منذ توسّع رقعة الحرب الإسرائيلية على لبنان بالتوازي مع قصف عنيف يستهدف مناطق في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت من دون أي إنذار مسبق غالباً، لم يفارقني شعور الخوف. ومع مرور الأيام، لم يتراجع هذا الإحساس، بل ازداد حدّة مع أصوات الطائرات الحربية الإسرائيلية التي لا تغيب عن السماء، ومع أزيز المسيّرات الذي عاد وأصبح جزءاً من يومياتنا مجدداً.
عند أولى الغارات، قفزت من سريري مذعورة. أيقظت والديّ وأنا أصرخ: “الضاحية… الضاحية… عم بيضربوا”. ما أتذكره بوضوح أن جسمي كان يرتجف بشدة، وأنني بقيت واقفة في مكاني لنحو نصف ساعة من دون حركة تقريباً. في المقابل، بدا والدايّ أكثر تماسكاً؛ اكتفيا بنظرات مليئة بعلامات الاستفهام عمّا يحصل، من دون أن يظهر عليهما خوف أو ارتباك واضح.
في اليوم التالي، استُهدفت شقة في عرمون، على بُعد نحو خمس دقائق فقط من منزلنا. دوّى صوت الغارة قريباً هذه المرة. بقي أبي في مكانه، ونظر حوله بهدوء قبل أن يقول: “شو هيدا الصوت؟ غارة شكلها قريبة”.
أثار ردّه غضبي أكثر مما طمأنني. التفتُّ إليه وقلت بانفعال: “كيف ما بتخاف؟ كيف فيك؟!”أجابني ببساطة بدت لي ثقيلة ومليئة بذاكرة لا أعرفها: “نحن مارق علينا كثير… هالأصوات ما شي مقارنة باللي عشناه”.
أدركت اختلاف الأجيال وتجاربها وتأقلمها مع الكوارث والحروب.
عاش أبي في محلة رأس النبع في بيروت، حيث كان منزل أهله يقع تماماً على خطّ التماس الذي كان يفصل بين بيروت “الشرقية والغربية”، أي بين المناطق المسيحية وتلك المسلمة خلال سنوات الحرب الأهلية. هناك، كانت القذائف تسقط في كل مكان تقريباً، أما التعامل مع القنّاصين ومحاولة تفادي رصاصهم فكانت لهما قصص لا تنتهي.
بدأ يروي لي، للمرة الألف ربما، كيف سقط صاروخ بالقرب منه ذات مرة ولم ينفجر. يقول إن أهالي الحي تجمّعوا حوله بحذر وفضول في آن واحد، وكأنهم اعتادوا العيش على حافة الخطر. ويروي أيضاً كيف خسر أصدقاء له، بعضهم برصاص القناصة، وآخرون بالقذائف، ومنها القذائف الإسرائيلية التي كانت تضرب بيروت. حتى عمّتي لم تسلم من الحرب، إذ أصيبت بشظايا صاروخ بينما كانت تحاول حماية ابنتها من القصف.
ومع ذلك، يصرّ أبي دائماً على أن الحياة لم تتوقف. يقول إنهم كانوا يجدون طرقاً بسيطة لمقاومة الخوف والاستمرار. كانوا يوصلون التلفزيون بمحرّك السيارة لمشاهدة مباراة كرة قدم، أو يلعبون في الحي حتى تتّسخ ثيابهم ويتعبوا من الركض، قبل أن يعودوا إلى منازلهم على وقع أصوات الحرب.
في حادثة طريفة يسردها وهو يضحك، يتذكّر إلقاء الجيش الإسرائيلي صناديق إخلاء فورية، فظنّها قذيفة، ما جعله يهرب وأصحابه، حتى من كان يعتزم المقاومة ويحمل “فرداً على خصره”، هرب يميناً ويساراً، وتشرّدوا بعدها.
كذلك أمي تشرّدت، لا تتذكّر الحرب كثيراً لأنها كانت صغيرة، أمضت معظم أيامها في جبل لبنان حيث هربوا من أهوال القصف. لذلك، تبدوا أكثر قلقاً من أبي، وتسرع الى النوم قبل بدء القصف الإسرائيلي الليلي، الذي بات يتوقعه اللبنانيون ويترقبونه.
إقرأوا أيضاً:
أما نحن جيل الـ”Gen Z”، والذي يُعتبر بالنسبة الى الجيل السابق أكثر هشاشة ودلعاً، حسب وصف البعض، فلم نعتد هذا كله.
نعم، عشنا أيضاً مرحلة الاغتيالات التي امتدّت بين عامي 2005 و2014، ومعها خوف أهلنا الدائم من التفجيرات المتفلّتة التي كانت تضرب مناطق مختلفة من لبنان. كنا نكبر في ظل هذا القلق اليومي، والتحذيرات المتكرّرة من أماكن يجب تجنّبها أو طرقات قد تكون خطرة.
كما عشنا حرب تموز 2006 وبعدها اجتياح 7 أيار/ مايو 2008، عندما احتلّ حزب الله بيروت وحاصرها. لم أفهم يومها تفاصيل ما يحصل، كنت طفلة، لكنني أتذكر جيداً الهلع الذي رافق أصوات الرصاص. أبقانا أهلي في “الكوريدور” داخل المنزل، باعتباره المكان الأكثر أماناً بعيداً عن النوافذ، وتسمّرنا في مكاننا حتى خفّ إطلاق النار.
كانت الأصوات الناتجة من حرب تموز، أبعد قليلاً. كنا نسمع الطيران الحربي والقصف الذي طاول المطار والضاحية الجنوبية لبيروت. لا أتذكر كل تفاصيل تلك الأيام، بل مشاهد متفرّقة منها: لحظة إعلان اندلاع الحرب، والطلب من الجميع العودة إلى منازلهم، وخوف أمي حين انتشر خبر أن الطيران الحربي قد يحلّق على علو منخفض فوق عرمون وبشامون. يومها قرّرت أن تأخذنا سريعاً إلى عيناب في الجبل.
في حرب الـ66 يوماً عام 2024، التي سُمّيت بحرب “إسناد غزة”، كان الأمر مختلفاً بالنسبة إلي. كنت قد أصبحت صحافية، أعمل مراسلة على الأرض، أتنقّل بين الأماكن بعد استهدافها وأُجري مقابلات مع الناس. يومها، لم يكن الخوف عائقاً أمام عملي أو أمام متابعة حياتي اليومية.
لكن هذا الأسبوع مختلف. أشعر وكأن جهازي العصبي يرفض التأقلم مع هذا المستوى من الرعب. أبقى في حالة تأهّب دائم، وأحياناً لا أستطيع النوم قبل شروق الشمس.
بدأت أتساءل إن كنت أبالغ في ردّة فعلي، لكنني حين أنظر إلى من حولي أجد القلق نفسه في عيون كثيرين. ربما لم نعتد فعلاً على ثقافة الحروب على رغم كل ما مررنا به، أو ربما تبدو التجربة هذه المرة أخطر، كوننا نواجه وحشاً لا يبدو أن أحداً قادر على ردعه، لا الجهود السياسية، ولا الدبلوماسية، ولا حتى العسكرية.
الشيء الوحيد المشترك بين اختلاف تجارب الأجيال، هو أننا نتوارث وضعية الـ”survival mode”.
إقرأوا أيضاً:














