشتها وتعرّضها لشتى أنواع الاختراق بدورها، في حين كان العملاء ينخرون جسد الحزب من أقصاه إلى أقصاه، ومعه جسد الحرس الثوري الإيراني.

الأجدى بـ “حزب الله” أن يلتفّ هو حول الدولة، ولالتفافه هذا ثقلٌ في السياسة من شأنه التأثير في الخطاب الرسمي من دون أن يعرّض لبنان للسيناريو الأكثر دموية. غير أن مثل هذا الالتفاف يتطلّب تجريد الحزب نفسه من جزءٍ أساسي من هويته، ولذلك تبعاتٌ مادية مباشرة ليس بإمكان الحزب أن يتحمّلها، وهو مسؤولٌ عن قاعدةٍ اجتماعية تلقَّت ضربات موجعة، وعائلات فقدت معيليها، إلا إذا توافرت له بدائل. بالتالي، فإن شرط التفاف الحزب حول الدولة يتحقَّق أولاً عبر توفير الدولة شبكة الأمان الاجتماعي (والسياسي) لقاعدة الحزب، وثانياً عبر ضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وثالثاً عبر استعادة الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ورابعاً عبر إطلاق مشروع إعادة الإعمار. هذه مسؤولية الدولة اللبنانية، أولاً وآخراً، لكن مسؤولية الحزب جوهرية في الوقت ذاته، فهو إما أن يكون مع الدولة أو ضدها. وحتى الآن، هو ضد الدولة، ليس فقط لأنها انخرطت في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، بل لأنها، قبل أي شيء آخر، بدأت تتصرّف كدولة، على الرغم من عجزها العسكري. أي أنها تنافسه على نفوذه بشكلٍ مباشر، وهي قادرة على ذلك، بخاصةً إذا ما توقّف إطلاق النار.

لكن لو كان مظهر الأشياء وجوهرها يتطابقان، لما كان هناك أي داعٍ لهذا الحديث. فالحقيقة أن كلَي الطرفين، أي الحزب والدولة، في هذه اللحظة المحدَّدة من التاريخ، على صواب جزئياً، وكليهما على خطأ جزئياً. فالنتائج الأولية للمفاوضات المباشرة تحمل حمولة عدائية تتجاوز منطق وقف النار إلى منطق الصدام الكلي بين مشروعين متناقضين، كما تحمل في طياتها احتمال تحوّل السلطات اللبنانية إلى سلطات تنسيقٍ أمني مع إسرائيل، وفي ذلك عبءٌ مستقبلي ليس في وسع المجتمع اللبناني بأسره تحمّله. في المقابل، يتعامل “حزب الله” مع سلاحه كحق مكتسب لا يُساوم عليه، متجاهلاً أن هذا السلاح تحوَّل، في ظل الحرب الحالية، إلى عبء هائل على من يحمله قبل غيره من اللبنانيين، حتى لو كان في الوقت نفسه يشكل خيط أمل بالنسبة إلى الكثير من الجنوبيين الذين دُمِّرَت بيوتهم واحتُلَّت قراهم، ولذا نراهم يستشرسون في الدفاع عنه حتى لو كان هذا الدفاع مسدود الأفق.

أين الحلّ للوضع المتفجر في لبنان؟ 

في المدى المنظور لا حلّ كلي ولا مباشر، ولا حتى حلول جزئية مباشرة. وكلا الرهانين الموضوعين أمام اللبنانيين محفوفان بالمخاطر الكبيرة. 

فلا ثقة تامة في طهران على الرغم من دفاعها عن حليفها “حزب الله”، فموقف إيران الأخير لم ولن يمنع احتلال إسرائيل جزءاً كبيراً من جنوب لبنان، وأتى متأخراً بعد أشهر من التفاوض على وقع التدمير والنسف والتهجير. ولا ثقة تامة في واشنطن على الرغم من منعها إسرائيل من قصف بيروت، ومن التعرض للبنى التحتية الحيوية والمطار والمرافئ، واستهداف الجيش اللبناني بهدف تدميره لا بهدف إيصال الرسائل، فإدارة ترامب لن تمنع أي ضربة مباشرة يمكن أن تنفذها إسرائيل ضد الدولة اللبنانية لإغراق الداخل اللبناني في مستنقع حربٍ أهلية حتى لو رفضت ذلك. كما أن القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران كان هدف إيران منه إلغاء مفاعيل أي اتفاق ثنائي لبناني-إسرائيلي كان مبنيّاً على افتراض أن إيران طرف غير مباشر في المعادلة، وفرض إيران نفوذها في لبنان مجدداً يعيد لبنان إلى المربع الأول حيث يصبح أي حلٍّ فيه مرتبطاً بتسوية شاملة أميركية-إيرانية.

كل تبشيرٍ بمنطق الخلاص اليوم، سواء كان في تصوير “حزب الله” أو الدولة مخلِّصاً، ليس سوى هروب من شروط الواقع، وارتهان لوعيٍ غيبي يستبدل مواجهة السقوط (وليس الاستسلام له) بالغرق في يوتوبيا إلهية أو دولتية (Statist Utopia)، ويمنح كلاً من الحزب والدولة قداسةً تُخفي عجزهما عن تغيير شروط واقعٍ مأزوم ومتفجّر، لكلٍ منهما دورٌ في تأزيمه ودفعه نحو الانفجار. ولا أدعو في هذا السياق إلى الاستسلام لأي ديستوبيا، بل إلى الاعتراف بالخسارة بشروطها الزمانية بكل بساطة. وعلى أساس هذا الاعتراف يمكن التفكير في كيفية تحقيق أي مكاسب. مكاسب ليست بمعنى انتصارات، بل بمعنى تقليص الأضرار والسيطرة على النزيف. وربما يكون أول الاعترافات أن إسرائيل فرضت “حرية العمل العسكري” بالقوة، ثم عادت وكرّسته أيضاً بالقوة، فاتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 والمسار التفاوضي اليوم هما نتاجُ الواقع الميداني أولاً، وهذا الواقع، الذي يزداد سوءاً، لم يعد بالإمكان التصادم معه بغية تجاوزه بالأدوات نفسها التي أنتجته في المقام الأول.

لستُ في وارد التهليل لمشهد القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل، على الرغم من ضرورة وضع حدّ للتمادي الإسرائيلي في لبنان بأي وسيلة كانت، فما يحدث يُحتمَل أن يعيد إنتاج الكارثة نفسها على نطاقٍ أوسع. ليس فقدان الدولة اللبنانية قدرتها على التفاوض بشكل مستقل أمراً يدعو إلى التفاؤل، فما يترتب على ذلك هو ارتباط لبنان مجدداً بحرب استنزاف إقليمية يُعاد فيها إنتاج مشهد ترميد جنوب لبنان، على نطاقٍ أوسع جغرافياً، وعلى وقع جولة جديدة من المفاوضات الإقليمية. كما أنني لستُ في وارد التهليل للمسار الذي تتبعه الدولة اللبنانية في مفاوضاتها المباشرة حالياً، إذ تجد نفسها مضطرة إلى القبول بعدد من الشروط الإسرائيلية التي يمكن تأجيلها أو رفضها، وأخطرها التنسيق الأمني المباشر مع إسرائيل، من دون غطاءٍ إقليمي ودولي يوازي كفّة القوى. كلا السيناريوهين المفروضين على اللبنانيين اليوم، بشكل أو بآخر، يحمل في طياته نهاية مأساوية.

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
09.06.2026
زمن القراءة: 13 minutes

ليس فقدان الدولة اللبنانية قدرتها على التفاوض بشكل مستقل أمراً يدعو إلى التفاؤل، فما يترتب على ذلك هو ارتباط لبنان مجدداً بحرب استنزاف إقليمية يُعاد فيها إنتاج مشهد ترميد جنوب لبنان، على نطاقٍ أوسع جغرافياً، وعلى وقع جولة جديدة من المفاوضات الإقليمية.

للوهلة الأولى، يُثير اعتراض “حزب الله” على “إعلان واشنطن”، الموقَّع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية وزارة الخارجية الأميركية، امتعاض الكثير من اللبنانيين الآملين بوضع حدٍّ للتدهور الأمني، ويزيد الاحتقان ويؤجّج الانقسام الداخلي الحادّ. ردّة الفعل هذه طبيعية ومتوقّعة، فليس المطلوب من اللبنانيين جميعاً معرفة تفاصيل كل اتفاق ومراحله، وكل ما خفي منه وما بان، بينما هم ينتظرون “وقف إطلاق النار” لكي يعودوا إلى قراهم ومنازلهم أو ما تبقّى منها، وإلى حياتهم الطبيعية أو ما تبقّى منها. وعلى المقلب الآخر، يثير الاتفاق نفسه امتعاض المؤيدين للحزب، وجزءاً كبيراً من الجنوبيين، الذين يتوجّسون من خسارة أرضهم، وهو أيضاً ردُّ فعلٍ طبيعي ومتوقّع، للأسباب نفسها التي تنطبق على القسم الأول من اللبنانيين.

تتجاوز المعضلة مجدداً ثنائية التأييد والرفض المطلقين. ولا يسع أي ناقدٍ سوى أن يتعرَّض لمثل هذه الثنائية التي لا تتركُ هامشاً للمناورة السياسية، وتفرضها سرديّتان سائدتان بالنقد. فالرافضون بالمطلق يرون موقفهم محقّاً، وبالمطلق أيضاً، من منظور مقاومة إسرائيل التي تحتلّ الآن، في هذه اللحظة، جزءاً كبيراً من الأرض اللبنانية، وتستمرُّ في سعيها الى فرض واقعٍ أمني جديد على حساب جنوب لبنان والدولة اللبنانية في آنٍ. أما المؤيّدون بالمطلق فيرون موقفهم محقّاً، وبالمطلق أيضاً، من منظور رفضهم أن يكون أمن لبنان رهناً للحسابات الخارجية لإيران، التي لا تقيم وزناً حقيقياً للكارثة الإنسانية في لبنان، وتربط مصيره بأمنها القومي، متعاملةً معه كجزء من منظومة ردعها الإقليمي.

وعلى الرغم من استئناف المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران لساعات، وتعرّض وقف إطلاق النار الذي كان سارياً منذ نيسان/ أبريل بين الطرفين لخطر الانهيار، إثر تنفيذ إسرائيل غارةً استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن التوافق يبدو جليًا بين الخطابين الإيراني والأميركي في تحديد الخطوط الحمراء وما يمكن تجاوزه وما لا يمكن تجاوزه في لبنان، مثل وضع الضاحية (وبيروت ضمناً) مقابل مستوطنات الجليل، ثم تثبيت هذه المعادلة عملياً بعد تنفيذ إيران تهديداتها.

غير أن جنوب لبنان، الذي يتعرَّض للتدمير المنهجي بالغارات والقصف المدفعي وعمليات التفخيخ والنسف، يُترَك خارج هذه الحسابات، وكأنه هديةٌ أميركية-إيرانية لإسرائيل مقابل تقليصها نطاق القتل والتهجير والتدمير، أو إبطاء وتيرة توسع هذا النطاق. وهذا ما يدلُّ أيضاً على أن المفاوضات بين أميركا وإيران بالغة الجدية، وإلا لسمحت واشنطن لتل أبيب بقصف الضاحية مجدداً، ولما التزمت طهران بوقف هجماتها تلبيةً لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن واشنطن في الوقت نفسه تحاول استنزاف طهران اقتصاديًا لإخضاعها وفرض الاستسلام عليها. وعموماً، لا جديد في ما حاولت إيران إضافته إلى معادلة “الضاحية مقابل الجليل”، وهي معادلة كانت الدولة اللبنانية قد ثبّتتها أساساً، وهي سبب أساسي في امتعاض أهالي الجنوب الذين يرون فيها خنجراً في ظهورهم، ثم أتت صواريخ “حزب الله” غير النوعية وغير الدقيقة، التي لم تصب هدفاً، ولم يكن هدفها أن تصيب هدفاً مادياً أساساً، على مستوطنات الجليل، فردّت عليها تل أبيب بقصف الضاحية، لتجيير تلك المعادلة لصالح إيران، لا أكثر ولا أقل.

لكن لا شكّ في أن اعتراض “حزب الله” على “إعلان واشنطن”، والذي صدر بعد انتظار دام اثنتي عشرة ساعة تقريباً، محاكياً بذلك موقف الحرس الثوري الإيراني الذي سبقه إلى رفض نتائج التفاوض (ما يتعارض في العمق مع الرواية التي يروّجها الحزب حول أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية في منطلقاته، خلافاً لما يُشاع في أوساطه)، لا يمكن فهمه في الوقت ذاته بمعزل عن التراكمات التاريخية والتطورات الميدانية التي تحكم واقع الاشتباك المباشر مع إسرائيل في جنوب لبنان.

إلا أن السؤال لا ينبغي أن يكون عن “شرعية” هذا الاعتراض من عدمه، لمجرّد صدوره من الحرس الثوري، أو الحزب الذي أثبت أنه على النقيض من مشروع الدولة في لبنان، بل عن طبيعة هذا الاعتراض. فهل ينبني على موقفٍ نابع من قراءة واقعية، أم هو ردّ فعلٍ تفرضه حسابات الحرس الثوري وإيقاع المحادثات الأميركية – الإيرانية؟ والسؤال الأهم: هل “حزب الله” وحده من يعترض عليه؟ من هنا تتأكّد ضرورة رفض التبسيط المفرط السائد.

من منظور أي لبناني يرفض مبدئياً التفريط بأرضٍ لبنانية، ولا يجد إمكانية قيام دولةٍ لبنانية ذات سيادة حقيقية بالتوازي مع خسارة جزء من الأرض، فإن غياب أي نصٍّ يُلزم إسرائيل، حاضراً أو مستقبلاً، بشكل مباشر أو تدريجي، بالانسحاب من الأراضي التي احتلّتها (ودمّرتها)، يجعل من القبول بمثل هذا الاتفاق (وإن لم يكن نهائياً بعد) تبنّياً ضمنياً لمنطق مناهضة مشروع الدولة، أي اصطفاف سياسي ضمني في خندق “حزب الله” المعادي منذ تأسيسه لقيام دولةٍ فعلية ذات سيادة حقيقية في لبنان، حتى لو اختلفت الشعارات في الظاهر بشكلٍ جذري. الفرق كبيرٌ بين فرض إسرائيل وجودها العسكري في جنوب لبنان على الرغم من إرادة اللبنانيين، حتى لو طال أمد الاحتلال لعشرات السنين، وبين إضفاء الشرعية على هذا الوجود عبر منحه غطاءً قانونياً، ولو بشكلٍ غير مباشر.

لكن هناك مسألةٌ لا نوليها اهتماماً وتبدو، إلى هذا الحد أو ذاك، تقنيةً وتتعلَّق بالعقل الدبلوماسي الأميركي بشكل أساسي. فإذا قمنا بجولةٍ تاريخية على الاتفاقات التي وقَّعتها إسرائيل برعاية أميركية، نجدُ أنها لا تبدأ أبداً بانسحابات فورية، لكنها يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى انسحابات شاملة وفقاً لميزان القوى بالطبع. حتى في اتفاقية فصل القوات على الجبهة المصرية – الإسرائيلية (18 كانون الثاني/ يناير 1974)، وعلى الرغم من الانتصار المصري (باهظ الثمن) وسقوط خط بارليف وعبور الجيش المصري قناة السويس، فقد انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدريجياً من سيناء وليس مباشرة، ضمن ترتيبات شملت وقفاً لإطلاق النار، وفصلاً للقوات مع مناطق منزوعة السلاح ومحدودة التسليح، وإشرافاً من قوة طوارئ دولية.

وقد اعتبر الطرفان هذه الاتفاقية “خطوة أولى” نحو “سلام دائم”، وليس اتفاق سلام نهائياً. ومهَّدت هذه الاتفاقية الطريق لاتفاقية سيناء الثانية (4 أيلول/ سبتمبر 1975)، والتي شملت انسحاباً إضافياً للقوات الإسرائيلية والسيطرة المصرية على حقول النفط. لم تنصّ اتفاقيتا سيناء الأولى ولا الثانية صراحةً على انسحاب إسرائيلي شامل وفوري من كامل سيناء، بل كانتا بمثابة ترتيبات عسكرية مؤقتة. وهو ما يبدو مشابهاً إلى حدٍّ ما للاتفاق الأولي في واشنطن بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، إذ يبدو الإعلان بمثابة ترتيبات أمنية وعسكرية مرحلية ومؤقتة حتى الآن، مع شرطٍ إسرائيلي بانسحاب “حزب الله” الكامل من جنوب نهر الليطاني، على الرغم من أن وجوده لم يعد كبيراً.

وكما في سيناء، ففي جنوب لبنان، يطرح اتفاق واشنطن “مناطق تجريبية”، يتولى الجيش اللبناني وحده السيطرة الأمنية الحصرية داخلها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشاره فيها، كما أنها ستكون مفتوحة أمام أبنائها للعودة إليها تحت حماية الجيش، ولن تتعرض لقصفٍ إسرائيلي، وفقاً للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. أي أن شرط انسحاب “حزب الله” يقابله انتشار الجيش اللبناني، على الرغم من وجود فارقٍ تاريخي هائل في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل في الحالة اللبنانية مقارنةً بالحالة المصرية. وهو ما يستدعي بعض التفاؤل، غير أن هذا التفاؤل لا يلبث أن ينقلب إلى نقيضه حين نجد أن الاتفاق نفسه الذي ينصُّ (حتى الآن) على تأسيس “مناطق تجريبية” خاضعة للجيش اللبناني، يُشرعِن في المقابل بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في “مناطق أمنية” و”نقاط استراتيجية” من دون جدول زمني واضح للانسحاب، ومن دون تلميحٍ الى إمكانية وجود جدولٍ زمني للانسحاب في المستقبل.

وعلى الرغم أيضاً من تثبيت الدولة اللبنانية موقفها أمام المجتمع الدولي والدول العربية الداعمة، ما استدعى موجةً واسعة النطاق من الاستنكار الدولي والعربي للغارة الإسرائيلية التي استهدفت دورية للجيش اللبناني على طريق الخردلي – كفرتبنيت في النبطية، وأسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين، وهو استنكارٌ لا نرى له مثيلاً حين تُدمَّر قرى وتُقتَل عائلات كاملة باعتداءات إسرائيلية يومية، فإن إسرائيل تجد في التفاوض مع الدولة اللبنانية حرباً من نوعٍ آخر.

إسرائيل تخوض حربين لا حرباً واحدة: حربٌ ضد “حزب الله” وأخرى ضد الشرعية اللبنانية. إذ لا تكتفي بقضم أراضي جنوب لبنان بذريعة مواجهة “حزب الله” الذي يشكّل، حسب زعمها، تهديداً لأمنها (وهو ما ينفيه عددٌ من المحلّلين والباحثين الإسرائيليين بقولهم إن الحزب أصبح خارج المعادلة ولم يعد يشكّل تهديداً وجودياً وحقيقياً لإسرائيل)، بل تحاول تمريغ أنف السلطات اللبنانية وتمزيق ورقة قوّتها الوحيدة، أي شرعيتها الدولية، مستغلةً الانقسام الداخلي الحادّ، مضاعفةً منسوب الضغط عبر “رفع الكلفة”، سواء من خلال التوسيع اليومي التدريجي لدائرة الاستهداف بالغارات الجوية، أو من خلال التنكيل بالقرى الجنوبية نسفاً وجرفاً كما يُنكَّل بجثة، أو حتى من خلال الاستهدافات المباشرة للجيش اللبناني بين الحين والآخر وما يمثّله ذلك من رسائل للدولة اللبنانية لفرض مزيد من التنازلات التفاوضية.

وكما تخوض إسرائيل حربين، فإن الدولة اللبنانية و”حزب الله” يخوضان أيضاً حربين على جبهتين منفصلتين لكن متداخلتين في الوقت ذاته. فالدولة تعمل على الانضمام إلى ما يشبه حلف بغداد جديد (هذه المرة بوجه إيران وليس الاتحاد السوفياتي) يجمع عدداً من الدول العربية، على رأسها الحكومة السورية الجديدة. في حين يعمل “حزب الله” على تحويل لبنان إلى ساحة إيرانية بالكامل، مستغلاً الحرب لتحقيق ما عجز عن تحقيقه في فترات السلم سابقاً، مبخّساً جهود الدولة الدبلوماسية، ومتعمّداً رفع السقف إلى مستويات غير واقعية لا تمتّ إلى ميزان القوى الفعلي بصلة. وفي الحالين، لا شيء يحدّ من الخطر الإسرائيلي. ففي الحالة الأولى تنازلات تبدو حتمية، وفي الثانية رهانات تبدو قاتلة ربما ستجرّ المزيد من التنازلات مستقبلاً. وفي الحالين أيضاً، فإن تكثيف هذا التناقض سيولّد انفجاراً داخلياً يضاعف الخطر الإسرائيلي، وهو في حد ذاته ليس أقلّ خطراً من ذاك الآتي من الخارج.

إذاً، موضع الخلاف الحقيقي في ما يتعلّق بالاتفاق ليس فقط في مبدأ الانسحاب الفوري مقابل التدريجي، بل في أي محورٍ من المحورين المتضادّين (حتى الآن) سيتموضع لبنان في المرحلة المقبلة. ومن هنا، حتى يزول الغموض حول هذا التموضع، فإن جنوب لبنان عبارة عن ساحة لتصفية الحسابات، وإيصال الرسائل، وتحديد ميزان القوى الجديد في الإقليم، في نظر جميع الأطراف المتصارعة باستثناء أهل الجنوب وحدهم، حتى وإن تجرّع جزءٌ كبيرٌ منهم سرديّة “حزب الله” انطلاقاً من تعاطفٍ وتضامنٍ مع مقاتليه في الجنوب، ومعظمهم من أبناء البلدات المحتلّة. ويمكن لهذا الخلاف أن يستحيل سراباً بالكامل في حال توصّلت واشنطن وطهران إلى تسوية سياسية لإدارة نفوذهما في المنطقة ولبنان ضمناً، شبيهة بالمعادلة التي فرضها الطرفان في العراق بعد إسقاطهما نظام صدام حسين عام 2003، سواء على مستوى تشكيل لجان أمنية مشتركة، أو التوافق على أسماء مرشحين ورؤساء، أو التحالف ضد أعداء مشتركين (من صدام حسين إلى “داعش”)… أو حتى بالتسوية الضمنية بين الطرفين في ما يخصّ “حق إيران” بالردّ على الاعتداءات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في حين يُترَك جنوب لبنان لقمةً سائغة في فم الوحش الصهيوني.

لا يحدِّد “إعلان واشنطن” بعد جدولاً زمنياً أو آلية لأي انسحاب، ولا ينصّ أساساً على انسحاب شامل. في المقابل، فإن إصرار “حزب الله” على “الانسحاب الفوري” كمقدمة لأي تنازل منه، وكأن المفاوضات يمكن أن تبدأ من حيث انتهت حرب تموز/ يوليو 2006، يتجاهل الاختلال في ميزان القوى اليوم، على الرغم من الأضرار المتزايدة التي يتكبّدها جيش الاحتلال الإسرائيلي. فالأخير لا يتوقّف تقدّمه في اتجاه بلدات جديدة تسقط ضحية الترميد لا الاحتلال فحسب، ولا يبدو كأنه يكترث للخسائر البشرية والمادية بحجمها الحالي، بل يعتبرها جزءاً من تكلفة محدَّدة مسبقاً لمثل هذا الاشتباك، لم تتجاوز بعد الحد الأقصى، مقابل تحقيقه ما يفوق الحد الأدنى من المكاسب العسكرية والاستراتيجية التي يطمح إليها، تماماً كما تصرَّف في قطاع غزة.

في هذا السياق، يُترجَم فرض “حزب الله” لشرط “الكل أو لا شيء” إلى لا شيء. وهو يبدو في الظاهر فرضاً لشرطِ رفضٍ عدميّ، إلا أنه في الباطن فرضٌ لشرطِ طهران السياسي، وسرعان ما أتى الردّ الإسرائيلي على هذا الرفض الذي ترجمه الحزب باستهداف مستوطنات الجليل، في قصفٍ على مبنى سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الأحد الماضي، والأرجح أن الاستهدافين كانا بتوجيه أميركي وإيراني، أميركي بغية إضعاف ورقة إيران في لبنان عبر تجاوز “الخط الأحمر” الذي رسمته في إسلام آباد، وبسببه تعرّض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتوبيخ من قبل ترامب منذ أيام حين أعلنت إسرائيل عن نيّتها قصف الضاحية الجنوبية، وإيراني بهدف استغلال التوقيت المناسب قبيل افتتاح مباريات كأس العالم التي تستضيفها الولايات المتحدة بالمشاركة مع كندا والمكسيك لفرض معادلة جديدة. فأي تنازلٍ إيراني عن لبنان كورقة ضغطٍ في سياق المحادثات مع واشنطن، هو إضعافٌ لباقي أوراق إيران، وهو ما يُرجّح أن ترامب حاول تحقيقه بشكل غير مباشر عبر نتانياهو. وعلى هذا الأساس يتصرَّف الحزب أيضاً، مراهناً على أن ما ستحقّقه إيران من مكاسب سينعكس إلى مكاسب محقّقة في لبنان، ومطالباً الدولة اللبنانية بالالتفاف حوله وحول المحور الإيراني، غير آبهٍ بالنتائج العسكرية والاقتصادية والسياسية المباشرة والمتراكمة.

