قُدِّم حفل “جوي أوردز” 2026 بوصفه حدثاً عالمياً عابراً للحدود، فهو كان مدجّجاً بالنجومية المستوردة والبذخ غير المحدود. حضور كاتي بيري بالافتتاحية، وأجرها الذي أُشيع بأنه بلغ عشرة ملايين دولار مقابل أداء قصير من ثلاث أغانٍ، تحوّلا سريعاً إلى ترند شغل العالم. بالإضافة إلى جلب ضيوف من الصف الأول في المشهد الفني الدولي، من بينهم أبطال “Squid Game” و”Stranger Things” ونجم البوب البريطاني روبي ويليامز وآخرون.
نظرياً، كان كل شيء حاضرًا: منصّة مترفة، صور براقة وميزانيات تُنفَق بسخاء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل أُبهِرنا؟ بل: ماذا يعني هذا الإبهار؟ وهل تكفي الكلفة العالية لصناعة حدث فني قيّم، أم أننا أمام استعراض ضخم يغطّي فراغًا أعمق؛ فراغ المعايير وغياب السؤال الأخلاقي والأهم، سؤال سلطة رأس المال على “الفنّ”.
الإشكالية لم تبدأ مع استقدام النجوم، ولا مع الأرقام الفلكيّة، بل عند اللحظة التي تحوّل فيها الحدث، الذي يُفترض أن يكون منصّة لتقدير الفن، إلى مساحة ملتبسة لـ”التكريم” و”المكافأة” وإقصاء من لا يمكن تطويعه، وإعادة ترتيب الذاكرة الثقافية العربية وفق ميزان لا يقيس الفن بقدر ما يقيس القرب من الضوء، ومن يُسمح له بالوقوف داخله. هنا، لا يعود المنجز شرطًا، بل يصبح الولاء هو العملة غير المعلَنة.
أثناء متابعة الحفل، يتكشّف ما يشبه “النص غير المكتوب” الذي يسبق الفن نفسه ويعلو عليه. كل من يعتلي المنصّة يكاد يبدأ العبارة ذاتها: “شكرًا سعادة المستشار تركي آل الشيخ”، لا بوصفها تحية بروتوكولية عابرة، بل كلزمة طقسية تتكرّر بإلحاح. ومع التكرار، يفقد الشكر معناه الرمزي، ويكتسب وظيفة أخرى أكثر خطورة: وظيفة الامتحان. حين يصبح الشكر شرطًا، لا يعود فعلًا حرًا، بل إعلان ولاء علني، يُقاس به الحق في الظهور والاستمرار. الصمت هنا ليس خيارًا، بل مخاطرة. الفن لم يعد قيمة مستقلة تُحتفى بذاتها، بل أصبح امتيازًا قابلًا للسحب، يُمنح لمن يُجيد أداء الطقس، ويُحجب عمّن يخرج عن النص.
تزداد المفارقة فداحة حين تحرص الكاميرا، في كل مرة، على التقاط ردّة فعل تركي آل الشيخ بعد عبارات الشكر، بما يحوّل اللحظة إلى مشهد اعتراف متبادل بالسلطة. يبلغ هذا العبث ذروته حين تصعد واحدة من صنّاع الدراما لتسلّم جائزتين متتاليتين عن عملين مختلفين، فتؤدي طقس الشكر نفسه مرتين، وكأن التكريم لم يعد احتفاءً بالمنجز، بل إعادة تثبيت للولاء تحت الأضواء.
غموض المعايير
ضمن هذا السياق، يصبح الحديث عن معايير فنية أو جماهيرية أمرًا إشكاليًا بحد ذاته. كيف يمكن التوفيق بين خطاب الشفافية المُعلن ونتائج تصويت تُقصي أسماء تمتلك قواعد جماهيرية ضخمة، مثل الشامي وبيسان اسماعيل، أو تُسقط فنانين شباباً تتصدّر أعمالهم قوائم الاستماع، لصالح أسماء لم يكن لها الأثر ذاته خلال العام؟ ما المعيار هنا؟ الانتشار؟ الإنجاز؟ التأثير؟ أم اعتبارات أخرى لا يُفصح عنها لأنها ببساطة لا تُقال؟
يبلغ هذا الالتباس ذروته عند التوقّف أمام تكريم فضل شاكر. هنا لا نتحدّث عن اختلاف ذائقة، ولا عن نقاش فني مشروع، بل عن صدمة أخلاقية كاملة. منح جائزتين لفنان لا تزال قضيته قيد التحقيق، ومرتبطة باتهامات خطيرة تتصل بالإرهاب، ثم منح جائزة إضافية لابنه، والتعامل مع غيابه عن الحفل كما لو أنه تفصيل عابر، يطرح سؤالًا جوهريًا حول نوع الشرعية الرمزية التي تُنتجها هذه المنصّة. في أي فضاء ثقافي يحترم نفسه، كان مجرد وجود هذه الاتهامات كافيًا لتعليق التكريم، لا لإعادة تعويم الاسم تحت أضواء الاستعراض.
ما حدث لم يكن احتفاءً بمسيرة فنية سابقة، بل بدا كعملية إعادة إدماج كاملة، تُنفَّذ عبر منصّة لامعة تملك قدرة هائلة على إعادة تشكيل الوعي والذاكرة. عرض تسجيل صوتي من داخل السجن، يشكر فيه فضل شاكر تركي آل الشيخ ويوصيه بالاحتفاظ بجوائزه، لا يمكن فصله عن منطق المصالحة الرمزية مع العنف، حين يُمرَّر كل شيء تحت ستار الفن.
إقرأوا أيضاً:
يتكرّس هذا المنطق الإقصائي بهدوء لا يقل دلالة في فقرة تكريم الراحلين عام 2025. فكرة مؤثرة في أصلها، كان يمكن أن تتحوّل إلى لحظة إنسانية حقيقية، لكنها فتحت باب سؤال آخر: من يُذكَر ومن يُمحى؟ كيف يمكن أن تمرّ فقرة كهذه من دون ذكر زياد الرحباني؟ غياب اسم بهذا الحجم لا يُقرأ بوصفه مصادفة. حين يُمحى اسم مركزي في الذاكرة الثقافية العربية، يصبح الغياب موقفًا، أو على الأقل اختيارًا واعيًا.
أزمة الدراما السوريّة
الأمر نفسه ينسحب على تغييب اسم الكاتب السوري أحمد حامد، أحد أبرز صنّاع الدراما الشامية، التي رفع عنوان تكريمها في الحفل. لماذا لم يُذكر الكاتب الذي كان له الأثر الأكبر بتطوير دراما البيئة الشامية بمسلسلات مثل “الخوالي” و”ليالي الصالحية”؟ ما الذي يجعل أسماء تُرفع وأخرى تُسقط من السردية؟ هنا يصبح من حق الجمهور أن يسأل، لا بوصفه مستهلكًا للعرض، بل بوصفه صاحب ذاكرة: من يملك سلطة إعادة ترتيب تاريخ ثقافي ليس ملكًا لأحد؟
بلغ هذا المنطق ذروته في ما سُمّي بـ”تكريم الدراما السورية”. لم يكن الإشكال في التكريم نفسه، بل في الطريقة والسياق. جاء التكريم بعد أشهر من اجتماع جمع تركي آل الشيخ بعدد من نجوم الدراما السورية، من دون أي توضيح علني لمضمونه. بدا المشهد وكأن السعودية تقدّم نفسها بوصفها “الحضن” الذي أعاد احتواء فنانين نُفيوا إعلاميًا تبعًا لمواقفهم السياسية. لم يظهر التكريم كاعتراف فني مستقل، بل كإعادة تموضع سياسي مغلّف بلغة الثقافة.
يزداد التناقض حدّة حين يُوضع المشهد في سياقه الأوسع: الاحتفاء على الخشبة، مقابل تناقضات سياسية وفكرية جارية في الواقع. هنا لم تُكرَّم الدراما السورية، بل اختُزلت، وأُعيد تقديمها كديكور جاهز، منزوع السياق والتاريخ.
اختُصر تاريخ كامل في بضعة عناوين وأسماء، وكأن ما عداها هامش لا يستحق الذكر. ثم جاءت “اللحظات الأيقونية” في صيغة أقرب إلى الاسكتش، إذ يتحوّل الفن إلى أداء ولاء داخل المشهد نفسه. ما عُرض لم يكن احتفاءً، بل محاكاة لبضاعة أُعيد تدويرها.
تكثّفت دلالة هذا كله في الصورة الختامية: كراسٍ شبه فارغة أمام عرض ضخم. حدث لا يحتاج جمهورًا، بل كاميرا. لا يحتاج تفاعلًا، بل صورة. عرض يُقام لشخص واحد، وتُعاد فيه صياغة الذاكرة على مقاسه.
كان المشهد، في جوهره، محزنًا. بدا وكأننا نتابع على المسرح دراما ميتة، لا لأن ممثلين أُعيد استدعاؤهم لأداء شخصيات تعود إلى عشرين أو ثلاثين عامًا مضت بعدما شاخوا فحسب، بل لأن ماكينة الدراما السورية التي صنعت تلك اللحظات تعطّلت منذ زمن. ما عُرض على الخشبة لم يكن استعادة حيّة لذاكرة فنية، بل تقديمًا لجسدٍ فقد شروط الحياة، ويُستدعى اليوم بوصفه أثرًا لا بوصفه صناعة حيّة.
هنا، لا يبدو من المنصف توجيه اللوم إلى تركي آل الشيخ أو إلى السعودية. العرض كان هزيلًا، نعم، لكنه أظهر في الوقت نفسه جانبًا من الشفقة: بذخ مالي كبير أُنفِق على سلعة منتهية الصلاحية. المشكلة الأعمق لا تكمن في المنصّة التي عرضت، بل في الدراما السورية نفسها، التي رهنت وجودها طويلًا لذائقة جمهور آخر، وتعاملت مع إنتاجها بوصفه منتجات رخيصة مُعدّة للتصدير، لا صناعة يُفترض ترسيخها محليًا واستثمار سنواتها الذهبية في بناء بنية إنتاج مستدامة.
وحتى لو افترضنا أن تلك السنوات الذهبية استُثمرت كما ينبغي، وأن قنوات ومنصّات محلية أُطلقت، وأن الدراما السورية سُوّقت بأفضل الأدوات، فربما كانت ستصل إلى النتيجة ذاتها. فالبلد الذي سُلِّم لإكس داعش، أبو محمد الجولاني، والذي مُسحت فيه شروط الحياة الثقافية، لا يمكن أن يحتفظ بأثر فني. اليوم، لا يُسمح باستيراد الآلات الموسيقية، الفنانون شبه مقصون من بلادهم، ولا أمان لهم فيها. في سياق كهذا، يصبح الفن ترفًا مستحيلًا.
وعلى نحوٍ فادح الدلالة، تزامن حفل “جوي أوردز” مع مشهد أكثر حزنًا في واقع الدراما السورية: توثيق خروج المنتج محمد قبنض من مكان اعتقاله أو اختطافه. هنا قد يُطرح سؤال وإن بدا شطحة بالتفكير: هل كان ثمة صلة بين الحدثين؟ وهل جاء هذا الخروج في سياق التعاطف السعودي ذاته مع الدراما السورية، أم أن المصادفة وحدها جمعت بين عرض احتفالي صاخب، وواقع فني يُدار اليوم بمنطق الفدية لا الصناعة؟
في المحصّلة، لم يكن “جوي أوردز” مجرد حفل جوائز، بل اختبارًا لمفهوم الفن نفسه. هل يمكن للترفيه أن يكون عالميًا بلا معايير؟ وهل يمكن للفن أن ينمو وهو يُدار بمنطق الولاء لا القيمة؟ الخطر في هذه النسخة من “العالمية” أنها لا تبحث عن الفن، بل عن السيطرة على سرده: من يُذكر، من يُكرَّم ومن يُسمح له بالوقوف على المنصة للشكر تحت الأضواء.
إقرأوا أيضاً:












