ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 حادث الدائري الإقليمي في مصر: كلّ “الطرق السريعة” تؤدّي إلى الموت!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تُفاخر الحكومة بتقدّم مركز مصر على مستوى الطرق، لكن هذا فعلياً ليس له أهمّية، ما لم ينشأ الطريق، كطريق آمن منذ البداية، ولا يحتاج لاحقاً إلى إصلاحات، ولا تنقلب عليه السيّارات بعد ارتدادها يميناً ويساراً بسبب المطبات وهبوط الإسفلت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد مرور أيّام على حادث الطريق الإقليمي في دلتا مصر، الذي راح ضحيّته 18 فتاة غالبيتهن قاصرات/ طفلات، لم يعلن أي مسؤول رسمي عن تحمّل المسؤولية حتى لحظة كتابة هذا التقرير، ولم يتقدّم أي وزير أو حتى وكيل وزارة بالاستقالة، ولا حتى سمعنا اعترافاً بالخطأ… مجرّد كلمات تُقلّل من الغضب وحُرقة قلوب الأهالي على بناتهن.

 وبعد 10 أيّام قرّرت وزارة المالية صرف تعويض 100 ألف جنيه لكلّ أسرة من أسر الفتيات اللواتي فقدن حيواتهن في الحادث… لكن أيضاً من دون أي اعتذار.

خرجت البنات صباح الجمعة متكّدسات في سيّارة أجرة لجني محصول العنب في مزرعة تقع على بعد ساعة ونصف الساعة من قريتهن، وقتها كان وزير النقل كامل الوزير في مؤتمر في تركيا، ولكنّه لم يقطع زيارته ليعود ويتابع ويواسي ويعتذر، وبعد ثلاثة أيّام من الحادثة، عقد البرلمان جلسة بدأها بالوقوف دقيقة حداد على أرواح الفتيات وطلب “إحاطة يتيم”.

البنات صغيرات على الشقاء، والطريق الجديد صُرفت عليه الملايين، أما الوزير، فلم يُقرّ بالخطأ، ناهيك بأن الموت حقّ لا يُعانَد.

18 فتاة فارقن الشقاء

سارة وهنا وهدير ومنّة وحبيبة وشروق وشيماء ورويدا وتقى وجنى وأسماء وإسراء وسمر وملك وآية ومروة وميّادة وآيات، 18 فتاة قُتلن في حادث الطريق الدائري، من أصل 21 فتاة تكدّسن في سيّارة ميكروباص تتسّع لـ14 راكباً. 

لكنّ الفتيات اعتدن على “شحنهن” بهذه الطريقة، مثلما اعتاد آباؤهن وأمّهاتهن. فعمّال التراحيل الذين يرتبط عملهم بمواسم الحصاد، يُنظر إليهم كـ”أنفار” وأيدٍ عاملة رخيصة لجني الثمار ومقاومة الآفات.

هؤلاء لا يتمتّعون بأجور عادلة ولا بتأمين صحّي ولا بتعامل آدمي في طريقة نقلهم، فوسيلة نقل عمالة المزارع والغيطان هي سيّارات النقل وما يسمّى بـ”التريسكل”، على الطريق الدائري وكلّ الطرق الزراعية في دلتا مصر وصعيدها، يتكدّس العمّال والعاملات في هذه الوسائل غير الآمنة فوق بعضهم بعضاً فعلياً توفيراً للنفقات.

 القطاع الزراعي في مصر يعتمد بشكل كبير على النساء، وحسب الدكتورة شريفة شريف المديرة التنفيذية في المعهد القومي للتنمية المستدامة (الذراع التدريبية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية) تشكّل النساء 45% من القوى العاملة في الزراعة، ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء للعام 2022، تمثّل الزراعة 32.4% من العمالة النسائية غير الرسمية، حيث أصبح قطاع الزراعة مؤنثاً بسبب هجرة الرجال من الريف إلى المدن. وتقوم النساء بـ94% من أعمال الحصاد ومكافحة الآفات وإزالة الأعشاب الضارّة في صعيد مصر و67% في الوجه البحري. 

