لم تكن الصور التي كُشف عنها للمعتدي الجنسي جيفري إبستين مجرّد إضافات أرشيفية إلى فضيحة قديمة، بل لحظة كاشفة لطبيعة النفوذ والسطوة حين تتحرّر من أيّ مساءلة أيديولوجية أو أخلاقية، والمفارقة ليست في ظهور إبستين إلى جانب هذا الاسم أو ذاك، بل في السلاسة التي انتقل فيها بين عوالم متناقضة بالكامل.
في الصور المفرَج عنها حديثاً من ملفّات إبستين، تظهر صور عدّة تجمعه بالمفكّر اليساري الأشهر في العالم، نعوم تشومسكي؛ واحدة منها على متن طائرة خاصّة. بينما يظهر إبستين في صور أخرى ضاحكاً إلى جانب ستيف بانون، أحد أبرز منظّري اليمين القومي الشعبوي الأميركي.
بين الصورتين، لا يوجد أي تقاطع فكري أو سياسي أو أخلاقي تقريباً، ومع ذلك يبدو إبستين في كلتيهما في موقع المطمئن.
نعوم تشومسكي ليس مجرّد اسم ثقافي عابر. هو مفكّر ارتبط اسمه تاريخياً بنقد جذري للرأسمالية، وللإمبريالية الأميركية، ولشبكات القوّة التي تعمل خلف واجهات الديمقراطية والليبرالية. The New Yorker وصفته مراراً بأنه أحد أكثر الأصوات تأثيراً في تفكيك العلاقة بين المعرفة والسلطة. ظهوره في صورة مع إبستين على طائرة خاصّة، لا يمكن التعامل معه كتفصيل بريء أو كحادثة اجتماعية عابرة. الصورة لا تُدين تشومسكي جنائياً، لكنّها تطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً حادّاً: كيف يستطيع المال أن يخلق مساحة استثناء، حتى في محيط مفكّرين بنوا مكانتهم على نقد هذه السلطة نفسها؟
في الجهة الأخرى، تبدو صورة إبستين مع ستيف بانون أكثر فجاجة في دلالتها السياسية. بانون، الذي قدّم نفسه بوصفه عدواً للنخب الليبرالية وناقداً شرساً لـ”المؤسّسة” كما كان يصفها دوماً، يظهر مبتسماً إلى جانب رجل يجسّد هذه المؤسّسة بأكثر أشكالها ظلمة. هنا، لا يعود الحديث عن تناقض شخصي، بل عن حقيقة بنيوية: الخطاب الشعبوي المعادي للنخب لا يمنع التعايش العملي معها حين يكون المال حاضراً.
بين تشومسكي وبانون، تمرّ أسماء أخرى من طيف سياسي وثقافي واسع: بيل كلينتون، بيل غيتس، مايكل جاكسون وغيرهم. لا يجمع هؤلاء مشروع فكري واحد ولا رؤية أخلاقية واحدة، لكن يجمعهم أنهم تحرّكوا في الفضاء نفسه، حيث المال لا يطلب التماهي الأيديولوجي، بل القبول الصامت.
إقرأوا أيضاً:
The New Yorker وصفت إبستين في أحد تحقيقاتها عنه بأنه رجل “تمكّن من إدماج نفسه داخل دوائر النفوذ السياسي والثقافي رغم الشبهات المعروفة حوله”. هذه الجملة لا تصف مهارة اجتماعية، بل آليّة حماية.
المال، في حالة إبستين، لم يكن وسيلة للرفاه أو الثراء فقط، بل أداة سياسية كاملة. كان يشتري الوقت، أي تأجيل المواجهة. يشتري الصمت، أي تجاهل الشبهات المتراكمة حوله وحول جرائمه الجنسية، ويشتري الشرعية، أي القدرة على الظهور في صور عامّة، وعلى دخول مؤسّسات أكاديمية وثقافية، وعلى إعادة تقديم نفسه بوصفه مانحاً أو وسيطاً أو شخصاً مفيداً.
هذا الإحساس بالحصانة هو ما يجعل الصور الأخيرة لإبستين مع فتيات قاصرات في أوضاع حميمية صادمة، أكثر خطورة من كونها أدلّة على جريمة. هذه الصور لا تشير فقط إلى الاعتداء، بل إلى ثقة كاملة بالإفلات من أي محاسبة، بل وبالارتخاء إلى حدّ التقاط صور ووضعها بشكل ظاهر في غرف خاصّة.
من يجرؤ على هذا الارتكاب لا شكّ في أن لديه قناعة راسخة بأن ما يفعله لن تكون له عواقب، لأن شبكة الحماية السياسية والثقافية والقانونية أوسع من أيّ مساءلة. هذا الشعور لا يولد من فراغ، بل من تجربة طويلة مع نظام أثبت مراراً أنه يفضّل حماية نفسه على حماية الضحايا.
شهادات الناجيات تُعيد هذا المعنى بصيغة أكثر قسوة. كثيرات تحدّثن عن إحساس بأن الخصم لم يكن رجلاً واحداً، بل منظومة كاملة. إحدى الناجيات قالت في مقابلة إن الشعور السائد كان أن “النظام لم يكن مصمّماً لإيقافه (أي إبستين)”. هذه ليست جملة إنشائية، بل توصيف دقيق لفشل سياسي وقانوني وأخلاقي متكامل.
اليوم، مع السماح بنشر المزيد من الوثائق والصور، يتجدّد الجدل حول من يُسمّى ومن يُحجب ومن تُحمى سمعته ومن تُترك قصّته مكشوفة. لكنّ هذا الجدل نفسه يُعيد إنتاج المشكلة إذا بقي محصوراً في لعبة الأسماء.
فالفضيحة الحقيقية ليست في أن إبستين جمع في صوره بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، بل في أن النظام سمح لهذا العبور بأن يكون طبيعياً، بل مريحاً. حين يصبح المال قادراً على تعليق النقد اليساري، وتليين الخطاب اليميني، وإعادة تدوير مجرم جنسي مُدان، وحين يتجاهل النظام شكاوى الضحايا فنحن أمام أزمة سياسية بنيوية، لا انحراف فردي.
قضيّة جيفري إبستين، في جوهرها، ليست عن رجل استغلّ وانتهك قاصرات وفتيات فقط، بل عن عالم يسمح له بأن يفعل ذلك وهو مطمئن. عالم تكون فيه الأيديولوجيا قابلة للتعليق، والأخلاق قابلة للتفاوض، والعدالة خاضعة لميزان النفوذ.
السؤال الذي تفرضه هذه القضيّة اليوم، ليس من ظهر في الصور، ولا من كان يضحك أو يصعد الطائرة؟ بل ما الذي يجعل هذا العبور ممكناً، ومقبولاً، وقابلاً للتكرار؟ وما الذي يجعل المال، مرّة بعد مرّة، أقوى من كلّ القيم التي تدّعي هذه العوالم الدفاع عنها؟