فإذا دقَّقنا في ديناميكيات القوة، ولم نكتفِ بمعادلات الردع العسكري فحسب على الرغم من أسبقيتها، بل أخذنا بالاعتبار جميع ما يملك لبنان من مواقع الثقل والتأثير السياسي، وما يصنع معادلة ردعٍ أكثر تعقيداً، حتى لو كانت أطرافها متصارعة في السياسة (وربما لاحقاً، وللأسف، في ما هو أبعد من ذلك)، فإن عدم التماهي بين الدولة اللبنانية و”حزب الله” هو بالذات ما يحمي لبنان اليوم من سيناريو السحق التام ويشتري لنا الوقت. وهذا ما يدركه “حزب الله”، لكنه ينطلق من هذا التناقض الذي يخدمه ويخدم اللبنانيين جميعاً موضوعياً، مستغلاً إياه في التعبئة السياسية، وفي تحويل خسائره في حربٍ لم يكتفِ بالمبادرة إليها، بل تعهَّد بتغيير مجرى سابقتها، إلى خسائر لدولةٍ لم تكن في وارد إقامة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من موقع ضعفٍ وعجز، وكانت لا تزال تمارس دورها في ضبط خلايا الموساد على الأراضي اللبنانية، ومحاكمة المتّهمين بالتواصل مع إسرائيل، على الرغم من هشاشتها وتعرّضها لشتى أنواع الاختراق بدورها، في حين كان العملاء ينخرون جسد الحزب من أقصاه إلى أقصاه، ومعه جسد الحرس الثوري الإيراني.

الأجدى بـ “حزب الله” أن يلتفّ هو حول الدولة، ولالتفافه هذا ثقلٌ في السياسة من شأنه التأثير في الخطاب الرسمي من دون أن يعرّض لبنان للسيناريو الأكثر دموية. غير أن مثل هذا الالتفاف يتطلّب تجريد الحزب نفسه من جزءٍ أساسي من هويته، ولذلك تبعاتٌ مادية مباشرة ليس بإمكان الحزب أن يتحمّلها، وهو مسؤولٌ عن قاعدةٍ اجتماعية تلقَّت ضربات موجعة، وعائلات فقدت معيليها، إلا إذا توافرت له بدائل. بالتالي، فإن شرط التفاف الحزب حول الدولة يتحقَّق أولاً عبر توفير الدولة شبكة الأمان الاجتماعي (والسياسي) لقاعدة الحزب، وثانياً عبر ضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وثالثاً عبر استعادة الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية، ورابعاً عبر إطلاق مشروع إعادة الإعمار. هذه مسؤولية الدولة اللبنانية، أولاً وآخراً، لكن مسؤولية الحزب جوهرية في الوقت ذاته، فهو إما أن يكون مع الدولة أو ضدها. وحتى الآن، هو ضد الدولة، ليس فقط لأنها انخرطت في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، بل لأنها، قبل أي شيء آخر، بدأت تتصرّف كدولة، على الرغم من عجزها العسكري. أي أنها تنافسه على نفوذه بشكلٍ مباشر، وهي قادرة على ذلك، بخاصةً إذا ما توقّف إطلاق النار.

لكن لو كان مظهر الأشياء وجوهرها يتطابقان، لما كان هناك أي داعٍ لهذا الحديث. فالحقيقة أن كلَي الطرفين، أي الحزب والدولة، في هذه اللحظة المحدَّدة من التاريخ، على صواب جزئياً، وكليهما على خطأ جزئياً. فالنتائج الأولية للمفاوضات المباشرة تحمل حمولة عدائية تتجاوز منطق وقف النار إلى منطق الصدام الكلي بين مشروعين متناقضين، كما تحمل في طياتها احتمال تحوّل السلطات اللبنانية إلى سلطات تنسيقٍ أمني مع إسرائيل، وفي ذلك عبءٌ مستقبلي ليس في وسع المجتمع اللبناني بأسره تحمّله. في المقابل، يتعامل “حزب الله” مع سلاحه كحق مكتسب لا يُساوم عليه، متجاهلاً أن هذا السلاح تحوَّل، في ظل الحرب الحالية، إلى عبء هائل على من يحمله قبل غيره من اللبنانيين، حتى لو كان في الوقت نفسه يشكل خيط أمل بالنسبة إلى الكثير من الجنوبيين الذين دُمِّرَت بيوتهم واحتُلَّت قراهم، ولذا نراهم يستشرسون في الدفاع عنه حتى لو كان هذا الدفاع مسدود الأفق.

أين الحلّ للوضع المتفجر في لبنان؟ 

في المدى المنظور لا حلّ كلي ولا مباشر، ولا حتى حلول جزئية مباشرة. وكلا الرهانين الموضوعين أمام اللبنانيين محفوفان بالمخاطر الكبيرة. 

فلا ثقة تامة في طهران على الرغم من دفاعها عن حليفها “حزب الله”، فموقف إيران الأخير لم ولن يمنع احتلال إسرائيل جزءاً كبيراً من جنوب لبنان، وأتى متأخراً بعد أشهر من التفاوض على وقع التدمير والنسف والتهجير. ولا ثقة تامة في واشنطن على الرغم من منعها إسرائيل من قصف بيروت، ومن التعرض للبنى التحتية الحيوية والمطار والمرافئ، واستهداف الجيش اللبناني بهدف تدميره لا بهدف إيصال الرسائل، فإدارة ترامب لن تمنع أي ضربة مباشرة يمكن أن تنفذها إسرائيل ضد الدولة اللبنانية لإغراق الداخل اللبناني في مستنقع حربٍ أهلية حتى لو رفضت ذلك. كما أن القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران كان هدف إيران منه إلغاء مفاعيل أي اتفاق ثنائي لبناني-إسرائيلي كان مبنيّاً على افتراض أن إيران طرف غير مباشر في المعادلة، وفرض إيران نفوذها في لبنان مجدداً يعيد لبنان إلى المربع الأول حيث يصبح أي حلٍّ فيه مرتبطاً بتسوية شاملة أميركية-إيرانية.

كل تبشيرٍ بمنطق الخلاص اليوم، سواء كان في تصوير “حزب الله” أو الدولة مخلِّصاً، ليس سوى هروب من شروط الواقع، وارتهان لوعيٍ غيبي يستبدل مواجهة السقوط (وليس الاستسلام له) بالغرق في يوتوبيا إلهية أو دولتية (Statist Utopia)، ويمنح كلاً من الحزب والدولة قداسةً تُخفي عجزهما عن تغيير شروط واقعٍ مأزوم ومتفجّر، لكلٍ منهما دورٌ في تأزيمه ودفعه نحو الانفجار. ولا أدعو في هذا السياق إلى الاستسلام لأي ديستوبيا، بل إلى الاعتراف بالخسارة بشروطها الزمانية بكل بساطة. وعلى أساس هذا الاعتراف يمكن التفكير في كيفية تحقيق أي مكاسب. مكاسب ليست بمعنى انتصارات، بل بمعنى تقليص الأضرار والسيطرة على النزيف. وربما يكون أول الاعترافات أن إسرائيل فرضت “حرية العمل العسكري” بالقوة، ثم عادت وكرّسته أيضاً بالقوة، فاتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 والمسار التفاوضي اليوم هما نتاجُ الواقع الميداني أولاً، وهذا الواقع، الذي يزداد سوءاً، لم يعد بالإمكان التصادم معه بغية تجاوزه بالأدوات نفسها التي أنتجته في المقام الأول.

لستُ في وارد التهليل لمشهد القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل، على الرغم من ضرورة وضع حدّ للتمادي الإسرائيلي في لبنان بأي وسيلة كانت، فما يحدث يُحتمَل أن يعيد إنتاج الكارثة نفسها على نطاقٍ أوسع. ليس فقدان الدولة اللبنانية قدرتها على التفاوض بشكل مستقل أمراً يدعو إلى التفاؤل، فما يترتب على ذلك هو ارتباط لبنان مجدداً بحرب استنزاف إقليمية يُعاد فيها إنتاج مشهد ترميد جنوب لبنان، على نطاقٍ أوسع جغرافياً، وعلى وقع جولة جديدة من المفاوضات الإقليمية. كما أنني لستُ في وارد التهليل للمسار الذي تتبعه الدولة اللبنانية في مفاوضاتها المباشرة حالياً، إذ تجد نفسها مضطرة إلى القبول بعدد من الشروط الإسرائيلية التي يمكن تأجيلها أو رفضها، وأخطرها التنسيق الأمني المباشر مع إسرائيل، من دون غطاءٍ إقليمي ودولي يوازي كفّة القوى. كلا السيناريوهين المفروضين على اللبنانيين اليوم، بشكل أو بآخر، يحمل في طياته نهاية مأساوية.