كما تمثّل النساء النسبة الأكبر79.5% من العمالة غير مدفوعة الأجر في الريف، بحسب العرف السائد الذي يجعل النساء المزارعات يعملن دون أجر في فلاحة أرض الأب أو الزوج، بدلاً من الاستعانة بعمالة زراعية تتقاضى أجراً نظير العمل. كما أن أقلّ من 5% من الأراضي الزراعية مملوكة للنساء، فهن أيدٍ عاملة مجّانية، فما بالنا بحقّهن في تملّك الطين؟

فتيات قرية السنابسة كنّ يعملن للمساعدة في الإنفاق على أسرهن، وبعضهن من أجل “تحويش” مصاريف السنة الدراسية المقبلة لئلا يصبحن عبئاً على أهاليهن… فقيرات، ينفقن ويدرسن ويعملن ويواجهن المتاعب في سنّ مبكرة، تناقلت حكاياتهن وسائل التواصل الاجتماعي، فزاد الحزن والغضب، وتوجّه معظم هذا الغضب تجاه الحكومة، ليس فقط كجهة مسؤولة عن إدارة الطريق وتأمينها، بل لأن هذا الحادث كشف عن منظومة إنتاجية كاملة تعتمد على استغلال الفقيرات صغيرات السنّ، وكشف عن دولة انسحبت من مسؤولياتها تجاههن وتركتهن في سوق عمل بلا عقود ولا تأمينات، ولم تضمن لهن وسيلة نقل آمنة.

اتّجاه واحد للموت

في أيلول/ سبتمبر 2018 افتتح الرئيس عبد الفتّاح السيسي آخر قطاع في الطريق الدائري الإقليمي بطول 57 كيلومتراً أمام حركة المرور،  الذي يبلغ طوله 400 كيلومتراً، ويربط المحاور الطولية السريعة والرئيسية المتّجهة من وإلى إقليم القاهرة الكبرى، ويضمّ القاهرة والجيزة والقليوبية.

الطريق ضمن خطّة تنفيذ 6500 كيلومتر من الطرق الجديدة، بتكلفة 162 مليار جنيه، وتبقّى تنفيذ 500 كيلومتر منه، تقول وزارة النقل أنه تمّ تطوير ورفع كفاءة 10 آلاف كيلومتر من شبكة الطرق الحالية بتكلفة 130 مليار جنيه.

هذه الأموال مصدرها معروف: أموال قروض صندوق النقد الدولي، الذي يتحمّل تسديدها بالفوائد دافعو الضرائب والمواطنون الذين عانوا من موجات تعويم الجنيه أمام الدولار وارتفاع الأسعار، الطرق الجديدة مهمّة وحيوية، ولكنّها حين تتحوّل إلى مصائد موت بسبب أعطال على طريق جديد، فلا يهمّ شيء مقابل الأمان.

الطريق بعد 5 سنوات من افتتاحه، بدأت تظهر فيه انخفاضات وهبوط بسبب مرور سيّارات النقل الثقيل عليه، وكان من المفترض أن يتمّ إنشاؤه بقواعد خرسانية تتحمّل الأوزان، لكن مع ظهور هذه النُقر والمطبّات التي تتحوّل مع السرعة إلى أفخاخ سبّبت العديد من الحوادث، وتمّ إغلاق الطريق الجنوبي لتصليحه بتكلفة 50 مليار جنيه إضافية.

 تمّ تحويل الطريق الشرقي إلى حارتين باتّجاهين بينهما فواصل خرسانية، ومع استحداث الأهالي منافذ نزول وصعود على الطريق، أصبح السير عليه شديد الخطورة والفوضى، وبالتالي فقد وجد أدهم سائق الميكروباص نفسه أمام تريللا/ سيّارة نقل ثقيل، تسير بسرعة شديدة، مما أدّى إلى التصادم ومقتله ومقتل 18 من الفتيات وإصابة 3 منهن بجروح.

بعد أسبوع على حادث الفتيات، وقع السبت الماضي حادث آخر على الطريق الإقليمي، في محافظة المنوفية نفسها وسط الدلتا، راح ضحيّته 9 أشخاص عدا المصابين، وأيضاً بسبب تصادم بين سيّارة أجرة/ ميكروباص وسيّارة نقل. بعدها بساعات قام الرئيس السيسي بتوجيه الحكومة لغلق الطريق الدائري في المناطق التي تخضع للصيانة، وتوفير طرق بديلة لحين الانتهاء من العمل على تجديد الطريق.

تُفاخر الحكومة بتقدّم مركز مصر على مستوى الطرق، لكن هذا فعلياً ليس له أهمّية، ما لم ينشأ الطريق، كطريق آمن منذ البداية، ولا يحتاج لاحقاً إلى إصلاحات، ولا تنقلب عليه السيّارات بعد ارتدادها يميناً ويساراً بسبب المطبات وهبوط الإسفلت.

طريق الجلالة على سبيل المثال، نفّذته الهيئة الهندسية بطول 82 كيلومتراً بتكلفة 4.5 مليار جنيه، وتصفه الصحف بأنه معجزة، وأبهر العالم لمجرّد أنه تمّ تنفيذه في عامين فقط، وتمّ مدّه بتكسير الصخور وشقّ الجبل، هذا الطريق يحتلّ المركز الثامن –ليس كأفضل طريق- ولكن كأكثر الطرق خطورة في محافظة السويس، ويشهد أكثر من 50 حادثاً سنوياً حسب بيان الحكومة عن حوادث الطرق.

“تعرف تعد لحد كام؟”

وبالحديث عن طريق الجلالة المبهر، تستحضر الذاكرة حادث طريق الجلالة، الذي راح ضحيّته 12 طالباً جامعياً معظمهم من كليّة الطب، كانوا في طريق عودتهم من الجامعة إلى منازلهم، على طريق الجلالة العين السخنة- اتّجاة الزعفرانة السويس، حينها قال محافظ السويس إن السبب هو السرعة، بينما معظم السائقين يعدّون هذا الطريق من الطرق الخطرة التي تفتقد السلامة وتجهيزات الطوارئ.

وقع حادث فتيات قرية السنابسة في الذكرى السنوية لحادث معدّية أبو غالب في الجيزة، الذي راح ضحيّته 12 فتاة، حين سقطت حافلة ركّاب صغيرة من فوق ظهر عبارة في نهر النيل قبالة قرية أبو غالب في منطقة منشأة القناطر التابعة لمحافظة الجيزة قرب العاصمة القاهرة، كنّ فتيات أيضاً وكنّ ذاهبات إلى مراكز تجفيف العنب أيضاً، الحافلة كانت تُقلّ 22 عاملة من سكّان محافظة المنوفية تمّ انتشال 9 ناجيات والسائق، بينما بقيت 4 عاملات في عداد المفقودات.

حسب أرقام الحكومة، بلغ عــدد وفيات حــــوادث الطـــرق 5260 شخصاً في عـــام 2024، مــقابـل 5861 في عــــام 2023، بـنسـبة انخفاض 10.3%، وأعلى عدد على مستوى المحافظات في محافظة القاهرة حيث بلغ 766 شخصاً، وأقلّ عدد في محافظة السويس حيث بلغ 6 أشخاص، ويعدّ شهر نيسان/ أبريل أعلى شهور السنة، من حيث عدد وفيات الحوادث. ربما لارتباطه بمواسم الحصاد والزراعة وانتقال العاملين على الطرقات.

وسجّل عـدد إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في عام 2024، مقابل 71016 في عام 2023، بنسبة  ارتفاع 7.5%، وكان أعلى عدد إصابات على مستوى المحافظات في محافظة الدقهلية– إحدى المحافظات الزراعية- حيث بلغ 15563 إصابة، وأقلّ عدد إصابات في محافظة السويس حيث بلغ 39 إصابة في عام 2024.
وفي اليوم التالي لحادث الفتيات، انقلبت سيّارة تابعة للأمن المركزي على الطريق الدائري، مما أسفر عن وقوع إصابات بين المجنّدين.

المفارقة المريرة أن وزير النقل حين توجّه بعد الحادث بيومين لتفقّد الطريق الدائري ومتابعة حركة السير والتصليحات، وبينما كان يتحدّث للكاميرا في لقاء صحافي عن جهود الوزارة من داخل سيّارة الوزارة التي تُقلّه هو ومساعديه، أظهر كادر الكاميرا على الجانب الآخر من الطريق حادثاً طازجاً لانقلاب جرّار “تريللا”، وحضور الأمن والإسعاف في مكان الحادث، مما أثار السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار الفيديو.

الوزير: سأبقى حتى تحترق النجوم

في شباط/ فبراير 2019، وقع حادث في محطّة رمسيس للقطارات وهي المحطّة الرئيسية في العاصمة، أدّى الحادث إلى مقتل 20 شخصاً وإصابة 40 آخرين، حينها لم نسمع أي كلمة من وزير النقل هشام عرفات، فقط عرفنا أنه تقدّم باستقالته لمجلس الوزراء وقبلها، لم نسمعه يبرّر أو يعتذر، أو يزور مكان الحادث بعد يومين، أو يُصرّ على البقاء في منصبه بعد مطالبات كثيرة باستقالته… يومها قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حين ذهب لتفقّد موقع الحادث: “انتهى عهد التقاعس، ومن يهمل في حياة أي مواطن مصري سيعاقب”.

“الكتائب اللي بتطالبني أمشي واستقيل أقولهم، أنا مش هاسيبها وامشي، أنا فيها لحدّ ما أموت.. حتى لو مش في منصبي هاظل مع زملائي في الوزارة أساعدهم”، وقف الوزير يتحدّث مع صحافي في قناة “تين نيوز”، يدافع عن نفسه ويفخر بكونه خرّيج الكليّة الفنّية العسكرية وأنه مقاتل، متناسياً أهالي الضحايا لولا أن ذكّره الصحافي قائلا: “تقول إيه لأسر الضحايا؟”، فتذكّر وقدّم تعازيه، وأعلن أنه سيقدّم وظائف لمن فقدوا عائلهم في الحادث.

يتمسّك الوزير بمنصبه، يقف على الطريق الدائري “الجديد” الذي يتمّ تصليحه بمليارات الجنيهات الإضافية، ويدافع عن مهاراته، وأنه كفء ومهندس تلقّى تعليماً مميّزاً يجعله ليس فقط مهندساً بل مخترع، هو نفسه الوزير الذي يحمل 3 حقائب وزارية: النقل والصناعة والتجارة، هو نفسه الذي لا يُقرّ بالخطأ، ويتفاخر بمؤهّلاته وإنجازاته بينما يقف على أحد إنجازاته: طريق هبطت طبقته الإسمنتية، وأحجار جيرية لم تتشرّب بعد دماء الضحايا الصغيرات.

في الفيديوهات المتداولة للحظات وصول الجثامين في طابور طويل إلى قرية السنابسة، يقف الرجال في حزن وصدمة، يردّدون أنه “قدر الله” وأنه استردّ أمانته، يصبّرون أنفسهم بهذه الكلمات، ويصبّرون الأمّهات الباكيات في صمت أمام النعوش، التي تتوارد إلى مسجد القرية للصلاة عليها قبل الدفن… أتابع ردود الآباء وصلابة الأمّهات اللاتي يطلبن من المعزّين ألا يصرخوا حتى لا تفزع الصغيرات في الصناديق.

أتساءل هل تُجدي أية محاولة لتأجيل الموت؟ وأتذكّر مقتطفاً من رواية الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، حين فرّ عاشور الناجي بأسرته إلى الخلاء بعيداً عن وباء الطاعون الذي أهلك حارته، فسألته زوجته: “وهل الموت يُعانَد يا عاشور؟” فيجيب عن سؤالي حين يُجيبها في حياء: “الموت حقّ والمقاومة حقّ”.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
08.07.2025
زمن القراءة: 7 minutes

تُفاخر الحكومة بتقدّم مركز مصر على مستوى الطرق، لكن هذا فعلياً ليس له أهمّية، ما لم ينشأ الطريق، كطريق آمن منذ البداية، ولا يحتاج لاحقاً إلى إصلاحات، ولا تنقلب عليه السيّارات بعد ارتدادها يميناً ويساراً بسبب المطبات وهبوط الإسفلت.

بعد مرور أيّام على حادث الطريق الإقليمي في دلتا مصر، الذي راح ضحيّته 18 فتاة غالبيتهن قاصرات/ طفلات، لم يعلن أي مسؤول رسمي عن تحمّل المسؤولية حتى لحظة كتابة هذا التقرير، ولم يتقدّم أي وزير أو حتى وكيل وزارة بالاستقالة، ولا حتى سمعنا اعترافاً بالخطأ… مجرّد كلمات تُقلّل من الغضب وحُرقة قلوب الأهالي على بناتهن.

 وبعد 10 أيّام قرّرت وزارة المالية صرف تعويض 100 ألف جنيه لكلّ أسرة من أسر الفتيات اللواتي فقدن حيواتهن في الحادث… لكن أيضاً من دون أي اعتذار.

خرجت البنات صباح الجمعة متكّدسات في سيّارة أجرة لجني محصول العنب في مزرعة تقع على بعد ساعة ونصف الساعة من قريتهن، وقتها كان وزير النقل كامل الوزير في مؤتمر في تركيا، ولكنّه لم يقطع زيارته ليعود ويتابع ويواسي ويعتذر، وبعد ثلاثة أيّام من الحادثة، عقد البرلمان جلسة بدأها بالوقوف دقيقة حداد على أرواح الفتيات وطلب “إحاطة يتيم”.

البنات صغيرات على الشقاء، والطريق الجديد صُرفت عليه الملايين، أما الوزير، فلم يُقرّ بالخطأ، ناهيك بأن الموت حقّ لا يُعانَد.

18 فتاة فارقن الشقاء

سارة وهنا وهدير ومنّة وحبيبة وشروق وشيماء ورويدا وتقى وجنى وأسماء وإسراء وسمر وملك وآية ومروة وميّادة وآيات، 18 فتاة قُتلن في حادث الطريق الدائري، من أصل 21 فتاة تكدّسن في سيّارة ميكروباص تتسّع لـ14 راكباً. 

لكنّ الفتيات اعتدن على “شحنهن” بهذه الطريقة، مثلما اعتاد آباؤهن وأمّهاتهن. فعمّال التراحيل الذين يرتبط عملهم بمواسم الحصاد، يُنظر إليهم كـ”أنفار” وأيدٍ عاملة رخيصة لجني الثمار ومقاومة الآفات.

هؤلاء لا يتمتّعون بأجور عادلة ولا بتأمين صحّي ولا بتعامل آدمي في طريقة نقلهم، فوسيلة نقل عمالة المزارع والغيطان هي سيّارات النقل وما يسمّى بـ”التريسكل”، على الطريق الدائري وكلّ الطرق الزراعية في دلتا مصر وصعيدها، يتكدّس العمّال والعاملات في هذه الوسائل غير الآمنة فوق بعضهم بعضاً فعلياً توفيراً للنفقات.

 القطاع الزراعي في مصر يعتمد بشكل كبير على النساء، وحسب الدكتورة شريفة شريف المديرة التنفيذية في المعهد القومي للتنمية المستدامة (الذراع التدريبية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية) تشكّل النساء 45% من القوى العاملة في الزراعة، ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء للعام 2022، تمثّل الزراعة 32.4% من العمالة النسائية غير الرسمية، حيث أصبح قطاع الزراعة مؤنثاً بسبب هجرة الرجال من الريف إلى المدن. وتقوم النساء بـ94% من أعمال الحصاد ومكافحة الآفات وإزالة الأعشاب الضارّة في صعيد مصر و67% في الوجه البحري. 

كما تمثّل النساء النسبة الأكبر79.5% من العمالة غير مدفوعة الأجر في الريف، بحسب العرف السائد الذي يجعل النساء المزارعات يعملن دون أجر في فلاحة أرض الأب أو الزوج، بدلاً من الاستعانة بعمالة زراعية تتقاضى أجراً نظير العمل. كما أن أقلّ من 5% من الأراضي الزراعية مملوكة للنساء، فهن أيدٍ عاملة مجّانية، فما بالنا بحقّهن في تملّك الطين؟

فتيات قرية السنابسة كنّ يعملن للمساعدة في الإنفاق على أسرهن، وبعضهن من أجل “تحويش” مصاريف السنة الدراسية المقبلة لئلا يصبحن عبئاً على أهاليهن… فقيرات، ينفقن ويدرسن ويعملن ويواجهن المتاعب في سنّ مبكرة، تناقلت حكاياتهن وسائل التواصل الاجتماعي، فزاد الحزن والغضب، وتوجّه معظم هذا الغضب تجاه الحكومة، ليس فقط كجهة مسؤولة عن إدارة الطريق وتأمينها، بل لأن هذا الحادث كشف عن منظومة إنتاجية كاملة تعتمد على استغلال الفقيرات صغيرات السنّ، وكشف عن دولة انسحبت من مسؤولياتها تجاههن وتركتهن في سوق عمل بلا عقود ولا تأمينات، ولم تضمن لهن وسيلة نقل آمنة.

اتّجاه واحد للموت

في أيلول/ سبتمبر 2018 افتتح الرئيس عبد الفتّاح السيسي آخر قطاع في الطريق الدائري الإقليمي بطول 57 كيلومتراً أمام حركة المرور،  الذي يبلغ طوله 400 كيلومتراً، ويربط المحاور الطولية السريعة والرئيسية المتّجهة من وإلى إقليم القاهرة الكبرى، ويضمّ القاهرة والجيزة والقليوبية.

الطريق ضمن خطّة تنفيذ 6500 كيلومتر من الطرق الجديدة، بتكلفة 162 مليار جنيه، وتبقّى تنفيذ 500 كيلومتر منه، تقول وزارة النقل أنه تمّ تطوير ورفع كفاءة 10 آلاف كيلومتر من شبكة الطرق الحالية بتكلفة 130 مليار جنيه.

هذه الأموال مصدرها معروف: أموال قروض صندوق النقد الدولي، الذي يتحمّل تسديدها بالفوائد دافعو الضرائب والمواطنون الذين عانوا من موجات تعويم الجنيه أمام الدولار وارتفاع الأسعار، الطرق الجديدة مهمّة وحيوية، ولكنّها حين تتحوّل إلى مصائد موت بسبب أعطال على طريق جديد، فلا يهمّ شيء مقابل الأمان.

الطريق بعد 5 سنوات من افتتاحه، بدأت تظهر فيه انخفاضات وهبوط بسبب مرور سيّارات النقل الثقيل عليه، وكان من المفترض أن يتمّ إنشاؤه بقواعد خرسانية تتحمّل الأوزان، لكن مع ظهور هذه النُقر والمطبّات التي تتحوّل مع السرعة إلى أفخاخ سبّبت العديد من الحوادث، وتمّ إغلاق الطريق الجنوبي لتصليحه بتكلفة 50 مليار جنيه إضافية.

 تمّ تحويل الطريق الشرقي إلى حارتين باتّجاهين بينهما فواصل خرسانية، ومع استحداث الأهالي منافذ نزول وصعود على الطريق، أصبح السير عليه شديد الخطورة والفوضى، وبالتالي فقد وجد أدهم سائق الميكروباص نفسه أمام تريللا/ سيّارة نقل ثقيل، تسير بسرعة شديدة، مما أدّى إلى التصادم ومقتله ومقتل 18 من الفتيات وإصابة 3 منهن بجروح.

بعد أسبوع على حادث الفتيات، وقع السبت الماضي حادث آخر على الطريق الإقليمي، في محافظة المنوفية نفسها وسط الدلتا، راح ضحيّته 9 أشخاص عدا المصابين، وأيضاً بسبب تصادم بين سيّارة أجرة/ ميكروباص وسيّارة نقل. بعدها بساعات قام الرئيس السيسي بتوجيه الحكومة لغلق الطريق الدائري في المناطق التي تخضع للصيانة، وتوفير طرق بديلة لحين الانتهاء من العمل على تجديد الطريق.

تُفاخر الحكومة بتقدّم مركز مصر على مستوى الطرق، لكن هذا فعلياً ليس له أهمّية، ما لم ينشأ الطريق، كطريق آمن منذ البداية، ولا يحتاج لاحقاً إلى إصلاحات، ولا تنقلب عليه السيّارات بعد ارتدادها يميناً ويساراً بسبب المطبات وهبوط الإسفلت.

طريق الجلالة على سبيل المثال، نفّذته الهيئة الهندسية بطول 82 كيلومتراً بتكلفة 4.5 مليار جنيه، وتصفه الصحف بأنه معجزة، وأبهر العالم لمجرّد أنه تمّ تنفيذه في عامين فقط، وتمّ مدّه بتكسير الصخور وشقّ الجبل، هذا الطريق يحتلّ المركز الثامن –ليس كأفضل طريق- ولكن كأكثر الطرق خطورة في محافظة السويس، ويشهد أكثر من 50 حادثاً سنوياً حسب بيان الحكومة عن حوادث الطرق.

“تعرف تعد لحد كام؟”

وبالحديث عن طريق الجلالة المبهر، تستحضر الذاكرة حادث طريق الجلالة، الذي راح ضحيّته 12 طالباً جامعياً معظمهم من كليّة الطب، كانوا في طريق عودتهم من الجامعة إلى منازلهم، على طريق الجلالة العين السخنة- اتّجاة الزعفرانة السويس، حينها قال محافظ السويس إن السبب هو السرعة، بينما معظم السائقين يعدّون هذا الطريق من الطرق الخطرة التي تفتقد السلامة وتجهيزات الطوارئ.

وقع حادث فتيات قرية السنابسة في الذكرى السنوية لحادث معدّية أبو غالب في الجيزة، الذي راح ضحيّته 12 فتاة، حين سقطت حافلة ركّاب صغيرة من فوق ظهر عبارة في نهر النيل قبالة قرية أبو غالب في منطقة منشأة القناطر التابعة لمحافظة الجيزة قرب العاصمة القاهرة، كنّ فتيات أيضاً وكنّ ذاهبات إلى مراكز تجفيف العنب أيضاً، الحافلة كانت تُقلّ 22 عاملة من سكّان محافظة المنوفية تمّ انتشال 9 ناجيات والسائق، بينما بقيت 4 عاملات في عداد المفقودات.

حسب أرقام الحكومة، بلغ عــدد وفيات حــــوادث الطـــرق 5260 شخصاً في عـــام 2024، مــقابـل 5861 في عــــام 2023، بـنسـبة انخفاض 10.3%، وأعلى عدد على مستوى المحافظات في محافظة القاهرة حيث بلغ 766 شخصاً، وأقلّ عدد في محافظة السويس حيث بلغ 6 أشخاص، ويعدّ شهر نيسان/ أبريل أعلى شهور السنة، من حيث عدد وفيات الحوادث. ربما لارتباطه بمواسم الحصاد والزراعة وانتقال العاملين على الطرقات.

وسجّل عـدد إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في عام 2024، مقابل 71016 في عام 2023، بنسبة  ارتفاع 7.5%، وكان أعلى عدد إصابات على مستوى المحافظات في محافظة الدقهلية– إحدى المحافظات الزراعية- حيث بلغ 15563 إصابة، وأقلّ عدد إصابات في محافظة السويس حيث بلغ 39 إصابة في عام 2024.
وفي اليوم التالي لحادث الفتيات، انقلبت سيّارة تابعة للأمن المركزي على الطريق الدائري، مما أسفر عن وقوع إصابات بين المجنّدين.

المفارقة المريرة أن وزير النقل حين توجّه بعد الحادث بيومين لتفقّد الطريق الدائري ومتابعة حركة السير والتصليحات، وبينما كان يتحدّث للكاميرا في لقاء صحافي عن جهود الوزارة من داخل سيّارة الوزارة التي تُقلّه هو ومساعديه، أظهر كادر الكاميرا على الجانب الآخر من الطريق حادثاً طازجاً لانقلاب جرّار “تريللا”، وحضور الأمن والإسعاف في مكان الحادث، مما أثار السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار الفيديو.

الوزير: سأبقى حتى تحترق النجوم

في شباط/ فبراير 2019، وقع حادث في محطّة رمسيس للقطارات وهي المحطّة الرئيسية في العاصمة، أدّى الحادث إلى مقتل 20 شخصاً وإصابة 40 آخرين، حينها لم نسمع أي كلمة من وزير النقل هشام عرفات، فقط عرفنا أنه تقدّم باستقالته لمجلس الوزراء وقبلها، لم نسمعه يبرّر أو يعتذر، أو يزور مكان الحادث بعد يومين، أو يُصرّ على البقاء في منصبه بعد مطالبات كثيرة باستقالته… يومها قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي حين ذهب لتفقّد موقع الحادث: “انتهى عهد التقاعس، ومن يهمل في حياة أي مواطن مصري سيعاقب”.

“الكتائب اللي بتطالبني أمشي واستقيل أقولهم، أنا مش هاسيبها وامشي، أنا فيها لحدّ ما أموت.. حتى لو مش في منصبي هاظل مع زملائي في الوزارة أساعدهم”، وقف الوزير يتحدّث مع صحافي في قناة “تين نيوز”، يدافع عن نفسه ويفخر بكونه خرّيج الكليّة الفنّية العسكرية وأنه مقاتل، متناسياً أهالي الضحايا لولا أن ذكّره الصحافي قائلا: “تقول إيه لأسر الضحايا؟”، فتذكّر وقدّم تعازيه، وأعلن أنه سيقدّم وظائف لمن فقدوا عائلهم في الحادث.

يتمسّك الوزير بمنصبه، يقف على الطريق الدائري “الجديد” الذي يتمّ تصليحه بمليارات الجنيهات الإضافية، ويدافع عن مهاراته، وأنه كفء ومهندس تلقّى تعليماً مميّزاً يجعله ليس فقط مهندساً بل مخترع، هو نفسه الوزير الذي يحمل 3 حقائب وزارية: النقل والصناعة والتجارة، هو نفسه الذي لا يُقرّ بالخطأ، ويتفاخر بمؤهّلاته وإنجازاته بينما يقف على أحد إنجازاته: طريق هبطت طبقته الإسمنتية، وأحجار جيرية لم تتشرّب بعد دماء الضحايا الصغيرات.

في الفيديوهات المتداولة للحظات وصول الجثامين في طابور طويل إلى قرية السنابسة، يقف الرجال في حزن وصدمة، يردّدون أنه “قدر الله” وأنه استردّ أمانته، يصبّرون أنفسهم بهذه الكلمات، ويصبّرون الأمّهات الباكيات في صمت أمام النعوش، التي تتوارد إلى مسجد القرية للصلاة عليها قبل الدفن… أتابع ردود الآباء وصلابة الأمّهات اللاتي يطلبن من المعزّين ألا يصرخوا حتى لا تفزع الصغيرات في الصناديق.

أتساءل هل تُجدي أية محاولة لتأجيل الموت؟ وأتذكّر مقتطفاً من رواية الحرافيش للأديب نجيب محفوظ، حين فرّ عاشور الناجي بأسرته إلى الخلاء بعيداً عن وباء الطاعون الذي أهلك حارته، فسألته زوجته: “وهل الموت يُعانَد يا عاشور؟” فيجيب عن سؤالي حين يُجيبها في حياء: “الموت حقّ والمقاومة حقّ”.