ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

جولة في قيرغيزستان (١): بيشكيك… ظلال الإمبراطوريات وبازارات الحياة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على بعد نحو 35 إلى 40 دقيقة بالسيارة من قلب بيشكيك، تقع محميّة آلا آرتشا الوطنية، هنا استعضت عن أخضر ناسڤاي القاتم، بمشاهد جبلية خضراء خلّابة مثلّت ملمحاً صغيراً من الجمال الطبيعي لقمم البلاد، التي سأشاهد المزيد منها على امتداد رحلتنا، والتي جعلتني أفكّر بأن سويسرا لا تعدو كونها “قيرغيزستان مصغّرة في أوروبا الغربية”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ثمّة توصيف جيوسياحي يُطلق على قيرغيزستان وينبع من مخيّلة مركزية أوروبية واضحة: “سويسرا آسيا الوسطى”، ذلك أن هذا البلد يضمّ سلاسل متنوّعة من الجبال تكسو بعضَ قممها الكثيرة ثلوجٌ طيلة العام، ما يحوّلها إلى نقاط ملائمة لممارسة التزلّج وغيرها من الرياضات الشتوية وأنشطة الاصطياف، التي تذكّر بمشاهد جبال الألب السويسرية ومكانتها. 

وثمّة توصيف جيوسياسي يُطلق على قيرغيزستان ينبع من المخيّلة ذاتها على الأرجح: “جزيرة الديمقراطية في آسيا الوسطى”، ذلك أن تلك الدولة عرفت بعد استقلالها عن الاتّحاد السوڤييتي نشاطاً لافتاً للمجتمع المدني، وانتفاضات شعبية، وفترات متقطّعة من الحكم الديمقراطي والتعدّدية وتداول السلطة، ممّا لم تعرفه دول “الستان” المحيطة بها: أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وتركمنستان، بل إن الأخيرة من أكثر الدول انغلاقاً في العالم.

وصلتُ إلى العاصمة بيشكيك آملاً أن أشاهد عن قرب ملامح من التوصيفين المذكورين أعلاه. طائرة الخطوط التركية التي نقلتنا من إسطنبول، لم تكن الدليل الوحيد على حضور تركي متزايد هنا، المطاعم التركية جزء من هذا الحضور، لكن الأهمّ هو المسجد المركزي الكبير الذي شُيّد بدعم من أنقرة على طراز المساجد العثمانية الكلاسيكي، بقبّة مركزية كبرى محاطة بقبب أصغر، وصحن مكشوف، وأربع مآذن نحيلة قلمية الشكل وملاحق أبنية متعدّدة. 

وإن كان الوجود التركي هذا مألوفاً ومستعاداً في مناطق كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف كالبلقان والقوقاز والشرق الأوسط، فإنه هنا مستجدّ وليس استئنافاً لعلاقة قطعها سقوط الخلافة الإسلامية، وتفكّك الإمبراطورية التي لم تبلغ حدود آسيا الوسطى حتى خلال أوج توسّعها. هكذا، تبدو مفارقة كبرى أن تتوسّل تركيا الأتاتوركية، أو ما بقي منها، الإسلام لمدّ نفوذها نحو هذه المناطق.

تأثير موسكو الذي لا ينقطع

أمّا الإرث المألوف فهو السوڤييتي. ضمّت الإمبراطورية القيصرية الروسية قيرغيزستان إليها منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، ورويداً رويداً تحوّلت الروسية إلى لغة رسمية أولى ولغة التواصل الأساسية في بعض المدن، بينما استقرّت أقلّية سلاڤية زاد من كثافتها مؤخّراً هاربون من الخدمة العسكرية، بعضهم أتى مع عائلاتهم، فضّلوا البلد الرخيص نسبياً وجهة مؤقّتة أو دائمة للاستقرار بعد غزو أوكرانيا، ويمكن أحياناً تمييز السلاڤيين الجدد هؤلاء عن أقرانهم القدامى في شوارع العاصمة ومراكز التسوّق من هيئاتهم وملابسهم.

