ليس هناك ما يدل على أن “الحزب”، أي حزب الله، لا يزال حزباً فاعلاً بين الناس لولا إطلالات أمينه العام التهديدية وتصريحات بعض المسؤولين فيه. هو أصلاً لم يعد يخاطب محازبيه ولا بيئته على المستوى القيادي، بل يخاطب الآخرين، أو بالأحرى يهدّدهم. كل من يسأل، كل من ينتقد، كل من يستفسر، وأخيراً كل من يبكي جنى عمره وأرضه ويشكّك في جدوى هذا العبث الذي فُرض على الجنوب وأهله والبقاع والبقاعيين والطائفة الشيعية واللبنانيين.
هذا ما يفعله الأمين العام نعيم قاسم وبعض المسؤولين في “الحزب”. ليس هناك من مهام، فالمهمة واحدة وواضحة: أن نصمت. جميعاً. ألا نسأل عن شيء وأن نقبل بأن يُسلب منا كل شيء، ألا نسأل عن الكلفة وكأن الحزب هو وحده من يدفعها، وكأنه أصلاً يدفعها استثماراً في الآخرة، كما يقول.
هذا في المباشر، في القوة الخشنة. فالأمين العام لا يُتعب نفسه في تقديم أي سردية ولا في ممارسة المحاججة التي اشتهر بها الأمين العام السابق. لا يتعاطى بالملفات ولا يفنّد الدلائل. بل يهدد كل من يسأل، كل من يشكّك، كل من يتذمر من خسارة البيت والأرض والأقارب.
جمل كثيرة منزوعة السياق تُقذف في وجه كل من يخسر، كل من يتململ. وأكثرها تداولاً أخيراً هي “أرضيتَ يا رب؟ خذ حتى ترضى”. ولكن كيف نقول للحزب إن البعض أعلم بما يرضي الله؟ فالحاج حسين فقيه “أبو علي” ذو الـ 87 عاماً، والذي أصرّ خلال أيامه الأخيرة على النوم فوق ركام منزله في صريفا، عرف أن الله ليس براضٍ عما يحصل. فمن يرضى بأن يُفقر شعباً ويقهر بأولاده ويُحرم من رزقه وهو معصوب العينين ومكموم الفمّ؟ ولماذا؟ أو بالأحرى، لمن؟ لن يرضى.
وهنا نصل إلى الدور الأكثر “حنكة” وانتشاراً، والذي بات يلعبه نوع جديد من القوة الناعمة من صناع محتوى، وتحديداً بعض صانعات المحتوى.
بات لحزب الله مؤثرون ومؤثرات يبيعون شتى أنواع الوهم من انتصارات واهية وأخبار ميدان، وتكتيكات استراتيجية وتحليلات حربية، وحقوق إنسان وسياسات دولية ورومانسية مرفّهة عن الجنوب والجنوبيين، والصبر وتحرير النفس البشرية تحت شعارات منزوعة السياق بشكل مستفزّ ومنفّر ووقح.
وهنا تبرز مجموعة من المؤثرات اللواتي ينتقلن كالفراشات بين المواضيع وأحياناً بين البلدان. منهن من يعشن خارج لبنان، وأخريات مقيمات في لبنان وهنّ طبعاً بعيدات عن مناطق النزاع وبؤر القهر إلا من خلال الشاشات المفتوحة.
هن يثقن بالمقاومة ويتوقعن النصر وينقلن أخبار الميدان ويعرفن أن إسرائيل تتصدع ويفهمن بتكنولوجيا المسيرات، ومناضلات واعيات لا تنطلي عليهن سردية العدو ولا يرفّ لهن جفن عند رؤيتهن صور أفراد الجيش الإسرائيلي في قلعة شقيف ولا الغارات على صور ولا التوقعات عن سقوط النبطية عاصمة جبل عامل.
هذه كلها تفاصيل لا يخضن فيها. والأكثر وقاحةً منهنّ اللواتي يقررن الخوض في هذه التفاصيل لدحضها. كيف؟ بالغريزة والثرثرة.
فالنصر آتٍ لا محالة، بعد أيام أو أسابيع أو سنين. ولمَ لا؟ لماذا يكون للصبر حدود، وهنّ يعشن في بيوتهن مرفّهات، مهفهفات، وفي أحضانهن أطفالهن، فيما المنصات مفتوحة لصناعة محتوى يبيع ولا يشتري؟
هؤلاء المؤثرات لا تبدو عليهنّ أي مظاهر تديّن، ولكنهن لا يترددن في التداول بالدين. يرددن العبارة الشهيرة بفجاجة “أرضيتَ يا رب؟ خذ حتى ترضى”. فماذا أخذ الله منهن تحديداً حتى يرضى، لا نعرف. ليس مهماً. المهم أنهن يضعن صفحاتهن على إنستغرام وتيك توك في خدمة نصرة المقاومة و”القضية”.
يخبروننا أن المعارك لا تُحسم من الجولة الأولى، وأن المنتصر يجيد لعبة النَفَس الطويل، وأن الهدوء خلال هبوب العاصفة هو تدريب قاس على معركة البقاء، وأن أولئك الذين لا يخشون الموت يحيون الى الأبد… وينلن عشرات الآلاف من اللايكات على هذه النصائح القيّمة. إنها نسخة من “لايف كوتش” المقاومة؛ فلارنكا لم تسقط، وباريس لا تزال عاصمة الموضة، وتمارين اليوغا لا تزال ترفع المعنويات.
هذه النصائح مفيدة لمن لا يخشى الموت، ولكن ماذا عن الذي يخشاه؟ ماذا عن الذي يموت، لا مجازاً، بل حقيقة؟ الذي انقصف عمره، لا مجازاً أيضاً. هل من نصيحة تنفع هؤلاء الذين يموتون؟ الذين يُقتلون؟ الذين لم يُسألوا إن كانوا يخشون الموت أم لا، والذين لم يُسألوا إن كانوا يرغبون في الأبدية؟ الذين لا يريدون أن يعيشوا العمر عمرين، بل يرضون بأعمار الأيام المعدودة في حياتهم البسيطة؟
إقرأوا أيضاً:
أولئك الذين كانوا يرضون بأن يعيشوا يومهم بيومه، يزرعون فيأكلون، وينامون تحت سقف منزلهم بكرامة وسترة. الذين لا يستطيعون التنزّه على شواطئ قبرص أو اليونان ليصنعوا محتوى مرهف الإحساس عن الاشتياق والحنين إلى الوطن. الذين يشعرون بالحنين إلى الوطن عندما يخرجون من قريتهم، ويحلفون بغربتهم عند أول دوّار.
ماذا عن الذين لا يملكون في رصيدهم، ورصيد عائلاتهم، ما يحرّرهم من الماديات ليكابروا على الخسائر في مشهد مسرحي أمام منزلهم المهدّم، مردّدين عبارة: “أرضيتَ يا رب؟ خذ حتى ترضى”. أي الذين أمضوا عمراً كاملاً يحمون ويبنون…
ماذا عنهم؟ هل من نصائح تُقدَّم إليهم؟ هل من محتوى يناسبهم؟ هل من خوارزميات تسعى إلى جذبهم؟ هل من اقتصاد يشملهم؟ أم أنهم غير معنيين باقتصاد جذب الانتباه (The Attention Economy)؟
فتعداد الخسارات ليس جذاباً. ولا طلب السترة. ولا إعلان الهزيمة وتقبّلها. ولا أعمال الحد الأدنى، والرضى بالاقتصاد التقليدي. ولا الكفر بالنزوح وحياة الخيام. هذه كلها لا تصنع محتوى جذاباً. فكيف تصوغ من الخسارات شعاراً؟ وكيف تقول إن القضية أصغر من عمر تعيشه بكرامة في منزلك المتواضع في قرى الشريط الأصفر – وما بعده – وإنك لن ترضى أن تقدّم أكثر، حتى لو كان الطالب هو الله؟ فما بالك عندما يكون الطالب من لا يدفع، بل يبيع ويشتري بالمجان؟
إذاً، نحن أمام صانعات محتوى “ينتصرن” للقضية ويروّجن للصبر غير المتململ. صانعات محتوى لا تعاقبهن منصاتهن – لم تجب حساباتهن يوماً – لأنهن ببساطة لا يقدمن أي محتوى سياسي ونقدي لإسرائيل أو أي سردية تربكها.
نادراً ما يتوقفن عند المجازر التي تقوم بها، والإبادة العمرانية والثقافية التي تمارسها. إنه محتوى لا يرفع المعنويات. صانعات يبعن ما تحبّ إسرائيل أن تسمعه لتبرر أكثر وحشيتها وهمجيتها المعتادة: كأن يسوّقن إن مسيرة انقضاضية تخدش جندياً إسرائيلياً أو حتى تقتله، تعادل سقوط قرانا واحتلالها من جديد. هذه هي المعادلة التي تروّج لها صانعات المحتوى، محتوى غير مسؤول وغير بريء حتى لا نقول أكثر.
إقرأوا أيضاً:












