ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“جهاز مستقبل مصر”: كيف يبني السيسي اقتصاداً يتبع له وحده!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يجمع القانون في “جهاز مستقبل مصر” أدواراً تتوزّع عادة على جهات عدّة. يخطّط، وينفذ، ويستثمر، ويموّل، وينظّم، ويرخّص، في آن واحد. يديره مجلس لا يزيد أعضاؤه عن 14، لا علاقة للبرلمان بتعيينهم، ورئيسه بدرجة وزير، ويحقّ لرئيس الجمهورية نقل أصول الدولة وحصص الشركات العامّة إلى الجهاز أو صندوقه، ويستطيع الصندوق الاستحواذ على صناديق سيادية أخرى مملوكة للدولة أو دمجها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 26 تمّوز/ يوليو 2026، صدّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 147 لسنة 2026، ونشر في الجريدة الرسمية في عددها 30 مكرّر. 

بموجبه صار “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، الذي بدأ مشروعاً لاستصلاح 500 فدان في الصحراء، شخصيّة اعتبارية مستقلّة تتبع رئاسة الجمهورية، تخطّط وتنفّذ وتستثمر وتموّل وترخّص، ولها صندوق ثروة سيادي خاصّ بها.

والجهاز كيان أنشئ في عام 2017 تابعاً للقوّات الجوّية، بدأ باستصلاح الأرض وإنتاج الغذاء، ثم توسّع حتى صار يدير مشروع الدلتا الجديدة، ويستورد نحو 5 ملايين طن من القمح للخبز المدعوم سنوياً بدل وزارة التموين، ويدخل العقارات والمناجم. 

حتى صدور القانون، كان يعمل تحت المظلّة العسكرية بميزانية لا تخضع للرقابة المعتادة، إلى أن جاء القانون فنقله إلى تبعية الرئاسة.

سبق صدور القانون جدل حادّ استمرّ أسابيع بعد أن كشفت وكالة “رويترز” مسوّدته في 7 تمّوز/ يوليو. مرّ المشروع إلى البرلمان بعد يوم واحد، ووافق عليه المجلس نهائياً في 14 تمّوز/ يوليو بعد يومين من المناقشة، ثم صدّق عليه الرئيس ونُشر. من إحالته إلى نفاذه، لم يمرّ سوى نحو 3 أسابيع. الإقرار حسم الإجراء، لكنّه لم يحسم السؤالين اللذين دار حولهما الجدل، وهما سؤالان يتجاوزان أي مادّة بعينها. أي اقتصاد تبنيه الدولة بهذا الكيان؟ ومن يملك محاسبته؟

المفارقة الأولى أن دولة تعلن في كل مناسبة وفي برنامجها مع صندوق النقد الدولي، أنها تريد تقليص حضورها في الاقتصاد وتوسيع القطاع الخاصّ، بنت في الوقت نفسه أضخم كيان اقتصادي في تاريخها الحديث، وجعلته يتبع الرئاسة، ومنحته من الإعفاءات ما يميّزه على أي منافس. هذا التناقض هو مدخل أي قراءة جادّة للقانون. طرف يقول إن الدولة تنسحب، وطرف يقول إنها تعيد تجميع قوّتها الاقتصادية في يد واحدة. 

جهة تمنح لنفسها التراخيص

يجمع القانون في الجهاز أدواراً تتوزّع عادة على جهات عدّة. يخطّط، وينفذ، ويستثمر، ويموّل، وينظّم، ويرخّص، في آن واحد. يديره مجلس لا يزيد أعضاؤه عن 14، لا علاقة للبرلمان بتعيينهم، ورئيسه بدرجة وزير. ينشئ صندوقين، صندوق ثروة سيادي باسم “أهرامات النيل” يستثمر الأصول التي تخصّصها له الدولة داخل مصر وخارجها، وصندوق خدمي باسم “داعم” يوجّه العوائد إلى التعليم والصحّة والإسكان. ويحقّ لرئيس الجمهورية نقل أصول الدولة وحصص الشركات العامّة إلى الجهاز أو صندوقه، ويستطيع الصندوق الاستحواذ على صناديق سيادية أخرى مملوكة للدولة أو دمجها.

هذا البند الأخير يستحقّ وقفة. لمصر صندوق سيادي قائم منذ سنوات، تحوّلت إليه أصول من طراز الفنادق التاريخية. القانون الجديد يتيح لصندوق “أهرامات النيل” أن يبتلع صناديق كتلك أو يدمجها. تصبح البلاد أمام صندوقين سياديين متوازيين، لكل منهما موازنته وقواعده، ويغيب تفسير رسمي واضح للعلاقة بينهما، وأيّهما المرجعية في إدارة أصول الدولة الاستراتيجية.

ينشئ القانون مناطق تنمية مستدامة تعامل معاملة المناطق الحرّة في الضرائب والجمارك، ويتولّى الجهاز فيها التنظيم والترخيص ووضع قواعد التصدير والاستيراد. الأراضي التي آلت إليه قبل القانون تصير مناطق تنمية مستدامة بقرار من رئيس الجمهورية خلال 3 أشهر من نفاذه. وداخل هذه المناطق، يتولّى الجهاز البحث والاستغلال في المناجم والمحاجر والملاحات، بعد أن أضاف البرلمان في اللحظة الأخيرة نصّاً يؤكّد بقاء الثروة المعدنية ملكاً للشعب.

ينشئ الجهاز مركز خدمة للأراضي والمنشآت تصدر شهاداته التراخيص، وتصبح نهائية ونافذة إذا لم تعترض الجهة المعنيّة خلال أسبوعين. وتبقى للجهاز إعفاءات واسعة. لا يسري عليه قانون الهيئات العامّة، ولا قانون هيئات القطاع العامّ وشركاته، ولا قانون الحدّ الأقصى للدخول لدى أجهزة الدولة. وللعاملين المنتدبين إليه مهلة تصل إلى 4 سنوات لتوفيق أوضاعهم.

ترسم هذه التفاصيل في مجموعها صورة كيان يعمل بقواعد خاصّة. جهة تصدر تراخيصها بنفسها، وتستثنى من قوانين تنظّم بقيّة أجهزة الدولة، وتدير مناطق تعامل معاملة المناطق الحرّة، وتبحث عن الثروة المعدنية وتستغلّها داخل أرضها. 

أضاف البرلمان نصّاً يؤكّد بقاء الثروة المعدنية ملكاً للشعب، وهو نصّ يطمئن في ظاهره. لكنّ الفارق بين ملكية الشعب للثروة وبين من يديرها ويستغلّها ويحدّد عوائدها، فارق جوهري.

يصف رئيس الجهاز بهاء الغنّام هذه البنية بأنها تحويل للجهاز إلى حاضنة أعمال تفتح الطريق أمام الاستثمار الخاصّ. القراءة النقدية تراها على نحو آخر. كيان واحد يحمل صلاحيات كانت موزّعة على وزارات ومحافظات وهيئات، ويعمل بقواعد مختلفة عن قواعدها.

وصف الحاضنة نفسه يستحقّ التدقيق. الحاضنة تفتح الباب للاعبين وتنسحب حين يقفون على أقدامهم. أما جهة تملك الأرض وتمنح الترخيص وتستثمر وتنافس في القطاع نفسه، فموقعها أقرب إلى الشريك المهيمن منه إلى الحاضن المحايد. المستثمر الذي يدخل في شراكة مع جهاز يملك هذه الأدوات كلها يدخل في علاقة غير متكافئة. 


كتاب مقدّس لا مشروع قانون

قبل أن يصير القانون نافذاً، دار حوله نقاش برلماني حادّ. رفضته 4 أحزاب، وتحفّظ خامس. في الجلسة المشتركة التي استمرّت نحو 8 ساعات، وصف النائب أحمد فرغلي المشروع بأنه أشبه بكتاب مقدّس لا مشروع قانون، وحذّر من عوار دستوري، ومن أن رئيس الجهاز نال صلاحيات توازي رئيس الوزراء دون رقابة مماثلة. ورأت النائبة إيرين سعيد أن الجهاز يشبه حكومة موازية دون رقيب، وأن تقييد الطعن على تصرّفاته يمسّ حقّ التقاضي الذي يكفله الدستور. وحذّر النائب محمّد عبد العليم داوود من أن القانون قد يؤدّي إلى دولة داخل الدولة، ويتعارض مع قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة. ولم تخلُ الجلسة من انفعال، حين لمّح نائب من الموالاة إلى الخيانة في وصف من يرفض القانون، فاعترض زملاء، وتدخّل رئيس اللجنة، فاعتذر النائب وطلب حذف العبارة من المضبطة.

في المقابل، دافعت الأغلبية عن المشروع بوصفه تقنيناً لتجربة ناجحة. أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب “مستقبل وطن” موافقة حزبه، متحدّثاً عن شبه إجماع داخله على ما حقّقه الجهاز. وأشاد نوّاب بدوره في الأمن الغذائي، ورأوا أن القانون يمنحه المرونة اللازمة للعمل في قطاعات استراتيجية. النقطة المشتركة بين معظم المعترضين لم تكن رفض أهداف الجهاز المعلنة. كانت القلق من صلاحياته الواسعة وإعفاءاته الاستثنائية من دون رقابة موازية.

طرحت أيضاً أسئلة عن المسار نفسه. تساءل رئيس حزب “الجبهة الديمقراطية” هلال عبد الحميد عمّا إذا كان المشروع أحيل إلى مجلس الدولة لمراجعته وفق الدستور، وقد انتقل من توقيع مدير الجهاز إلى البرلمان في أيّام، وأشار إلى أن ديباجته استندت إلى أكثر من 100 مرجع تشريعي. السرعة التي مرّ بها قانون يمسّ أصول الدولة وأنشطتها الاقتصادية صارت جزءاً من الاعتراض. قانون بهذا الوزن، يناقَش في أيّام، ويقرّ قبيل رفع البرلمان جلساته حتى تشرين الأوّل/ أكتوبر، يترك انطباعاً بأن النقاش كان محسوم النتيجة قبل أن يبدأ.

اقتصاد بابان

الاقتصاد المصري، كما يقرأه المحلّل علاء بيومي، يقسم إلى 4 فروع قائمة. الأوّل الموازنة العامّة التي تديرها الحكومة من الضرائب وتنفق منها على الوزارات. والثاني الهيئات العامّة كهيئة قناة السويس، لها موازناتها الخاصّة رغم جهود ضمّها إلى الموازنة العامّة. والثالث الاقتصاد العسكري بميزانياته غير المعلنة، وأيّ مشروع تدخله شركة تابعة للقوّات المسلّحة تتحوّل تفاصيله المالية إلى السرّية. والرابع الاقتصاد غير الرسمي الواسع الذي يوظّف أعداداً كبيرة خارج التسجيل والرقابة.
القانون يضيف فرعاً خامساً. كيان يتبع الرئيس مباشرة، بصلاحيات ضخمة وموازنة مستقلّة، وقد يبتلع مع الوقت أجزاء من الفروع الأخرى حين تنتقل إليه شركات وأصول، أو حين يستحوذ صندوقه على صناديق سيادية قائمة.

بهذا نقترب من نموذج يشبه اقتصاد محمّد علي، بحسب بيومي، حيث تملك الدولة وتدير وتوجّه، ورئيس له جهاز اقتصادي تابع له. 

في عهد محمّد علي، كانت الدولة التاجر والصانع والمالك الأوحد تقريباً. التشبيه يعبّر عن رأي صاحبه، ويبقى محلّ نقاش، لكنّه يضع إصبعه على سؤال يصعب تجاوزه. الدولة تقول إن البيروقراطية عقبة، وإن الجهاز يمنح المرونة اللازمة لتجاوزها. فإذا كانت وزارة النقل أو غيرها لا تؤدّي دورها، فما الذي يضمن أن الكيان الجديد سيؤدّيه بكلفة أقلّ، وبأيّ ثمن رقابي؟ الحلّ الآخر، الذي لم تختره الدولة، إصلاح المؤسّسة القائمة بدل بناء بديل موازٍ يعمل بقواعد مختلفة.
نشر موقع “مدى مصر” تحليلاً نقل فيه عن مصدر قضائي أن البرلمان لا يملك مساءلة رئيس الجمهورية إلا في حالتي الخيانة العظمى أو التقصير الجسيم، وأن رقابته الفعلية تنحصر في الحكومة ورئيس الوزراء. إخضاع جهة لسلطة الرئيس مباشرة، والرئيس لا يخضع لمساءلة روتينية، يعني عملياً سحبها من أيّ دائرة محاسبة قائمة. يقرأ التحليل القانون على أنه يشطر إدارة الدولة إلى نصفين. يبقى الوزراء والمحافظون ورؤساء المدن يديرون المرافق والخدمات، بينما يتولّى الجهاز إدارة أراضي الدولة وأنشطتها الاقتصادية. صار لدينا، بهذا المعنى، مساران لإدارة البلد.

هذه القراءة تفسّر لماذا لم تكن عودة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، بعد أن حذف البرلمان المادّة التي كانت تستثني الجهاز منها، كافية لتهدئة القلق. الرقابة المالية تفحص الحسابات. لكنّها لا تعالج مسألة أعمق تتعلّق بموقع الجهاز في بنية السلطة. حين يتبع كيان اقتصادي بهذا الحجم رئيساً لا تصل إليه أدوات المساءلة اليومية، يصبح السؤال عن الرقابة سؤالاً سياسياً. من يقرّر ماذا ينقل إلى الجهاز؟ الرئيس. من ينشئ مناطقه؟ الرئيس. من يحدّد ما يعود إلى الخزانة من عوائده؟ الرئيس. الخيوط كلها تنتهي إلى موضع واحد.

تنمية بمقاييس قرن مضى

يظلّ سؤال الجدوى هو الأهمّ لا سؤال الشكل القانوني وحده. العالم اليوم يتنافس في الذكاء الصناعي، وتصنيع الرقائق، والمعادن النادرة، والتكنولوجيا المتقدّمة. أرباح شركاته تقاس بالتريليونات، وقيمة شركة واحدة منها تتجاوز ناتج دول بأكملها. مشروع الجهاز، في جوهره، استصلاح أرض، وبنية تحتية، وعقار، وصناعة غذائية، حتى لو نجح في استصلاح 4.5 مليون فدان وبنى المدن، فأي عائد يضيفه ذلك؟ إنفاق مصر على البحث العلمي منخفض، وصناعاتها في معظمها تجميعية تنتظر أن تأتيها المصانع من الخارج. 

يرى مؤيّدو الجهاز أن الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الاستيراد أولوية استراتيجية مشروعة، وأن الاستقرار الغذائي شرط لأيّ نهضة لاحقة… لكنّ سؤال الجدوى يظلّ قائماً في صورة أدقّ حين ننظر إلى ما تتقاطع معه اختصاصات الجهاز. يلاحظ الباحث حسن البربري أن هذه الاختصاصات تتقاطع مع وزارات التموين والزراعة والاستثمار والصناعة والإسكان والتنمية المحلّية، وأن استمرار المسار قد يقلّص تدريجياً الأدوار التنفيذية لبعض هذه الوزارات، وينقل جانباً متزايداً من اختصاصاتها إلى الجهاز. لا نتحدّث إذاً عن لاعب جديد يضاف إلى الملعب. نتحدّث عن لاعب قد يزيح لاعبين آخرين ويحلّ محلّهم، ويجمع في يده ما كان موزّعاً على وزارات بأكملها.

أدخل البرلمان في اللحظة الأخيرة تعديلات تمسّ جوهر الاعتراضات، ونجحت المعارضة، رغم قلّة عددها، في انتزاع بعضها.

أبرز تعديل جرى حذف المادّة التي كانت تستثني الجهاز وصندوقيه من رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، فصارا خاضعين للقواعد العامّة للرقابة المالية. واشترطت موافقة مجلس النوّاب على قرارات إنشاء مناطق التنمية المستدامة. وأضيف رئيس المجلس إلى الجهات التي تتلقّى التقرير السنوي. وحُذفت مادّة كانت تلزم الخزانة العامّة بسداد ضرائب الجهاز، فصار يتحمّلها بنفسه.

ثم جاء التعديل الأكثر دلالة، وأكثرها التباساً. كانت المسوّدة تحدّد نسبة تتراوح بين 7 و10 في المئة من عوائد الصندوق تعود إلى الخزانة. حذف البرلمان هذا الحدّ الأقصى. أوضحت اللجنة أن الجهاز لا يُعفى من توريد فوائضه للخزانة، لكنّه لا يخضع للقواعد التي تفرض على الهيئات نسبة محدّدة توردها. بدلاً من ذلك، يقرّر رئيس الجمهورية، بناء على عرض وزير المالية وبعد أخذ رأي مجلس إدارة الجهاز، كم يعود إلى الخزانة بحسب الظروف… لكن من ناحية أخرى، لم يعد ثمّة نسبة مضمونة تعود إلى الموازنة العامّة، بل تقدير يقرّره الرئيس حالة بحالة. المسوّدة كانت تضمن للخزانة حداً أدنى ولو صغيراً، القانون النافذ ترك الأمر مفتوحاً.

هذه التعديلات ليست شكلية، تعيد بعض الرقابة التي غابت عن المسوّدة، لكنّها لم تمسّ جوهر القلق، بقيت تبعية الجهاز للرئاسة، حيث تمرّ خيوط القرار الأساسية، بقيت صلاحية نقل الأصول العامّة بقرار رئاسي، بقيت الإعفاءات من قوانين الأجور والقطاع العامّ، وبقي تحديد ما يعود إلى الخزانة من أرباحه رهن قرار رئاسي. 

الأدق أن يقال إن البرلمان قلّص الاستثناء دون أن ينهيه، وإن الرقابة تحسّنت على الورق أكثر ممّا تغيّر جوهر الكيان.

ثمّة فارق بين رقابة على الورق والرقابة الحقيقية. عودة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات مكسب حقيقي، لكنّ قيمتها ترتبط بمداها. هل تصل إلى تفاصيل العقود واختيار الشركاء وتحديد الرسوم داخل مناطق التنمية، أم تقف عند مراجعة حسابات ختامية بعد فوات الأوان؟ الاشتراط على البرلمان الموافقة على إنشاء المناطق ضمانة عند لحظة التأسيس، لكنّه لا يمتدّ بالضرورة إلى ما يجري بعد ذلك من تخصيص أراضٍ وإدارة عوائد. 

يزيد من حدّة السؤال أن القانون يركّز سلطة الترخيص في يد الجهاز. حين يصير مركز خدمة الأراضي والمنشآت هو من يصدر التراخيص، وتصبح شهاداته نهائية إذا صمتت الجهة المعنيّة أسبوعين، ينتقل ميزان القرار إلى داخل الجهاز، ويصير على الجهات الأخرى أن تعترض في مهلة قصيرة أو تعتبر موافقة. هذا ترتيب يسرّع الإنجاز، وهو ما تريده الحكومة، وهو في الوقت نفسه يضعف موقع من يفترض أن يراقب.

يعود بنا هذا إلى المفارقة التي بدأنا منها. الحكومة تلتزم أمام صندوق النقد الدولي بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتوسيع القطاع الخاصّ عبر التخارج وبيع الأصول. القانون يسير في اتّجاه معاكس ظاهرياً، يجمع أصولاً وصلاحيات داخل كيان سيادي واحد يتمتّع بإعفاءات استثنائية. صندوق النقد يطالب بالحياد التنافسي وإلغاء الامتيازات الممنوحة لكيانات الدولة. أيّ مستثمر، مصري أو أجنبي، سيدخل منافسة مع جهة تجمع القوّة المالية والصلاحيات الرئاسية والإعفاء من قوانين المناقصات والأجور؟ يحذّر تحليل نشر بعد الإقرار من أثر هذا التوسّع على علاقة مصر بالمؤسّسات المالية الدولية، وعلى قدرة القطاع الخاصّ على المنافسة.

برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد يقترب من نهايته، وقد تصرف آخر شريحة قرب نهاية العام، فهل يمرّ القانون في لحظة تراجعت فيها قدرة الصندوق على الاعتراض، أم أن حاجة مصر إلى تمويل لاحق ستبقي شرط الحياد التنافسي قائماً؟ سؤال يخصّ احتمالات لم تحسم. حتى الآن، لم يصدر عن الصندوق موقف معلن من القانون، ولم تظهر ردود فعل واضحة في الأسواق، ما ظهر مخاوف يطرحها محلّلون، لا موقف رسمي.

يضاف إلى ذلك قلق الدين. يملك الجهاز حقّ إصدار سندات وبيع ديون بشكل مستقلّ، في وقت يثقل فيه الدين كاهل البلاد، ويصعب فيه تقدير حجمه بدقّة لأنه موزّع على مؤسّسات مختلفة. الخوف أن يضيف الكيان الجديد أداة استدانة خارج الرقابة المعتادة، تزيد صورة الدين غموضاً، وكذلك أن يتكرّر نمط تحمّلت فيه الموازنة العامّة، القائمة على ضرائب المواطنين، ديون الهيئات السيادية عند تعثّرها، بينما تبقى أرباحها، حين تربح، بعيدة عن الخزانة إلا بما يقرّره قرار رئاسي. إن كانت هذه الكيانات رابحة إلى هذا الحدّ، فلماذا تتكرّر الأزمات؟ وإن لم تكن، فمن يتحمّل خسائرها؟ لا تتوفّر إجابة، لأن أرباحها وخسائرها تبقى خارج الأرقام المعلنة.

ثمّة سؤال أعمق عن الصندوق السيادي نفسه. تلاحظ قراءة في مصر 360 أن الصناديق السيادية نشأت في بلدان تملك فائضاً مالياً تدخّره للأجيال القادمة أو للأزمات، كدول الخليج والصين وسنغافورة صاحبة الفوائض التجارية الكبيرة. مصر ليست في هذا الموضع، تدير عجزاً وديوناً، وتبيع أصولاً لسدّ فجوات التمويل. إنشاء صندوق سيادي جديد في بلد على هذا الحال يطرح سؤالاً عن مصدر الأصول التي سيديرها، وعمّا إذا كان تدويراً لأصول قائمة أكثر منه ادخاراً لثروة فائضة.

اللافت أن المعارضة، بعد أن خسرت المعركة، تبنّت خطاباً مزدوجاً. رفضت فلسفة القانون، ونسبت لنفسها الفضل في تحسين رقابته. قال النائب ضياء الدين داوود إن تعديلات جوهرية أدخلها نوّاب المعارضة عزّزت الرقابة رغم كونهم أقلّية، وإن أيّ إشكاليات مستقبلية يمكن معالجتها بتعديلات تشريعية لاحقة. في هذا الموقف اعتراف مبطن، أن ما مرّ ليس النصّ الأسوأ الذي كان ممكناً، وأنه في الوقت نفسه ليس النصّ الذي يطمئن. حزب “المصري الديمقراطي الاجتماعي” عبّر عن المعادلة نفسها حين قال إنه رفض القانون على أساس فلسفة إنشائه، لكنّه نجح في تعديل موادّ مهمّة.

هذا الخطاب المزدوج يكشف أن طبيعة النقاش لم تكن بين رفض كامل وقبول كامل لمشروع القانون، كان تفاوضاً على حدود الاستثناء داخل نصّ القانون. المعارضة تعرف أنها أقلّية، فاختارت أن تنتزع ما تستطيع من ضمانات، ثم تسجّل اعتراضها على الأصل، الأغلبية أرادت تمرير القانون، فقبلت بعض التعديلات التي لا تمسّ جوهره. النتيجة نصّ أقلّ استثنائية من مسوّدته، وأكثر استثنائية، من أيّ كيان اقتصادي آخر في الدولة.

القانون الآن نافذ، الأسئلة التي أثارها تنتقل من قاعة البرلمان إلى أرض التطبيق. أيّ أصول ستنقل فعلاً إلى الجهاز وصندوقه؟ وبأيّ قيمة تقيم؟ كيف تفعل رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات التي استعيدت على الورق؟ وهل تصل إلى تفاصيل العقود واختيار الشركاء أم تقف عند التقارير؟ كم من فوائض الجهاز سيقرّر الرئيس أيلولته إلى الخزانة؟ ماذا سيحلّ بالصندوق السيادي القائم؟ وكيف يتعامل صندوق النقد والمستثمرون مع كيان بهذه الامتيازات؟ الزمن وحده سيجيب.

ما يمكن قوله الآن إن الدولة اختارت. حين تقرّر تغيير طريقة إدارة اقتصادها، تمضي دون معارضة قادرة على وقفها، وبسرعة تجعل قانوناً بهذا الحجم يمرّ من خلال البرلمان في أسبوع.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
08.08.2026
زمن القراءة: 11 minutes

يجمع القانون في “جهاز مستقبل مصر” أدواراً تتوزّع عادة على جهات عدّة. يخطّط، وينفذ، ويستثمر، ويموّل، وينظّم، ويرخّص، في آن واحد. يديره مجلس لا يزيد أعضاؤه عن 14، لا علاقة للبرلمان بتعيينهم، ورئيسه بدرجة وزير، ويحقّ لرئيس الجمهورية نقل أصول الدولة وحصص الشركات العامّة إلى الجهاز أو صندوقه، ويستطيع الصندوق الاستحواذ على صناديق سيادية أخرى مملوكة للدولة أو دمجها.

في 26 تمّوز/ يوليو 2026، صدّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 147 لسنة 2026، ونشر في الجريدة الرسمية في عددها 30 مكرّر. 

بموجبه صار “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، الذي بدأ مشروعاً لاستصلاح 500 فدان في الصحراء، شخصيّة اعتبارية مستقلّة تتبع رئاسة الجمهورية، تخطّط وتنفّذ وتستثمر وتموّل وترخّص، ولها صندوق ثروة سيادي خاصّ بها.

والجهاز كيان أنشئ في عام 2017 تابعاً للقوّات الجوّية، بدأ باستصلاح الأرض وإنتاج الغذاء، ثم توسّع حتى صار يدير مشروع الدلتا الجديدة، ويستورد نحو 5 ملايين طن من القمح للخبز المدعوم سنوياً بدل وزارة التموين، ويدخل العقارات والمناجم. 

حتى صدور القانون، كان يعمل تحت المظلّة العسكرية بميزانية لا تخضع للرقابة المعتادة، إلى أن جاء القانون فنقله إلى تبعية الرئاسة.

سبق صدور القانون جدل حادّ استمرّ أسابيع بعد أن كشفت وكالة “رويترز” مسوّدته في 7 تمّوز/ يوليو. مرّ المشروع إلى البرلمان بعد يوم واحد، ووافق عليه المجلس نهائياً في 14 تمّوز/ يوليو بعد يومين من المناقشة، ثم صدّق عليه الرئيس ونُشر. من إحالته إلى نفاذه، لم يمرّ سوى نحو 3 أسابيع. الإقرار حسم الإجراء، لكنّه لم يحسم السؤالين اللذين دار حولهما الجدل، وهما سؤالان يتجاوزان أي مادّة بعينها. أي اقتصاد تبنيه الدولة بهذا الكيان؟ ومن يملك محاسبته؟

المفارقة الأولى أن دولة تعلن في كل مناسبة وفي برنامجها مع صندوق النقد الدولي، أنها تريد تقليص حضورها في الاقتصاد وتوسيع القطاع الخاصّ، بنت في الوقت نفسه أضخم كيان اقتصادي في تاريخها الحديث، وجعلته يتبع الرئاسة، ومنحته من الإعفاءات ما يميّزه على أي منافس. هذا التناقض هو مدخل أي قراءة جادّة للقانون. طرف يقول إن الدولة تنسحب، وطرف يقول إنها تعيد تجميع قوّتها الاقتصادية في يد واحدة. 

جهة تمنح لنفسها التراخيص

يجمع القانون في الجهاز أدواراً تتوزّع عادة على جهات عدّة. يخطّط، وينفذ، ويستثمر، ويموّل، وينظّم، ويرخّص، في آن واحد. يديره مجلس لا يزيد أعضاؤه عن 14، لا علاقة للبرلمان بتعيينهم، ورئيسه بدرجة وزير. ينشئ صندوقين، صندوق ثروة سيادي باسم “أهرامات النيل” يستثمر الأصول التي تخصّصها له الدولة داخل مصر وخارجها، وصندوق خدمي باسم “داعم” يوجّه العوائد إلى التعليم والصحّة والإسكان. ويحقّ لرئيس الجمهورية نقل أصول الدولة وحصص الشركات العامّة إلى الجهاز أو صندوقه، ويستطيع الصندوق الاستحواذ على صناديق سيادية أخرى مملوكة للدولة أو دمجها.

هذا البند الأخير يستحقّ وقفة. لمصر صندوق سيادي قائم منذ سنوات، تحوّلت إليه أصول من طراز الفنادق التاريخية. القانون الجديد يتيح لصندوق “أهرامات النيل” أن يبتلع صناديق كتلك أو يدمجها. تصبح البلاد أمام صندوقين سياديين متوازيين، لكل منهما موازنته وقواعده، ويغيب تفسير رسمي واضح للعلاقة بينهما، وأيّهما المرجعية في إدارة أصول الدولة الاستراتيجية.

ينشئ القانون مناطق تنمية مستدامة تعامل معاملة المناطق الحرّة في الضرائب والجمارك، ويتولّى الجهاز فيها التنظيم والترخيص ووضع قواعد التصدير والاستيراد. الأراضي التي آلت إليه قبل القانون تصير مناطق تنمية مستدامة بقرار من رئيس الجمهورية خلال 3 أشهر من نفاذه. وداخل هذه المناطق، يتولّى الجهاز البحث والاستغلال في المناجم والمحاجر والملاحات، بعد أن أضاف البرلمان في اللحظة الأخيرة نصّاً يؤكّد بقاء الثروة المعدنية ملكاً للشعب.

ينشئ الجهاز مركز خدمة للأراضي والمنشآت تصدر شهاداته التراخيص، وتصبح نهائية ونافذة إذا لم تعترض الجهة المعنيّة خلال أسبوعين. وتبقى للجهاز إعفاءات واسعة. لا يسري عليه قانون الهيئات العامّة، ولا قانون هيئات القطاع العامّ وشركاته، ولا قانون الحدّ الأقصى للدخول لدى أجهزة الدولة. وللعاملين المنتدبين إليه مهلة تصل إلى 4 سنوات لتوفيق أوضاعهم.

ترسم هذه التفاصيل في مجموعها صورة كيان يعمل بقواعد خاصّة. جهة تصدر تراخيصها بنفسها، وتستثنى من قوانين تنظّم بقيّة أجهزة الدولة، وتدير مناطق تعامل معاملة المناطق الحرّة، وتبحث عن الثروة المعدنية وتستغلّها داخل أرضها. 

أضاف البرلمان نصّاً يؤكّد بقاء الثروة المعدنية ملكاً للشعب، وهو نصّ يطمئن في ظاهره. لكنّ الفارق بين ملكية الشعب للثروة وبين من يديرها ويستغلّها ويحدّد عوائدها، فارق جوهري.

يصف رئيس الجهاز بهاء الغنّام هذه البنية بأنها تحويل للجهاز إلى حاضنة أعمال تفتح الطريق أمام الاستثمار الخاصّ. القراءة النقدية تراها على نحو آخر. كيان واحد يحمل صلاحيات كانت موزّعة على وزارات ومحافظات وهيئات، ويعمل بقواعد مختلفة عن قواعدها.

وصف الحاضنة نفسه يستحقّ التدقيق. الحاضنة تفتح الباب للاعبين وتنسحب حين يقفون على أقدامهم. أما جهة تملك الأرض وتمنح الترخيص وتستثمر وتنافس في القطاع نفسه، فموقعها أقرب إلى الشريك المهيمن منه إلى الحاضن المحايد. المستثمر الذي يدخل في شراكة مع جهاز يملك هذه الأدوات كلها يدخل في علاقة غير متكافئة. 


كتاب مقدّس لا مشروع قانون

قبل أن يصير القانون نافذاً، دار حوله نقاش برلماني حادّ. رفضته 4 أحزاب، وتحفّظ خامس. في الجلسة المشتركة التي استمرّت نحو 8 ساعات، وصف النائب أحمد فرغلي المشروع بأنه أشبه بكتاب مقدّس لا مشروع قانون، وحذّر من عوار دستوري، ومن أن رئيس الجهاز نال صلاحيات توازي رئيس الوزراء دون رقابة مماثلة. ورأت النائبة إيرين سعيد أن الجهاز يشبه حكومة موازية دون رقيب، وأن تقييد الطعن على تصرّفاته يمسّ حقّ التقاضي الذي يكفله الدستور. وحذّر النائب محمّد عبد العليم داوود من أن القانون قد يؤدّي إلى دولة داخل الدولة، ويتعارض مع قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة. ولم تخلُ الجلسة من انفعال، حين لمّح نائب من الموالاة إلى الخيانة في وصف من يرفض القانون، فاعترض زملاء، وتدخّل رئيس اللجنة، فاعتذر النائب وطلب حذف العبارة من المضبطة.

في المقابل، دافعت الأغلبية عن المشروع بوصفه تقنيناً لتجربة ناجحة. أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب “مستقبل وطن” موافقة حزبه، متحدّثاً عن شبه إجماع داخله على ما حقّقه الجهاز. وأشاد نوّاب بدوره في الأمن الغذائي، ورأوا أن القانون يمنحه المرونة اللازمة للعمل في قطاعات استراتيجية. النقطة المشتركة بين معظم المعترضين لم تكن رفض أهداف الجهاز المعلنة. كانت القلق من صلاحياته الواسعة وإعفاءاته الاستثنائية من دون رقابة موازية.

طرحت أيضاً أسئلة عن المسار نفسه. تساءل رئيس حزب “الجبهة الديمقراطية” هلال عبد الحميد عمّا إذا كان المشروع أحيل إلى مجلس الدولة لمراجعته وفق الدستور، وقد انتقل من توقيع مدير الجهاز إلى البرلمان في أيّام، وأشار إلى أن ديباجته استندت إلى أكثر من 100 مرجع تشريعي. السرعة التي مرّ بها قانون يمسّ أصول الدولة وأنشطتها الاقتصادية صارت جزءاً من الاعتراض. قانون بهذا الوزن، يناقَش في أيّام، ويقرّ قبيل رفع البرلمان جلساته حتى تشرين الأوّل/ أكتوبر، يترك انطباعاً بأن النقاش كان محسوم النتيجة قبل أن يبدأ.

اقتصاد بابان

الاقتصاد المصري، كما يقرأه المحلّل علاء بيومي، يقسم إلى 4 فروع قائمة. الأوّل الموازنة العامّة التي تديرها الحكومة من الضرائب وتنفق منها على الوزارات. والثاني الهيئات العامّة كهيئة قناة السويس، لها موازناتها الخاصّة رغم جهود ضمّها إلى الموازنة العامّة. والثالث الاقتصاد العسكري بميزانياته غير المعلنة، وأيّ مشروع تدخله شركة تابعة للقوّات المسلّحة تتحوّل تفاصيله المالية إلى السرّية. والرابع الاقتصاد غير الرسمي الواسع الذي يوظّف أعداداً كبيرة خارج التسجيل والرقابة.
القانون يضيف فرعاً خامساً. كيان يتبع الرئيس مباشرة، بصلاحيات ضخمة وموازنة مستقلّة، وقد يبتلع مع الوقت أجزاء من الفروع الأخرى حين تنتقل إليه شركات وأصول، أو حين يستحوذ صندوقه على صناديق سيادية قائمة.

بهذا نقترب من نموذج يشبه اقتصاد محمّد علي، بحسب بيومي، حيث تملك الدولة وتدير وتوجّه، ورئيس له جهاز اقتصادي تابع له. 

في عهد محمّد علي، كانت الدولة التاجر والصانع والمالك الأوحد تقريباً. التشبيه يعبّر عن رأي صاحبه، ويبقى محلّ نقاش، لكنّه يضع إصبعه على سؤال يصعب تجاوزه. الدولة تقول إن البيروقراطية عقبة، وإن الجهاز يمنح المرونة اللازمة لتجاوزها. فإذا كانت وزارة النقل أو غيرها لا تؤدّي دورها، فما الذي يضمن أن الكيان الجديد سيؤدّيه بكلفة أقلّ، وبأيّ ثمن رقابي؟ الحلّ الآخر، الذي لم تختره الدولة، إصلاح المؤسّسة القائمة بدل بناء بديل موازٍ يعمل بقواعد مختلفة.
نشر موقع “مدى مصر” تحليلاً نقل فيه عن مصدر قضائي أن البرلمان لا يملك مساءلة رئيس الجمهورية إلا في حالتي الخيانة العظمى أو التقصير الجسيم، وأن رقابته الفعلية تنحصر في الحكومة ورئيس الوزراء. إخضاع جهة لسلطة الرئيس مباشرة، والرئيس لا يخضع لمساءلة روتينية، يعني عملياً سحبها من أيّ دائرة محاسبة قائمة. يقرأ التحليل القانون على أنه يشطر إدارة الدولة إلى نصفين. يبقى الوزراء والمحافظون ورؤساء المدن يديرون المرافق والخدمات، بينما يتولّى الجهاز إدارة أراضي الدولة وأنشطتها الاقتصادية. صار لدينا، بهذا المعنى، مساران لإدارة البلد.

هذه القراءة تفسّر لماذا لم تكن عودة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، بعد أن حذف البرلمان المادّة التي كانت تستثني الجهاز منها، كافية لتهدئة القلق. الرقابة المالية تفحص الحسابات. لكنّها لا تعالج مسألة أعمق تتعلّق بموقع الجهاز في بنية السلطة. حين يتبع كيان اقتصادي بهذا الحجم رئيساً لا تصل إليه أدوات المساءلة اليومية، يصبح السؤال عن الرقابة سؤالاً سياسياً. من يقرّر ماذا ينقل إلى الجهاز؟ الرئيس. من ينشئ مناطقه؟ الرئيس. من يحدّد ما يعود إلى الخزانة من عوائده؟ الرئيس. الخيوط كلها تنتهي إلى موضع واحد.

تنمية بمقاييس قرن مضى

يظلّ سؤال الجدوى هو الأهمّ لا سؤال الشكل القانوني وحده. العالم اليوم يتنافس في الذكاء الصناعي، وتصنيع الرقائق، والمعادن النادرة، والتكنولوجيا المتقدّمة. أرباح شركاته تقاس بالتريليونات، وقيمة شركة واحدة منها تتجاوز ناتج دول بأكملها. مشروع الجهاز، في جوهره، استصلاح أرض، وبنية تحتية، وعقار، وصناعة غذائية، حتى لو نجح في استصلاح 4.5 مليون فدان وبنى المدن، فأي عائد يضيفه ذلك؟ إنفاق مصر على البحث العلمي منخفض، وصناعاتها في معظمها تجميعية تنتظر أن تأتيها المصانع من الخارج. 

يرى مؤيّدو الجهاز أن الأمن الغذائي وتقليل فاتورة الاستيراد أولوية استراتيجية مشروعة، وأن الاستقرار الغذائي شرط لأيّ نهضة لاحقة… لكنّ سؤال الجدوى يظلّ قائماً في صورة أدقّ حين ننظر إلى ما تتقاطع معه اختصاصات الجهاز. يلاحظ الباحث حسن البربري أن هذه الاختصاصات تتقاطع مع وزارات التموين والزراعة والاستثمار والصناعة والإسكان والتنمية المحلّية، وأن استمرار المسار قد يقلّص تدريجياً الأدوار التنفيذية لبعض هذه الوزارات، وينقل جانباً متزايداً من اختصاصاتها إلى الجهاز. لا نتحدّث إذاً عن لاعب جديد يضاف إلى الملعب. نتحدّث عن لاعب قد يزيح لاعبين آخرين ويحلّ محلّهم، ويجمع في يده ما كان موزّعاً على وزارات بأكملها.

أدخل البرلمان في اللحظة الأخيرة تعديلات تمسّ جوهر الاعتراضات، ونجحت المعارضة، رغم قلّة عددها، في انتزاع بعضها.

أبرز تعديل جرى حذف المادّة التي كانت تستثني الجهاز وصندوقيه من رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، فصارا خاضعين للقواعد العامّة للرقابة المالية. واشترطت موافقة مجلس النوّاب على قرارات إنشاء مناطق التنمية المستدامة. وأضيف رئيس المجلس إلى الجهات التي تتلقّى التقرير السنوي. وحُذفت مادّة كانت تلزم الخزانة العامّة بسداد ضرائب الجهاز، فصار يتحمّلها بنفسه.

ثم جاء التعديل الأكثر دلالة، وأكثرها التباساً. كانت المسوّدة تحدّد نسبة تتراوح بين 7 و10 في المئة من عوائد الصندوق تعود إلى الخزانة. حذف البرلمان هذا الحدّ الأقصى. أوضحت اللجنة أن الجهاز لا يُعفى من توريد فوائضه للخزانة، لكنّه لا يخضع للقواعد التي تفرض على الهيئات نسبة محدّدة توردها. بدلاً من ذلك، يقرّر رئيس الجمهورية، بناء على عرض وزير المالية وبعد أخذ رأي مجلس إدارة الجهاز، كم يعود إلى الخزانة بحسب الظروف… لكن من ناحية أخرى، لم يعد ثمّة نسبة مضمونة تعود إلى الموازنة العامّة، بل تقدير يقرّره الرئيس حالة بحالة. المسوّدة كانت تضمن للخزانة حداً أدنى ولو صغيراً، القانون النافذ ترك الأمر مفتوحاً.

هذه التعديلات ليست شكلية، تعيد بعض الرقابة التي غابت عن المسوّدة، لكنّها لم تمسّ جوهر القلق، بقيت تبعية الجهاز للرئاسة، حيث تمرّ خيوط القرار الأساسية، بقيت صلاحية نقل الأصول العامّة بقرار رئاسي، بقيت الإعفاءات من قوانين الأجور والقطاع العامّ، وبقي تحديد ما يعود إلى الخزانة من أرباحه رهن قرار رئاسي. 

الأدق أن يقال إن البرلمان قلّص الاستثناء دون أن ينهيه، وإن الرقابة تحسّنت على الورق أكثر ممّا تغيّر جوهر الكيان.

ثمّة فارق بين رقابة على الورق والرقابة الحقيقية. عودة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات مكسب حقيقي، لكنّ قيمتها ترتبط بمداها. هل تصل إلى تفاصيل العقود واختيار الشركاء وتحديد الرسوم داخل مناطق التنمية، أم تقف عند مراجعة حسابات ختامية بعد فوات الأوان؟ الاشتراط على البرلمان الموافقة على إنشاء المناطق ضمانة عند لحظة التأسيس، لكنّه لا يمتدّ بالضرورة إلى ما يجري بعد ذلك من تخصيص أراضٍ وإدارة عوائد. 

يزيد من حدّة السؤال أن القانون يركّز سلطة الترخيص في يد الجهاز. حين يصير مركز خدمة الأراضي والمنشآت هو من يصدر التراخيص، وتصبح شهاداته نهائية إذا صمتت الجهة المعنيّة أسبوعين، ينتقل ميزان القرار إلى داخل الجهاز، ويصير على الجهات الأخرى أن تعترض في مهلة قصيرة أو تعتبر موافقة. هذا ترتيب يسرّع الإنجاز، وهو ما تريده الحكومة، وهو في الوقت نفسه يضعف موقع من يفترض أن يراقب.

يعود بنا هذا إلى المفارقة التي بدأنا منها. الحكومة تلتزم أمام صندوق النقد الدولي بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتوسيع القطاع الخاصّ عبر التخارج وبيع الأصول. القانون يسير في اتّجاه معاكس ظاهرياً، يجمع أصولاً وصلاحيات داخل كيان سيادي واحد يتمتّع بإعفاءات استثنائية. صندوق النقد يطالب بالحياد التنافسي وإلغاء الامتيازات الممنوحة لكيانات الدولة. أيّ مستثمر، مصري أو أجنبي، سيدخل منافسة مع جهة تجمع القوّة المالية والصلاحيات الرئاسية والإعفاء من قوانين المناقصات والأجور؟ يحذّر تحليل نشر بعد الإقرار من أثر هذا التوسّع على علاقة مصر بالمؤسّسات المالية الدولية، وعلى قدرة القطاع الخاصّ على المنافسة.

برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد يقترب من نهايته، وقد تصرف آخر شريحة قرب نهاية العام، فهل يمرّ القانون في لحظة تراجعت فيها قدرة الصندوق على الاعتراض، أم أن حاجة مصر إلى تمويل لاحق ستبقي شرط الحياد التنافسي قائماً؟ سؤال يخصّ احتمالات لم تحسم. حتى الآن، لم يصدر عن الصندوق موقف معلن من القانون، ولم تظهر ردود فعل واضحة في الأسواق، ما ظهر مخاوف يطرحها محلّلون، لا موقف رسمي.

يضاف إلى ذلك قلق الدين. يملك الجهاز حقّ إصدار سندات وبيع ديون بشكل مستقلّ، في وقت يثقل فيه الدين كاهل البلاد، ويصعب فيه تقدير حجمه بدقّة لأنه موزّع على مؤسّسات مختلفة. الخوف أن يضيف الكيان الجديد أداة استدانة خارج الرقابة المعتادة، تزيد صورة الدين غموضاً، وكذلك أن يتكرّر نمط تحمّلت فيه الموازنة العامّة، القائمة على ضرائب المواطنين، ديون الهيئات السيادية عند تعثّرها، بينما تبقى أرباحها، حين تربح، بعيدة عن الخزانة إلا بما يقرّره قرار رئاسي. إن كانت هذه الكيانات رابحة إلى هذا الحدّ، فلماذا تتكرّر الأزمات؟ وإن لم تكن، فمن يتحمّل خسائرها؟ لا تتوفّر إجابة، لأن أرباحها وخسائرها تبقى خارج الأرقام المعلنة.

ثمّة سؤال أعمق عن الصندوق السيادي نفسه. تلاحظ قراءة في مصر 360 أن الصناديق السيادية نشأت في بلدان تملك فائضاً مالياً تدخّره للأجيال القادمة أو للأزمات، كدول الخليج والصين وسنغافورة صاحبة الفوائض التجارية الكبيرة. مصر ليست في هذا الموضع، تدير عجزاً وديوناً، وتبيع أصولاً لسدّ فجوات التمويل. إنشاء صندوق سيادي جديد في بلد على هذا الحال يطرح سؤالاً عن مصدر الأصول التي سيديرها، وعمّا إذا كان تدويراً لأصول قائمة أكثر منه ادخاراً لثروة فائضة.

اللافت أن المعارضة، بعد أن خسرت المعركة، تبنّت خطاباً مزدوجاً. رفضت فلسفة القانون، ونسبت لنفسها الفضل في تحسين رقابته. قال النائب ضياء الدين داوود إن تعديلات جوهرية أدخلها نوّاب المعارضة عزّزت الرقابة رغم كونهم أقلّية، وإن أيّ إشكاليات مستقبلية يمكن معالجتها بتعديلات تشريعية لاحقة. في هذا الموقف اعتراف مبطن، أن ما مرّ ليس النصّ الأسوأ الذي كان ممكناً، وأنه في الوقت نفسه ليس النصّ الذي يطمئن. حزب “المصري الديمقراطي الاجتماعي” عبّر عن المعادلة نفسها حين قال إنه رفض القانون على أساس فلسفة إنشائه، لكنّه نجح في تعديل موادّ مهمّة.

هذا الخطاب المزدوج يكشف أن طبيعة النقاش لم تكن بين رفض كامل وقبول كامل لمشروع القانون، كان تفاوضاً على حدود الاستثناء داخل نصّ القانون. المعارضة تعرف أنها أقلّية، فاختارت أن تنتزع ما تستطيع من ضمانات، ثم تسجّل اعتراضها على الأصل، الأغلبية أرادت تمرير القانون، فقبلت بعض التعديلات التي لا تمسّ جوهره. النتيجة نصّ أقلّ استثنائية من مسوّدته، وأكثر استثنائية، من أيّ كيان اقتصادي آخر في الدولة.

القانون الآن نافذ، الأسئلة التي أثارها تنتقل من قاعة البرلمان إلى أرض التطبيق. أيّ أصول ستنقل فعلاً إلى الجهاز وصندوقه؟ وبأيّ قيمة تقيم؟ كيف تفعل رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات التي استعيدت على الورق؟ وهل تصل إلى تفاصيل العقود واختيار الشركاء أم تقف عند التقارير؟ كم من فوائض الجهاز سيقرّر الرئيس أيلولته إلى الخزانة؟ ماذا سيحلّ بالصندوق السيادي القائم؟ وكيف يتعامل صندوق النقد والمستثمرون مع كيان بهذه الامتيازات؟ الزمن وحده سيجيب.

ما يمكن قوله الآن إن الدولة اختارت. حين تقرّر تغيير طريقة إدارة اقتصادها، تمضي دون معارضة قادرة على وقفها، وبسرعة تجعل قانوناً بهذا الحجم يمرّ من خلال البرلمان في أسبوع.