 التخطيط الشيوعي لمركز بيشكيك واضح: شوارع واسعة وأماكن عامّة مفتوحة ونُصب تذكارية لڤلاديمير لينين وشهداء الجيش الأحمر وشخصيّات أخرى، ما زالت على حالها بعد نحو ربع قرن على انهيار الاتحاد السوڤييتي، فيما يبدو علاقة متصالحة مع ماضي البلاد، بينما تشهد ساحة آلا تو على محاولة مستحدثة لاختراع وبناء هويّة للأمّة القيرغيزية: بُنيت الساحة في عام 1984 للاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس جمهورية قيرغيزيا السوڤييتية، لكنّ ما يزيّن الساحة اليوم، إلى جانب علم هائل للبلاد، تمثال ضخم لماناس العظيم ممتطياً صهوة حصانه، البطل الأسطوري والشخصيّة المحورية في أطول قصيدة ملحمية في العالم، تروي توحيده القبائل القيرغيزية ضد الغزاة (تنتشر تماثيله في أرجاء قيرغيزستان عدا إطلاق اسمه على عدد من الأماكن الرسمية في مقدّمتها مطار بيشكيك الدولي).

نصب من الحقبة السوفيتيةتصوير ملاذ الزعبي

بيد أن لساحة آلا تو مكانة رمزية أخرى في قيرغيزستان، فهي المسرح الرئيسي لأهمّ الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ تفكّك النظام السوڤييتي، وأشبه بـ”ميدان تحرير” قيرغيزي يجسّد الاستيلاء عليه نقطة الارتكاز الأساسية نحو الإطاحة بالنظام، وهو ما حدث في ثورة التوليب (إحدى الثورات الثلاثة الملونة إلى جانب ثورة أوكرانيا البرتقالية وثورة الزهور الجورجية) التي أسقطت في عام 2005 الرئيس عسكر أكاييف، الذي حكم البلاد منذ 1990 بمزيج من القمع والفساد والمحسوبية ومحاباة الأقارب. شكّل هروب أكاييف لحظة مفصلية في الحقبة ما بعد الشيوعية رغم أن خيبات الأمل طغت على التاريخ اللاحق لهذه اللحظة، فتكرّرت الانتفاضات الشعبية في أكثر من مناسبة، أبرزها في 2010، وصولاً إلى احتجاجات العام 2020 المندلعة تضامناً مع السياسي المعارض السجين صادر جاباروف، واحتجاجاً على تفشّي الفساد، وخلال زيارتنا، كان جاباروف، الذي قضى أربع سنوات في المنفى، رئيساً بصلاحيات واسعة إثر تعديل دستوري جعل البلد ينزلق ببطء باتجاه نظام سلطوي.

ساحة آلا تو وتمثال ماناس-تصوير ملاذ الزعبي

القلق من عودة الأمور إلى مربّع السلطوية الأوّل، بل وما هو أسوأ ربما، عبّرت عنه صديقتنا سابينا العاملة في منظّمة للمجتمع المدني تدعم المبادرات الإعلامية المستقلّة. 

دعتنا سابينا إلى مطعم ذي أجواء حديثة وأطباق مبتكرة معظمها بتأثيرات غربية (خلال رحلات إلى دول من العالم الثالث لطالما دعاني مضيفون إلى مطاعم مماثلة، وذلك بتقديري، كنوع من تأكيد وجود حياة عصرية في بلدانهم، واعتقاداً منهم أن زائراً أجنبياً سيفضّل مكاناً كهذا على المطاعم المحلّية والشعبية). 

تحدّثت سابينا عن علاقات وثيقة تجمع الرئيس السادس لقيرغيزستان منذ استقلالها بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وأشارت إلى تأثير سلبي متزايد لموسكو بشأن ذهنية التعامل مع الحرّيات والأنشطة المدنية والتعدّدية السياسية، لافتةً إلى تضييق متصاعد يُمارس على المنظّمات ووسائل الإعلام والنشاط السياسي والشخصيّات المستقلّة والحرّيات عموماً.

مطبخ لاحم وتبغ سام

أمكنَ تجربة المطبخ القيرغيزي على أصوله في أكثر من مطعم محلّي، اقترحها علينا قبيل سفرنا موظّف قيرغيزي في إحدى المنظّمات الدولية التي تتّخذ من لندن مقرّاً لها. 

الطعام هنا عموماً لا يختلف كثيراً عن مطبخ آسيا الوسطى بحضور قويّ للحوم الحمراء، والتأثيرات الأوسع قادمة من أوزبكستان، ويمكن القول مع بعض التعميم إن أكثر الوجبات شعبية هنا أربعة: بالو أو بلوڤ التي تتكوّن من الأرز المطبوخ مع اللحم والزبيب والجزر أو اليقطين، والمانتي وهي فطائر (دمبلينغز) مطهوّة على البخار محشوّة باللحم المفروم والبصل، والشاشليك أي قطع اللحم المشوية على الفحم، وأخيراً طبق اللاغمان القادم من شرق آسيا: نودلز باللحوم والخضار. وإلى جانب هذه الأطباق، وعلى نواصي الشوارع وزوايا الساحات وفي ممرّات الحدائق، ستصادف دائماً سيّدة تبيع شراب ماكسيم الذي يعدّ بمثابة المشروب الوطني للبلاد، وهو مشروب تقليدي مُخمّر مصنوع من مزيج من حبوب محمّصة (قمح أو شعير أو ذرة) وماء وملح ودهون. 

أجبرت نفسي على إنهاء كأس من المشروب البارد اللاذع بعض الشيء وحامض الطعم قويّ المذاق، متأثّراً بشعبيته الكبيرة خلال النهارات الحارّة (أدرجت منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة- يونسكو، المعرفة التقليدية وطرق التحضير والسياق الثقافي للمشروب في قائمتها للتراث الثقافي غير المادّي للإنسانية).

غير أنّ التجربة الشاملة لنكهات قيرغيزستان وروائحها وألوانها وأصواتها ومجتمعها، فاحتضنتها ساعات من المشي في متاهات بازاري دوردوي وأوش الهائلين، أكبر الأسواق في بيشكيك. 

ينحدر البازار من تقاليد عريقة في آسيا الوسطى، وتحوّل مع الوقت من نشاط أسبوعي إلى مركز اقتصادي اجتماعي يضجّ بالحياة، يعمل فيه ويتوافد إليه، عشرات الآلاف يومياً للتبضّع والتواصل البشري سواء بسواء.

بدا المشهد في البازار الذي يوصف عادة بأنه “وليمة للحواس” هكذا: باعة جوّالون، وآخرون يفترشون الأرض، أكشاك صغيرة ومحلات كبيرة، مطاعم، بضائع تقليدية وأخرى مستوردة، ملابس وأدوات منزلية، فاكهة وخضروات ولحوم ومنتجات حيوانية وفواكه مجفّفة ومكسّرات وعسل وحلويات، وطاولات مرتجلة تعرض أكواماً من خبز تاندير نان التقليدي بمنظره الشهيّ، زهور وأسماك زينة وطيور ملوّنة في أقفاصها، جبال صغيرة من قبّعات أك- كالباك المصنوعة من الصوف وآلة الكوموز الموسيقية. كل ما سبق في دهاليز صاخبة مكتظّة بالبشر متشابكة، بعضها مسقوف وأخرى مفتوحة على السماء.

أحد البازاراتتصوير ملاذ الزعبي

أما الجانب الكالح لهذين البازارين، فتجسّده بعض المحال المخصّصة لبيع تبغ ناسڤاي السام الذي يُستهلك مضغاً ويذكّر بالقات، وبالإضافة إلى تأثيره السلبي على الزراعة والاقتصاد والمجتمع، فإن لهذا المنتج الأخضر الغامق المسبّبِ للإدمان والمتزايد الانتشار تأثيرات صحّية بالغة الخطورة، ليس السرطان إلا واحداً منها. 

على بعد نحو 35 إلى 40 دقيقة بالسيارة من قلب بيشكيك، تقع محميّة آلا آرتشا الوطنية، هنا استعضت عن أخضر ناسڤاي القاتم، بمشاهد جبلية خضراء خلّابة مثلّت ملمحاً صغيراً من الجمال الطبيعي لقمم البلاد، التي سأشاهد المزيد منها على امتداد رحلتنا، والتي جعلتني أفكّر بأن سويسرا لا تعدو كونها “قيرغيزستان مصغّرة في أوروبا الغربية”.

محمية آلا آرتشاتصوير ملاذ الزعبي

قيرغيزستان… تواريخ أساسية

القرن الثامن: الإسلام يصل إلى الأراضي القيرغيزية مع الفتح العربي للمنطقة.

بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر: الشعب القيرغيزي يهاجر من وسط سيبيريا إلى منطقة تيان شان (الجبال السماوية) التي تمتدّ من الصين إلى أوزبكستان مروراً بقيرغيزستان.

1876: القوّات الروسية تغزو ما يُعرف الآن بقرغيزستان وتضمّها إلى الإمبراطورية القيصرية.

1917: الثورة البلشفية في روسيا. 

1936: إعلان جمهورية قيرغيزستان الاشتراكية السوفييتية (قيرغيزيا) كإحدى  جمهوريات الاتحاد السوفييتي.

1991: استقلال قيرغيزستان بعد تفكّك الاتحاد السوفييتي. عسكر أكاييف يتولّى الرئاسة.

2005: ثورة التوليب تُجبر أكاييف على التنحّي.

2010: الثورة القيرغيزية الثانية تُطيح بالرئيس كرمانبيك باكييف.

2020: الإطاحة بالرئيس سورونباي جينبيكوف في الثورة القيرغيزية الثالثة، التي ستؤدّي بعد عام إلى وصول صادر جاباروف إلى رأس السلطة.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
10.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes

على بعد نحو 35 إلى 40 دقيقة بالسيارة من قلب بيشكيك، تقع محميّة آلا آرتشا الوطنية، هنا استعضت عن أخضر ناسڤاي القاتم، بمشاهد جبلية خضراء خلّابة مثلّت ملمحاً صغيراً من الجمال الطبيعي لقمم البلاد، التي سأشاهد المزيد منها على امتداد رحلتنا، والتي جعلتني أفكّر بأن سويسرا لا تعدو كونها “قيرغيزستان مصغّرة في أوروبا الغربية”.

ثمّة توصيف جيوسياحي يُطلق على قيرغيزستان وينبع من مخيّلة مركزية أوروبية واضحة: “سويسرا آسيا الوسطى”، ذلك أن هذا البلد يضمّ سلاسل متنوّعة من الجبال تكسو بعضَ قممها الكثيرة ثلوجٌ طيلة العام، ما يحوّلها إلى نقاط ملائمة لممارسة التزلّج وغيرها من الرياضات الشتوية وأنشطة الاصطياف، التي تذكّر بمشاهد جبال الألب السويسرية ومكانتها. 

وثمّة توصيف جيوسياسي يُطلق على قيرغيزستان ينبع من المخيّلة ذاتها على الأرجح: “جزيرة الديمقراطية في آسيا الوسطى”، ذلك أن تلك الدولة عرفت بعد استقلالها عن الاتّحاد السوڤييتي نشاطاً لافتاً للمجتمع المدني، وانتفاضات شعبية، وفترات متقطّعة من الحكم الديمقراطي والتعدّدية وتداول السلطة، ممّا لم تعرفه دول “الستان” المحيطة بها: أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وتركمنستان، بل إن الأخيرة من أكثر الدول انغلاقاً في العالم.

وصلتُ إلى العاصمة بيشكيك آملاً أن أشاهد عن قرب ملامح من التوصيفين المذكورين أعلاه. طائرة الخطوط التركية التي نقلتنا من إسطنبول، لم تكن الدليل الوحيد على حضور تركي متزايد هنا، المطاعم التركية جزء من هذا الحضور، لكن الأهمّ هو المسجد المركزي الكبير الذي شُيّد بدعم من أنقرة على طراز المساجد العثمانية الكلاسيكي، بقبّة مركزية كبرى محاطة بقبب أصغر، وصحن مكشوف، وأربع مآذن نحيلة قلمية الشكل وملاحق أبنية متعدّدة. 

وإن كان الوجود التركي هذا مألوفاً ومستعاداً في مناطق كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف كالبلقان والقوقاز والشرق الأوسط، فإنه هنا مستجدّ وليس استئنافاً لعلاقة قطعها سقوط الخلافة الإسلامية، وتفكّك الإمبراطورية التي لم تبلغ حدود آسيا الوسطى حتى خلال أوج توسّعها. هكذا، تبدو مفارقة كبرى أن تتوسّل تركيا الأتاتوركية، أو ما بقي منها، الإسلام لمدّ نفوذها نحو هذه المناطق.

تأثير موسكو الذي لا ينقطع

أمّا الإرث المألوف فهو السوڤييتي. ضمّت الإمبراطورية القيصرية الروسية قيرغيزستان إليها منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، ورويداً رويداً تحوّلت الروسية إلى لغة رسمية أولى ولغة التواصل الأساسية في بعض المدن، بينما استقرّت أقلّية سلاڤية زاد من كثافتها مؤخّراً هاربون من الخدمة العسكرية، بعضهم أتى مع عائلاتهم، فضّلوا البلد الرخيص نسبياً وجهة مؤقّتة أو دائمة للاستقرار بعد غزو أوكرانيا، ويمكن أحياناً تمييز السلاڤيين الجدد هؤلاء عن أقرانهم القدامى في شوارع العاصمة ومراكز التسوّق من هيئاتهم وملابسهم.

 التخطيط الشيوعي لمركز بيشكيك واضح: شوارع واسعة وأماكن عامّة مفتوحة ونُصب تذكارية لڤلاديمير لينين وشهداء الجيش الأحمر وشخصيّات أخرى، ما زالت على حالها بعد نحو ربع قرن على انهيار الاتحاد السوڤييتي، فيما يبدو علاقة متصالحة مع ماضي البلاد، بينما تشهد ساحة آلا تو على محاولة مستحدثة لاختراع وبناء هويّة للأمّة القيرغيزية: بُنيت الساحة في عام 1984 للاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس جمهورية قيرغيزيا السوڤييتية، لكنّ ما يزيّن الساحة اليوم، إلى جانب علم هائل للبلاد، تمثال ضخم لماناس العظيم ممتطياً صهوة حصانه، البطل الأسطوري والشخصيّة المحورية في أطول قصيدة ملحمية في العالم، تروي توحيده القبائل القيرغيزية ضد الغزاة (تنتشر تماثيله في أرجاء قيرغيزستان عدا إطلاق اسمه على عدد من الأماكن الرسمية في مقدّمتها مطار بيشكيك الدولي).

نصب من الحقبة السوفيتيةتصوير ملاذ الزعبي

بيد أن لساحة آلا تو مكانة رمزية أخرى في قيرغيزستان، فهي المسرح الرئيسي لأهمّ الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ تفكّك النظام السوڤييتي، وأشبه بـ”ميدان تحرير” قيرغيزي يجسّد الاستيلاء عليه نقطة الارتكاز الأساسية نحو الإطاحة بالنظام، وهو ما حدث في ثورة التوليب (إحدى الثورات الثلاثة الملونة إلى جانب ثورة أوكرانيا البرتقالية وثورة الزهور الجورجية) التي أسقطت في عام 2005 الرئيس عسكر أكاييف، الذي حكم البلاد منذ 1990 بمزيج من القمع والفساد والمحسوبية ومحاباة الأقارب. شكّل هروب أكاييف لحظة مفصلية في الحقبة ما بعد الشيوعية رغم أن خيبات الأمل طغت على التاريخ اللاحق لهذه اللحظة، فتكرّرت الانتفاضات الشعبية في أكثر من مناسبة، أبرزها في 2010، وصولاً إلى احتجاجات العام 2020 المندلعة تضامناً مع السياسي المعارض السجين صادر جاباروف، واحتجاجاً على تفشّي الفساد، وخلال زيارتنا، كان جاباروف، الذي قضى أربع سنوات في المنفى، رئيساً بصلاحيات واسعة إثر تعديل دستوري جعل البلد ينزلق ببطء باتجاه نظام سلطوي.

ساحة آلا تو وتمثال ماناس-تصوير ملاذ الزعبي

القلق من عودة الأمور إلى مربّع السلطوية الأوّل، بل وما هو أسوأ ربما، عبّرت عنه صديقتنا سابينا العاملة في منظّمة للمجتمع المدني تدعم المبادرات الإعلامية المستقلّة. 

دعتنا سابينا إلى مطعم ذي أجواء حديثة وأطباق مبتكرة معظمها بتأثيرات غربية (خلال رحلات إلى دول من العالم الثالث لطالما دعاني مضيفون إلى مطاعم مماثلة، وذلك بتقديري، كنوع من تأكيد وجود حياة عصرية في بلدانهم، واعتقاداً منهم أن زائراً أجنبياً سيفضّل مكاناً كهذا على المطاعم المحلّية والشعبية). 

تحدّثت سابينا عن علاقات وثيقة تجمع الرئيس السادس لقيرغيزستان منذ استقلالها بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، وأشارت إلى تأثير سلبي متزايد لموسكو بشأن ذهنية التعامل مع الحرّيات والأنشطة المدنية والتعدّدية السياسية، لافتةً إلى تضييق متصاعد يُمارس على المنظّمات ووسائل الإعلام والنشاط السياسي والشخصيّات المستقلّة والحرّيات عموماً.

مطبخ لاحم وتبغ سام

أمكنَ تجربة المطبخ القيرغيزي على أصوله في أكثر من مطعم محلّي، اقترحها علينا قبيل سفرنا موظّف قيرغيزي في إحدى المنظّمات الدولية التي تتّخذ من لندن مقرّاً لها. 

الطعام هنا عموماً لا يختلف كثيراً عن مطبخ آسيا الوسطى بحضور قويّ للحوم الحمراء، والتأثيرات الأوسع قادمة من أوزبكستان، ويمكن القول مع بعض التعميم إن أكثر الوجبات شعبية هنا أربعة: بالو أو بلوڤ التي تتكوّن من الأرز المطبوخ مع اللحم والزبيب والجزر أو اليقطين، والمانتي وهي فطائر (دمبلينغز) مطهوّة على البخار محشوّة باللحم المفروم والبصل، والشاشليك أي قطع اللحم المشوية على الفحم، وأخيراً طبق اللاغمان القادم من شرق آسيا: نودلز باللحوم والخضار. وإلى جانب هذه الأطباق، وعلى نواصي الشوارع وزوايا الساحات وفي ممرّات الحدائق، ستصادف دائماً سيّدة تبيع شراب ماكسيم الذي يعدّ بمثابة المشروب الوطني للبلاد، وهو مشروب تقليدي مُخمّر مصنوع من مزيج من حبوب محمّصة (قمح أو شعير أو ذرة) وماء وملح ودهون. 

أجبرت نفسي على إنهاء كأس من المشروب البارد اللاذع بعض الشيء وحامض الطعم قويّ المذاق، متأثّراً بشعبيته الكبيرة خلال النهارات الحارّة (أدرجت منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة- يونسكو، المعرفة التقليدية وطرق التحضير والسياق الثقافي للمشروب في قائمتها للتراث الثقافي غير المادّي للإنسانية).

غير أنّ التجربة الشاملة لنكهات قيرغيزستان وروائحها وألوانها وأصواتها ومجتمعها، فاحتضنتها ساعات من المشي في متاهات بازاري دوردوي وأوش الهائلين، أكبر الأسواق في بيشكيك. 

ينحدر البازار من تقاليد عريقة في آسيا الوسطى، وتحوّل مع الوقت من نشاط أسبوعي إلى مركز اقتصادي اجتماعي يضجّ بالحياة، يعمل فيه ويتوافد إليه، عشرات الآلاف يومياً للتبضّع والتواصل البشري سواء بسواء.

بدا المشهد في البازار الذي يوصف عادة بأنه “وليمة للحواس” هكذا: باعة جوّالون، وآخرون يفترشون الأرض، أكشاك صغيرة ومحلات كبيرة، مطاعم، بضائع تقليدية وأخرى مستوردة، ملابس وأدوات منزلية، فاكهة وخضروات ولحوم ومنتجات حيوانية وفواكه مجفّفة ومكسّرات وعسل وحلويات، وطاولات مرتجلة تعرض أكواماً من خبز تاندير نان التقليدي بمنظره الشهيّ، زهور وأسماك زينة وطيور ملوّنة في أقفاصها، جبال صغيرة من قبّعات أك- كالباك المصنوعة من الصوف وآلة الكوموز الموسيقية. كل ما سبق في دهاليز صاخبة مكتظّة بالبشر متشابكة، بعضها مسقوف وأخرى مفتوحة على السماء.

أحد البازاراتتصوير ملاذ الزعبي

أما الجانب الكالح لهذين البازارين، فتجسّده بعض المحال المخصّصة لبيع تبغ ناسڤاي السام الذي يُستهلك مضغاً ويذكّر بالقات، وبالإضافة إلى تأثيره السلبي على الزراعة والاقتصاد والمجتمع، فإن لهذا المنتج الأخضر الغامق المسبّبِ للإدمان والمتزايد الانتشار تأثيرات صحّية بالغة الخطورة، ليس السرطان إلا واحداً منها. 

على بعد نحو 35 إلى 40 دقيقة بالسيارة من قلب بيشكيك، تقع محميّة آلا آرتشا الوطنية، هنا استعضت عن أخضر ناسڤاي القاتم، بمشاهد جبلية خضراء خلّابة مثلّت ملمحاً صغيراً من الجمال الطبيعي لقمم البلاد، التي سأشاهد المزيد منها على امتداد رحلتنا، والتي جعلتني أفكّر بأن سويسرا لا تعدو كونها “قيرغيزستان مصغّرة في أوروبا الغربية”.

محمية آلا آرتشاتصوير ملاذ الزعبي

قيرغيزستان… تواريخ أساسية

القرن الثامن: الإسلام يصل إلى الأراضي القيرغيزية مع الفتح العربي للمنطقة.

بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر: الشعب القيرغيزي يهاجر من وسط سيبيريا إلى منطقة تيان شان (الجبال السماوية) التي تمتدّ من الصين إلى أوزبكستان مروراً بقيرغيزستان.

1876: القوّات الروسية تغزو ما يُعرف الآن بقرغيزستان وتضمّها إلى الإمبراطورية القيصرية.

1917: الثورة البلشفية في روسيا. 

1936: إعلان جمهورية قيرغيزستان الاشتراكية السوفييتية (قيرغيزيا) كإحدى  جمهوريات الاتحاد السوفييتي.

1991: استقلال قيرغيزستان بعد تفكّك الاتحاد السوفييتي. عسكر أكاييف يتولّى الرئاسة.

2005: ثورة التوليب تُجبر أكاييف على التنحّي.

2010: الثورة القيرغيزية الثانية تُطيح بالرئيس كرمانبيك باكييف.

2020: الإطاحة بالرئيس سورونباي جينبيكوف في الثورة القيرغيزية الثالثة، التي ستؤدّي بعد عام إلى وصول صادر جاباروف إلى رأس السلطة.

10.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية