قال عنترة بن شداد :”ولقدْ خشيتُ بأنْ أموتَ ولم تُدرْ/للحربِ دائرةٌ على ابني ضَمْضَمِ، الشاتمي عرضي ولم أشفِ غيظي/حتى شفيتُ النفسَ من ذاكَ الدمِ”، كثرٌ هم “الضَّماضِم” في عصرنا الحديث، لكنّهم لا يحملون سيوفًا، ولا يمتطون الخيل، بل يختبئون خلف الشاشات، يشتمون كرامة الناس، ويسخرون من موتهم، ويطلقون ضحكاتهم الصفراء على صور الجثث والأنقاض. منشورٌ عن قصفٍ في غزة، أو عن طفلةٍ انتُزعت من تحت الركام، أو عن معتقلةٍ خرجت من السجن، أو عن مجزرة، يتحول في لحظة إلى ساحةٍ للتندّر والاستهزاء، تغمره رموز الضحك، كأن الموت مادةٌ للتسلية، وكأن الألم لا يستحق سوى السخرية.
يبدو أننا نشهد أشكالاً
جديدة للحروب، وأن تلك التي كانت بالأمس تُدار بالسيوف والرماح، صارت اليوم تُخاض بالإيموجي والتعليقات، وربما لو قام عنترة اليوم من قبره، ورأى هؤلاء الضماضم الجدد يسخرون من وجع المظلومين بدل أن يهبّوا لنجدتهم، لربما لم يجد فيهم خصومًا جديرين بقتاله، بل جمهورًا ضحلاً يضحك على كل شيء، حتى على معنى الشرف نفسه.
لم يعد الضحك فعلًا بريئًا في هذا الفضاء الواسع، صار أداةً لتوجيه الرأي، وسلاحًا رمزيًا لتقزيم المأساة، ووسيلةً لقتل الضحية مرتين: مرةً بالحدث، ومرةً بالاستهزاء. تحت كل منشورٍ يتحدث عن القصف أو السجن أو الفقر، يولد جيش الاضحكني — ذلك الحشد الذي يهاجم بالإيموجي ويهندس غزواته في مجموعات مغلقة تطلب المؤازرة من بقية أفراد جيش الأضحكني للضحك على القهر والموت.
في هذا السياق، لا ينبع الضحك من روح الدعابة، بل من نزعة سلطوية دفينة تريد أن تُعيد ضبط المشهد: لا مكان للبكاء، لا مساحة للغضب، ولا صوت للحقيقة. فحين يضحك الجمهور على المأساة، يُعفى الجلاد من الذنب، وتُدان الضحية لأنها تجرّأت على الوجع علنًا. وهكذا يتحوّل الضحك إلى غطاءٍ سياسي وأخلاقي، يخدم الأقوياء ويُسكت الضعفاء. وبالتالي فإن هذه الجموع التي تتقن السخرية من الألم ليست عابرة، هي امتدادٌ لثقافةٍ تُكافئ اللامبالاة وتُعاقب الحسّ الإنساني.
في زمنٍ تتنافس فيه المنصّات على سرعة التفاعل، يصبح التهكّم هو اللغة الأكثر انتشارًا، لأن الخوارزميات تكافئ ما يُثير ويُستفز، لا ما يُفكّر ويُناقش. وهكذا يرتقي المهرّجون إلى صدارة المشهد، فيما يُقصى الشهود والضحايا إلى الهامش. وفي المجازر العربية من غزة إلى درعا، ومن السودان إلى بيروت، يُقاس الوجع بعدد الضحكات التي تلاحقه. كلما اشتد الألم، ازداد الضحك، كأنّنا أمام معادلةٍ مَرَضية: كلما عظُم الجرح، اشتدّ التهكّم. وهنا تتجلّى خطورة جيش الاضحكني بوصفه ظاهرة ثقافية: ليس فقط لأنّه يستهزئ بالموت، بل لأنّه يربّي أجيالًا على ألا تشعر، على أن تعتبر التعاطف ضعفًا، والبكاء عيبًا، والحقيقة مزحة.
جيش الأضحكني الموحد
جيش الأضحكني هذا، لربما الجيش الوحيد الموحد في العالم، فسلوكه الحربي ذاته في أميركا وأوروبا والعالم العربي. كما أنه مزاجي، لكن لديه بوصلة واضحة، فهو لا يضحك على كل شيء، بل يضحك حين يُذكر الآخر، وحين يُنتقد الحاكم، وحين تُعرض صورة المجزرة التي ارتكبها جيشه الحقيقي أو حلفاؤه. إنهم لا يسخرون من عبثٍ، بل يمارسون سخريةً موجَّهة، لها وظيفة سياسية واضحة: تبرير الجريمة، وإسكات من يتحدث عنها. فالضحك هنا ليس انفعالًا بريئًا، بل خطاب ولاءٍ متقن الصياغة، يحمل بصمات السلطة ويدها الخفية في الفضاء الرقمي.
دراسة حديثة في مجلة Popular Communication حلّلت 4.4 مليون منشور إخباري محلي على فيسبوك في أميركا، تضمّنت أكثر من 800 مليون تفاعل عبر نحو سبع سنوات، ورصدت ما يقارب الـ11 مليون استخدام لردّ الضحك على أخبار الموت، مع قفزة واضحة خلال جائحة الكورونا. تبيّن أن موضوعات المرض ثم الجريمة حصدت النصيب الأكبر من هذا الضحك، ما يوحي بأن السخرية تُوجَّه حيث يمكن تأطير الفقد بوصفه مستحقًّا أو خصومةً سياسية وأخلاقية.
بهذا المعنى، يصبح الضحك أداة لإعادة ترميز الحدث: يفرّغ الخبر من مضمونه، ويحوّل التعاطف إلى سذاجة، والنقد إلى مادّة تهكّم. فحين يضحك الجمهور على الموت، يتخفّف القاتل من وطأة الذنب، وتُنقل المسؤولية إلى الضحية أو إلى من يجرؤ على انتقاد السلطة أو جيشها؛ فتبدو المجزرة نكتة ثقيلة لا جريمة، ويُعاد ضبط المجال الأخلاقي بضغطة واحدة.
هذا الدليل الكميّ يقوّي حجّتنا: ما نراه عربيًا جزء من نمط أوسع تُكافئه الخوارزميات وتستثمره السلطات، حيث يُستخدم الضحك لتسطيح المأساة وإخراج المعترضين من دائرة الجِدّة والشرعية. في العالم العربي، يمكن تتبّع هذا النمط في أكثر من بلد. في مصر، حين نُشرت صور ضحايا اعتصام رابعة العدوية عام 2013، غمرت صفحات التواصل الاجتماعي تعليقات ساخرة تصف القتلى بالممثلين، وتحوّل المشهد الدامي إلى مادةٍ للتهكم.
وفي السودان، كل خبرٍ عن جثث المدنيين في الشوارع يُقابل بردٍّ ساخر يختزل المأساة في جملة واحدة: صراع كراسٍ، وكأن الدماء تفاصيل هامشية في لعبة السلطة.
وفي لبنان، حين يتحدث الناس عن الانهيار الاقتصادي أو ضحايا المرفأ، تُواجههم غزوة من التعليقات من جيش الأضحكني، تُسخف آلامهم وتحوّلها إلى نكاتٍ موسمية. هذا الضحك المنظَّم لا يهدف إلى تسلية الجمهور، بل إلى إعادة صياغة الوعي، يُمحى فيها الفارق بين الجلاد والضحية، وتُقدَّم الوحشية في ثوبٍ من الفكاهة.
إقرأوا أيضاً:
إذاً، الضحك تحوّل إلى ممارسة جماعية تُدار أحيانًا ضمن حملات رقمية متعمّدة. تشير دراسات متعددة إلى أن السخرية الرقمية غدت أداة سياسية واجتماعية يُعاد من خلالها تشكيل الوعي الجمعي. فقد أثبتت تقارير جامعية أن الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط توظّف السخرية الرقمية كوسيلة دعائية فعّالة، لأنها لا تهاجم النقد مباشرة، بل تفرغه من مضمونه عبر التهكم الجماعي وإغراق النقاشات العامة بالمزاح المتواطئ. مثلاً، يؤكد تقرير جامعة أوكسفورد حول الدعاية الحسابية في الشرق الأوسط الصادر عام 2019، أن استخدام النكات والإيموجي والردود الساخرة أصبح من أكثر الأدوات تأثيرًا في تشويه سمعة الناشطين والمعارضين، وتحويل خطابهم الجاد إلى مادة للضحك الجماهيري. ويرى الباحث ياسر عبد العزيز في دراسته عن السخرية السياسية والإعلام السلطوي أن هذا النوع من السخرية المنظمة يعمل كآلية لضبط المجال العام وإنتاج الإجماع القسري، إذ تُستخدم الضحكات لتكميم الأفواه لا لإطلاقها.
لا حسّ ولا حيا!
تقول لي صديقة، كلّما تحدّثنا عن جيش الأضحكني، عبارتها المشهورة: “لا حس ولا حيا”، لكن في عمق المشهد، يبدو أن جيش الأضحكني ليس جيشًا من القساة فحسب، بل من المنهكين أيضًا. فالضحك، في أحد وجوهه، آلية دفاعٍ نفسي ضد الفاجعة حين تتكرّر إلى حدّ الاعتياد. نحن جيلٌ شاهد الموت أكثر مما شاهد الفرح، وتَمرّ عليه صور المجازر كلّ يوم حتى باتت تشبه الإعلانات؛ فيضطر كي يعيش إلى أن يضحك بدل أن ينهار. تشرح سوزان سونتاغ في كتابها Regarding the Pain of Others أنّ تكرار صور العنف لا يثير التعاطف، بل يطفئه، لأن العين تُصاب بالتخمة والروح تُصاب بالتحجّر. وهذا ما سمّته سوزان مولر لاحقًا «إرهاق الشفقة» أو Compassion Fatigue، أي تلك الحالة التي يفقد فيها الإنسان قدرته على التأثر بعدما أُغرق بصور الألم إلى ما لا نهاية.
لكن في ثقافتنا العربية، يتضاعف أثر هذا الإنهاك بسبب بنيةٍ اجتماعية ترى في البكاء ضعفًا وفي السخرية شجاعة. نربّي أبناءنا على ألا يُظهروا الألم، وأن يخفوا الخوف بابتسامةٍ أو نكتةٍ سوداء، فنصنع جيلاً يتقن الكوميديا أكثر مما يتقن الحزن. وحين تمتزج هذه التربية مع خوارزمياتٍ تكافئ الاستفزاز والضحك، يتحوّل التهكم إلى عملةٍ رقمية تُدرّ التفاعل وتشتري القبول الاجتماعي. وهكذا يتشكّل وعيٌ جديد يساوي بين السخرية والنضج، وبين اللامبالاة والذكاء.
في هذا السياق، يصبح الضحك شكلاً من أشكال التبلّد الجمعي، علامةَ زمنٍ منهكٍ من كثرة الفقدان وقلة الإحساس به. فبينما يفسّر علم النفس هذا السلوك كوسيلةٍ للنجاة من الألم، تراه الفلسفة انحدارًا أخلاقيًا، لأن من يضحك على المأساة يُعيد إنتاجها من دون أن يدري. وهنا أيضاً وتحديدًا تتجلّى خطورة جيش الأضحكني، إنه لا يكتفي بتطبيع القسوة، بل يُربّي عليها، فيحوّلها إلى سلوكٍ يوميّ يُمارَس باسم الذكاء والفكاهة.
إيموجي يهدّد السلم الأهلي
هذه ليست مزحة ولا إعلاناً طرقياً، لكنها الحقيقة، لأن جيش الأضحكني لا يكتفي بتشويه الوعي أو السخرية من المآسي، بل يضرب أساس التعايش الإنساني نفسه. فالضحك على الموت هو عدوى مجتمعية تمزّق الروابط بين الناس، وحين يُقابَل القهر بالسخرية يتحول المجتمع إلى معسكرين: من يضحك ومن يُهان.
هذا الانقسام النفسي هو الشرارة الخفية التي تفتت السلم الأهلي، وتحوّل الخلاف إلى كراهيةٍ صامتة تتغذّى على التهكم. كما أن السخرية المنظمة تقتل لغة التعاطف، وتزرع مكانها شماتةً تُمهّد للعنف، لأن من يسخر اليوم من صورة جثة، قد يعجز غدًا عن إنكار قتلها. ولذلك، لم يكن عبثًا أن ترتفع في السنوات الأخيرة أصواتُ خبراء وحقوقيين ومنظمات دولية تطالب شركة ميتا بإيقاف أو تقييد استخدام إيموجي الأضحكني في سياقاتٍ تتعلق بالموت أو الحروب أو الكوارث الإنسانية. فتقارير Digital Hate Lab وGlobal Witness ونداءاتٍ من مؤسسات عربية وأوروبية عدّة، أشارت إلى أن هذا الرمز تحوّل إلى أداةٍ لخطاب الكراهية والاستهزاء بالضحايا، يُستخدم في حملاتٍ رقمية لإذلال المقهورين وتبرير العنف ضدهم. ومع ذلك، لا تزال ميتا تكتفي بدور المتفرّج، تراقب الضحك يتكاثر على حساب إنسانيتنا، وكأنها نسيت أن مسؤولية المنصّات تقنية و أخلاقية أيضًا. ويبقى في بالي سؤال لا أجرؤ على الإجابة عنه: ماذا لو قام عنترة من بين الضحايا الذين يسخر منهم هؤلاء الضماضم؟
يا ترى، لو نهض عنترة من تحت الركام، ورأى الضحك يعلو على وجع المقهورين، ماذا كان سيفعل؟ أترك الأجابة لمخيلتكم و أدعو عناصر جيش الأضحكني الى التفكير أولاً و من ثم الإجابة عن تساؤلي. و للمناسبة، وبما أنني وعدت نفسي ألا أكتب عن الشأن العام السوري، إلا أنني أود أن أنوه على غرار ما يذيّله التلفزيون بعبارته الشهيرة، ولكن بخلاف قصده تماماً: “إن أي تشابه في ما كتب مع سياقكم، هو فعل مقصود، و أتحمل أنا المسؤولية الكاملة عنه”.
إقرأوا أيضاً:












