قبل سقوط نظام الأسد بسنوات، استيقظ المواطن السوري “س” في يوم عادي لا يختلف عمّا قبله، سوى أن “س” حصل على سلة غذائية بعد حملة أطلقتها مجموعة من التجار والصناعيين، بينهم خمشو.
ما زاد من اطمئنان “س” أن نوافذ منزله الجديدة تمكنت من ردّ البرد واللصوص، كونها مصنوعة من حديد صلب، اشتراه من إحدى شركات مخمّس خمشو، والتي روّجت لهذه النوافذ بوصفها حديداً مُعاد تدويره.
ابتسم “س” وهو يشرب قهوة الصباح ويتأمل التلفاز الذي اشتراه من إحدى شركات خمشو، حيث تظهر على القناة التي يمتلكها خمشو، إعادة لحلقة من مسلسل أنتجته شركة خمشو التلفزيونيّة.
يمزّ “س” ما تبقى من فنجان قهوته التي استوردتها إحدى شركات خمشو الغذائية، ويشاهد إعلاناً على التلفاز، عن فوز أحد أبناء خمشو ببطولة لركوب الخيل أو سباق السيارات، لا يهم، ظهر بعده إعلان لناد رياضي يدعمه خمشو يحكي عن فتح دورات تدريبية للناشئين.
فكّر “س” وهو يتأمل الإعلان بابنه المهاجر إلى الإمارات، والذي يعمل في دبي، في أحد الأحياء الفاخرة، التي يمتلك فيها مخمّس خمشو منزلاً، فكر بمستقبله لو لم يغادر سوريا، لكنه طرد الفكرة من رأسه وأنهى فنجان القهوة.
هبط “س” من منزله، باتجاه المنطقة الحرّة في حي البرامكة في دمشق، حيث يعمل في بناء لخمشو، ضمن شركة لخمشو متخصصة بـ”تطبيق الحواسيب” وبيعها، سواء للعراق أو لمؤسسات الدولة السورية حينها أو مؤسساتها نفسها، أنهى عمله منتصف النهار، باكراً ، إذ لم يضطر لينهمك بأوراق المناقصة الجديدة التي حصلت عليها الشركة، لأن “دفتر الشروط” مصاغ خصيصاً ليطابق مواصفات العرض الذي قدّمته شركة خمشو!
إقرأوا أيضاً:
أنهى “س” شؤونه في المكتب، وهبط ليتمشى في الشارع، حيث ظهرت أمامه صور خمشو مرشحاً “دائماً” لمجلس الشعب في سوريا، فابتسم، وتذكر أنه سينتظر قبل شراء سيّارة، إذ سمع إشاعات بأن خمشو قد يحصل على عقد سيارات تاكسي خاصة بالتعاون مع شركة “دمشق-الشام القابضة”، وستكون أجرة التنقل بها أقل من تلك العمومية.
أشعل “س” سيجارة وتابع المشي، فراوده ألم في ساقه أجرى له عملية في أحد المراكز الطبية التابعة لخمشو، لكنه وطأ الأرض بقوة، وتجاوز الألم، متأملاً لوحة إعلانات تعود ملكيتها لخمشو، تستعرض على ورق طبعته شركة خمشو، مشاريع سياحية لشركة تعود الى خمشو.
أنهى “س” السيجارة، واتجه لركوب المواصلات العامة، ليُفاجأ بازدحام شديد، سببه وفد حكومي عرقل السير، وشاهد أحدهم يتحدث صارخاً بلغة أجنبية عبر هاتف ذي شكل مريب، سأل أحد المتدافعين باتجاه الباص العمومي: ” ما هذا الهاتف الغريب؟”، فأجاب الشخص: “هذا ثريا… بيستورده مخمّس خمشو”.
عاد “س” إلى منزله، لتخبره زوجته أنها حصلت على صندوق مساعدات من حملة شارك فيها خمشو، فدعت له بالخير، خصوصاً أن محل والدها الذي احترق في أحد أسواق دمشق، تركها من دون مورد دخل شهري، ورددت أمام “س” ما قاله خمشو ذو المنصب في غرفة تجارة دمشق، بأن الغرفة ستدعم المتضررين حسب ما هو متوافر، لا كما كان الوضع سابقاً، ولا كما يظن أصحاب المحلات.
استلقى “س” على الأريكة مفكراً بأسلوب لإقناع الشركة التي يعمل بها كي ترسله إلى الصين مندوباً عن خمشو، الذي يمتلك منصباً في مجلس الأعمال السوري- الصيني، وكلما حاول أن يغفو تاركاً الأحلام تأخذه على ظهر تنين صيني نحو المجهول، سمع تأفف زوجته من شبكة الهاتف النقال، فوعدها أن شركة جديدة ستفتح في سوريا، وخمشو شريك فيها، لم تقتنع، فتجاهلها “س” ليعود إلى محاولات النوم، لكن علت أصوات آليات البناء المجاورة، كون شركة التعهدات التابعة لخمشو، تصبّ الباطون في منشأة جديدة قيد التعمير.
طالت غفوة “س” ربما سنين، واستيقظ لاحقاً ليشاهد سوريين مثله يحتفلون بسقوط النظام، وفرار بشار الأسد مع “رجالاته”، فهبط “س” إلى الشارع ليتأمل حال البلاد الجديد، ماراً بالأحياء الفاخرة التي لم يكن من السهل المشي فيها بسبب الحراسة الأمنية، هناك شاهد دورية للأمن العام، الجهاز الشرطي الجديد المسؤول عن ضبط الأمن في المدينة، والذي تأسس سابقاً لاصطياد مقاتلي داعش.
عم الفرح قلب “س” وهو يتأمل الوجه الجديد للبلاد، و”شباب” الأمن العام يحمون الممتلكات العامة، وإذ به فجأة بعد مسير وجيز، يشاهد على الرصيف المقابل له، دورية للأمن العام، تقف فجأة، ويهبط من البناء رجل مألوف، إنه خمشو!
استغرب “س” ظاناً أن الأمن العام جاء ليحاسب واجهة ماهر الأسد الاقتصادية، وسلطان الركام، لكن خمشو، ركب سيارته، ومضى بعيداً محمياً من “شباب” الأمن العام.
عاد “س” إلى منزله واستلقى على الأريكة، أشعل شاشة التلفاز، ليشاهد تقريراً إخبارياً عن ناشط يقف في الشارع يتحدث عن خمشو ويدعو الى محاسبته، ففتح هاتفه النقال، وغرق في قراءة الأخبار، لساعات، ليفاجأ بانتشار وثيقة مسربة، يظهر فيها أن خمشو يقاضي الناشط ذاته بتهمة الذم والقدح الإلكتروني!
غفا “س” على الأريكة، تاركاً الشاشة وأضواءها ليدلل أحلامه، لا يعلم كم غفا “س” لكنه كلما فتح عينيه، شاهد ما يريبه، فيهرب إلى النوم، شاهد تقريراً لرويترز مفاده أن مخمّس خمشو “سوّى وضعه” ودفع 80 في المئة من ثروته للجنة غامضة في سوريا الجديدة، غفا، ثم فتح عينيه على خبر انتصار أبناء خمشو في إحدى البطولات الرياضية، فغفا، واستيقظ ليشاهد اثنين من أبناء مخمّس خمشو يتبرعان بمليون دولار في حفل تبرعات رسمي.
غفا “س” طويلاً، وقاطع نومه إعلان عن مسلسل جديد، تنتجه شركة تابعة لخمشو أيضاً، وحين استيقظ لاحقاً، وبعد أيام ربما، فوجئ بأن خمشو نفسه أعلن أنه وقّع مع لجنة مكافحة الكسب غير المشروع اتفاقاً “شاملاً”، داعياً لطيّ صفحة الماضي.
استيقظ “س” أخيراً، تأمل هاتفه النقال، وتنقل بعينيه بين الشاشة، وحديد الشباك، وإعلان المسلسل، واستغرب بعدما تلاشى مسّ “سذاجة ديسمبر” أنه لم يستيقظ ليجد نفسه حشرةً تحاول الذهاب إلى العمل، بل وجد نفسه سورياً فقط.
تنويه: هذا النص متخيل بشكل كامل، ولا يخضع لترتيب زمني متسلسل، وأي تشابه مع أحداث وشخصيات واقعية سببه مخيّلة القارئ.













