في ضوء عرض تأثيرها الهائل في مقال سابق، منطقي أن نفترض أنه لو كان كارل ماركس حيّاً اليوم، لما وصف شيئاً بأفيون الشعوب إلا كرة القدم.
اللعبة تعدّدت أدوارها منذ تبلورها في بريطانيا في الصيغة التي نعرفها اليوم، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولطبيعتها الأفيونية أسباب موضوعية. لا بدّ من التسليم أنها توفّر تشويقاً وإثارة يصعب على الرياضات الأخرى أن تنافسها. هي لعبة جماعية، لكنّها تتيح ظهور المهارات الفردية بوضوح، من ثم الأسماء اللامعة في تاريخها التي قاربت الخلود. وإن تقابلت فرق تتّسم بالمهارة ومتقاربة المستوى، فأنت أمام تشويق متواصل يلمع فيه الأفراد والفريق على حدّ سواء. وهي لمن يهواها من غير المحترفين رياضة يسهل ممارستها في أي ساحة مفتوحة وبأيّ خامات متاحة، ومن ثم يسهل التماهي معها.
لفهم تأثير كرة القدم كـ”صناعة” أو “استثمار”، يمكننا استخدام إطار نظري معني بـ”بضاعة” من نوع مختلف. قبل أقلّ قليلاً من قرن صكّ مفكّرو “مدرسة فرانكفورت” مفهوم “صناعة الثقافة”، أو ربما الترجمة الأدقّ والأقلّ حرفية: “تجارة الثقافة”. أحد أعمدة هذه المدرسة ثيودور أدورنو، استخدم موسيقى الجاز كأحد أمثلته المفضّلة. الأصل في هذا اللون من الموسيقى قدر من الارتجال، لكن سرعان ما ينقلب الأمر إلى بحث عمّا يسهل بيعه في وسائل الإعلام لأنه ما اعتاد المستمعون عليه، ومن ثم الأكثر شعبية، فيُلغى الارتجال ومعه الإبداع والابتكار لصالح الربح.
التفسير نفسه يمتدّ إلى كل منتج ثقافي تقريباً. في الإنجليزية، في مجال موسيقى الـ”pop” (وهي اختصار popular music، الموسيقى الشعبية) تسمّى الأغنية الناجحة hit (حرفياً خبطة)، ولا تتصدّر “الخبطة” قوائم الأغنيات المطلوبة لأكثر من بضعة أسابيع بحدّ أقصى عادةً. على محطّات الموسيقى التجارية تُجتَزأ الموسيقى الكلاسيكية ليهنأ السامع بالمقطوعات الأكثر شعبيةً من هذه السيمفونية أو ذاك الكونشيرتو، دون أن يعايش العمل كاملاً بكل ما فيه من أفكار ومشاعر كما قصد مؤلّفه، بمعنى آخر تُقلب الموسيقى الكلاسيكية هي الأخرى إلى “خبطات” تخضع لمنطق الربح. أمّا في مجالات السينما والإنتاج التلفزيوني فحدّث ولا حرج.
وفي كل صيغ الإنتاج الثقافي هذه وغيرها يحقّق رأس المال الربح من خلال منتج يسهل تسويقه، ممّا يعني بصورة آلية إعادة إنتاج الذوق نفسه والوعي نفسه (أو اللا وعي)، وأنماط التفكير نفسها (أو اللا تفكير)، لا يقضي ذلك على الابتكار بالمطلق، لكنّه قطعاً يقلّل مساحته. النتيجة أفق ضيّق ووعي مسطّح يعاد إنتاجهما مراراً وتكراراً.
في ذلك شبه بكرة القدم، فهي منتج للتسويق والتشويق، وهي أسهل في بيعها من أيّ منتج فنّي. بديهي أن تصبح اللعبة الأكثر شعبيةً في العالم كنزاً ثميناً بالمعنى الحرفي، تماماً مثلما هي، بقصد أو من دونه، أداة سياسية طيّعة. اللعبة هنا لها قواعدها، بل نطاقها المحدّد مساحياً (الاستاد حيث الملعب والمتفرّجين)، وبينما تحكمها القواعد هناك مساحة للابتكار والتألّق. ولأنها سهلة الممارسة لغير المحترفين، يمكن لمشاهديها التماهي معها، ربما أكثر من أيّ رياضة اخرى.
تخيل أنك مدمن لصنف معيّن من الأفلام، ولنقل الجاسوسية على طريقة جيمس بوند. المعتاد هو الكثير من العنف والمغامرة، وانتصار البطل أيّاً كانت الصعوبات القائمة ضده. الخطوط العامّة للحبكة معروفة مقدّماً وكذا نهايتها. لكنّ المتوقّع تنويعات في إطار المعروف مسبقاً، التجديد في الإطار الضيّق (هذا ما أجاده مخترع شخصيّة بوند، إيان فليمنغ).
في كرة القدم تتشابه الصورة. التشويق محكوم مسبقاً، وكذا الفكرة. النتيجة هنا غير مضمونة، لكنّها عادة محدودة الأثر، إن كان لها من أثر. وكما في أفلام جيمس بوند، هناك مساحة لتشويق وتنويع في إطار المعروف. الرسالة في حالة أفلام بوند بطل يحمل روحاً قومية متفوّقة. في حالة مباريات كرة القدم هناك لعبة مشوّقة تخلق ارتباطاً قد يصل إلى حدّ الهوس المرضي مع هذا الفريق أو ذاك، أو مع هذه الجماعة أو تلك، بدءاً بمدرسة أو رابطة حيّ سكني، وصولاً إلى مشروع قومي لدولة. علماً أن المباريات لا بدّ أن تتشابه، كما في أفلام الجاسوسية. تأثير كرة القدم وتأثيرها يمكن أن يرى فيه المراقب دليلاً على قوّة الروابط التي تحرّكها، لكن يمكن أيضاً أن يرى فيه المحلّل العكس. اللعبة تُعيد اختراع، أو ربما حتى تخلق من العدم، روحاً جماعية. وتعريف الجماعة لا ينطلق فقط من رابطة الولاء لعصبيّة ما، بل من العداء لأخرى، بدءاً من نادٍ مختلف وصولاً إلى شعب آخر.
من الظلم أن نقول إن هذا الهوس سلبي كله، لكن من الخطل أيضاً أن نصف تأثير كرة القدم والجنون بها بالإيجابية المطلقة. سلوك مشجّعي كرة القدم الإنجليز (hooligans) وعنفه أشهر من أن يُشار إليه، والتعصّب الكروي ظاهرة عالمية، وصلت إلى حدّ الحروب أحياناً كما أسلفنا (في المقال السابق من هذه السلسلة القصيرة).
لكنّ الهوس هو تحديداً سبب الرغبة في الاستثمار في اللعبة، سياسياً ومالياً، وكما في “تجارة” المنتجات الثقافية، تخدم كرة القدم عادةً وعياً مسطّحاً ودورة إلهاء تبدو مغلقة. يمكننا لوم أصحاب رأس المال أو الحكومات على ما يُضخّ في “صناعة” لعبة كرة القدم من مليارات الدولارات، لكنّ المسؤولية ليست عند المنتج وحده، بل هي أيضاً عند المستهلك، عند مدمن متعة اللعبة (وهي تبقى لعبة مهما علا شأنها). بداهة، الفوز في مباراة لا يحلّ مشاكل مجتمع ولا يُنهي أزماته، ولا الخسارة تزيد الواقع َسوءاً، لكنّ الظاهر غير ذلك.
الواقع الرأسمالي، منطق الربح و الخسارة، والعرض والطلب، الذي يصعب، إن لم يستحل، الهروب منه هو ما أدخل للفيفا خمسة عشر مليار دولار في السنوات الأربعة الأخيرة، وهو الذي يجعل قيمة نادٍ تقارب العشرة مليارات من الدولارات و”ثمن” لاعب مئتي مليون دولار أو أكثر.
من جهة، يخلق هذا تناقضاً هائلاً (ليس الوحيد من نوعه) بين صناعة تتمركز حول لعبة تتفوّق في حجمها على اقتصادات دول، وعالم ما زال مئات الملايين فيه يعانون فيه نقص الغذاء والتعليم والعلاج (بما في ذلك دول لها اسم في هذه الصناعة- اللعبة بالذات). لو ارتبطت كرة القدم عالمياً بتوسعة النشاط الرياضي سيُجبر المرء ساعتها على تقدير دورها التنموي، لكن أين هو هذا الدور؟ وإن وُجد، هل يتناسب مع حجم صناعة كرة القدم الهائل؟
إذاً، “رسملة” اللعبة لا يبدو الفكاك منها ممكناً (أيّاً كان الموقف من جياني إنفانتينو وخطّته) لكن لا بدّ من تقدير جوانب إيجابية، لم ينتويها من استثمر وموّل، ولا من شاهد و”استهلك” متعة كرة القدم. “شراء” المواهب عبر العالم صُنع في العقدين الماضيين مشهداً كروياً متنوّعاً ثقافياً وعرقياً، تزامن مع واقع أكثر تعدّدية وانفتاحاً في الغرب الأوروبي، من ثم أسماء لامعة كالفرنسي الجزائري الأصل زين الدين زيدان والمصري محمّد صلاح، وهؤلاء الأكثر شهرة، فغيرهم كثير. أيضاً لا تُنكر الأعمال الخيرية لبعض نجوم اللعبة. عدا سخاء محمّد صلاح مع أهل قريته المعروف للكافّة، أسماء كروية أخرى تنافسه في العطاء وفي خدمة أهداف إنسانية (كدعم منظّمات خيرية دولية) من هؤلاء، مثلاً: الأرجنتيني ليونيل ميسي، وابن ساحل العاج ديديه دروغبا، والبرتغالي كريستيانو رونالدو، والألماني ذو الأصول التركية مسعود أوزيل. لولا “رسملة” اللعبة لم يكن لأيّ من هؤلاء أن يراكم ما نال من ثروة ونفوذ، سمحا بدورهما بالكثير من الخير لمحتاجين ومعوزين. لكنّ هذه الفائدة غير المقصودة لا تلغي سؤال الأولويات، خاصّة في الدول الفقيرة. ومرّة أخرى لو اقترنت الرياضة هذه أو غيرها باستثمار في التربية الرياضية عموماً، فتعمّ الفائدة، ليس لأحد ساعتها وجه اعتراض.
برغم عدائي للعبة و”أفيونيتها” لا بدّ أن اعترف أنني وجدت سعادةً في انتصارات منتخب بلادي في كأس العالم السابق وحزناً لخروجه بعد هزيمته أمام الأرجنتين (التي شكّك كثر فيها). لم أشاهد أيّاً من المباريات، لكنّني كنت أسمع صيحات الجيران وأتابع الأخبار. طالني الهوس وأنا هارب منه، أو أتتني الوطنية من حيث لم أحتسب! رسملة اللعبة وإخضاعها لمنطق السوق جارٍ على قدم وساق. أمّا النجاح في مقاومة دور “الساحرة المستديرة” كإلهاء وخَدَر فيتطلّب وعياً أشكّ في أننا سنراه عندنا أو عند سوانا.
إقرأوا أيضاً:












