اقتربت المذيعة المصرية لميس الحديدي من الشعرة، التي كادت أن تقصم مسيرتها الإعلامية مع قناة “أون”، التابعة للشركة المتّحدة للخدمات الإعلامية المملوكة لجهاز المخابرات العامّة المصرية، ورغم أنها لم تمسّ الشعرة الحسّاسة التي تتحدّث عن الجيش، وتورّطه في صفقات إنشائية مع هيئة الطرق والكباري التي تتسبّب في حصد أرواح المصريين، فإن الشركة المتّحدة قصمت مسيرتها كمذيعة، وأعلنت في بيان عدم تجديد التعاقد معها.
في إحدى حلقات برنامجها “كلمة أخيرة”، سألت لميس الحديدي معتز حجازي المتحدّث باسم محافظ المنوفيّة، عن مسؤوليّة المحافظ عن الحوادث التي تحصد حياة المصريين يومياً على الطريق الإقليمي، فأجاب: “محافظة المنوفيّة لا تقع عليها أي مسؤوليّة، بل هيئة الطرق والهيئة سلّمت الطريق إلى الشركة (آآآآآ) وهي التي تديره في الوقت الحالي”.
هذه الألف الممدودة التي لا تصرّح عن الشركة المشرفة، والتي لا يمكن ذكرها ببساطة على شاشات التلفزيون المحلّية، هذه الشركة هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والقوّات المسلّحة، الذي استلم صفقة تطوير الطريق الإقليمي التي وصلت إلى “مليار جنيه” .
ورغم أن التصريحات في برنامج لميس الحديدي جاءت مموّهة ومطلسمة، فإنها لامست بالتأكيد المحظور، وأشارت دون قصد إلى إهمال هيئة الطرق والكباري وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوّات المسلّحة المصرية، الطرق التي باتت تحصد حياة الناس يومياً، وطبعاً إلى إهدار مئات الملايين من الجنيهات، ضمن ملفّ فساد لا يمكن الحديث عنه أو الإشارة إليه.
في عام 2023، وعلى موقع بوابة التعاقدات، يظهر تقرير مفصّل عن تكليف جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتنفيذ مشروعات رصف الطرق في مراكز المنوفيّة، ضمن الخطّة الاستثمارية الأصلية والإضافية لمحافظة المنوفيّة، طبقاً لأحكام المادّة(78) من قانون تنظيم التعاقدات العامّة الصادر برقم 182 لسنة 2018، ووفقاً لبروتوكول التعاون المبرم في هذا الشأن بين محافظة المنوفيّة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
ووفقاً لشروط الصفقة، يكون التنفيذ كما يلي: “الإشراف على تنفيذ الأعمال وتعليمات مديرية الطرق والنقل في المنوفيّة، وإسناد التعليمات لمكتب الاستشارات الهندسية المعتمد والمعيّن من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوّات المسلّحة، للإشراف على الأعمال وتنفيذها واستلامها وفقاً للشروط والمواصفات القياسية للهيئة العامّة للطرق والكباري لسنة 1990، ووفقاً لكرّاسة الشروط والمواصفات المطروحة على أساسها عمليّة تنفيذ مشروعات الرصف، خطّة العام المالي 2022/
2023. كما يتمّ الصرف من خلال مستخلصات أعمال معتمدة من مكتب الاستشارات الهندسية، المعتمد والمعيّن من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوّات المسلّحة للإشراف على الأعمال وتنفيذها واستلامها، ومعتمدة من جهاز الإشراف المعيّن من المحافظة للمتابعة والإشراف، ومعتمد من السلطة المختصّة، وفق الشروط والمواصفات الفنيّة القياسية الصادرة فى هذا الشأن، وطبقاً لأحكام قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامّة، ولائحته التنفيذية وتعديلاتها والقرارات الوزارية الصادرة في هذا الشأن”.
تأسّس جهاز تنمية المشروعات رسمياً في 1979، ضمن الهيئة الهندسية للقوّات المسلّحة، لكنّ تحوّله إلى إمبراطورية اقتصادية بدأ فعلياً مع صعود الرئيس عبد الفتّاح السيسي إلى الحكم.
بدعم مباشر من القيادة السياسية، مُنح الجهاز سلطات واسعة لتنفيذ مشاريع قومية كبرى، وسرعان ما تسلّم الجهاز الإشراف على آلاف المشروعات، مثل “مدينة دمياط للأثاث”، ومجمّعات الإسكان “دار مصر”، إضافة إلى مشروعات الطرق والكباري والمياه والمستشفيات.
أصبحت الدولة تنفّذ مشروعاتها لنفسها، من خلال الجهاز، دون طرح مناقصات عامّة، أو دخول شركات مستقلّة. يكفي وجود شركة عسكرية في أي مشروع، لتصبح الحصّة الأكبر من التعاقدات محجوزة لصالحها، مدعومة بإعفاءات ضريبية وعمالة مجنّدة رخيصة.
منذ العام 2014، باتت مشروعات الطرق والكباري العلامة الأبرز لظهور الجهاز الهندسي للقوّات المسلّحة كلاعب أساسي في البنية التحتية المصرية، أصبح معظم مشروعات الطرق القومية تُسند إلى الجهاز دون مناقصات مفتوحة، ما أدّى إلى إحلاله محل وزارات مثل النقل والإسكان في التنفيذ الفعلي.
هفوة على الهواء لم يفهمها الغالبية أطفأت الأنوار عن برنامج “كلمة أخيرة” للميس الحديدي، ووضعت البرنامج الذي استمرّ لخمس سنوات جوار باقي البرامج والمذيعات والمذيعين، الذين تمّ استبعادهم من المشهد الإعلامي المصري بعدما صار موجّهاً.
قبل لميس الحديدي تمّ استبعاد الإعلامي خيري رمضان، وهنا المفارقة أن الأخير لم يشاكس الحكومة أو جهاز تنمية المشروعات التابع للقوّات المسلّحة المصرية، بل اتّجه إلى الطرف الأضعف والهشّ في مأساة الطريق الإقليمي، أي السائقين، ليدّعي تعاطيهم المواد المخدّرة أثناء القيادة.
لكن حتى منطق “بُصّ العصفور” لإبعاد الأعين عن المسؤولين الحقيقيين عن مقتل المصريين على الطرق لم ينفع، لأنه يكشف أيضاً عن عدم الأمان في استقلال المواصلات العامّة، وغياب الرقابة على السائقين على الطرق الخطرة، وتواطؤ التفتيش المروري، والتساهل مع تحاليل المخدّرات التي من المفترض أنها إجبارية.
حلقة خيري رمضان لم تمرّ مرور الكرام. في اليوم التالي، دوّى الجدل. نقابة الإعلاميين استدعته للتحقيق، وبعد أيّام قليلة، ودون تصريح رسمي، توقّف البرنامج ببساطة. كان واضحاً أن الموضوع يتجاوز حدود الحلقة.
أشهر قليلة قبل لميس وخيري، كان الدور على أحمد شوبير. في تمّوز/ يوليو 2024، أعلنت الشركة المتّحدة وقف برنامجه فجأة، بسبب ما وصفته بـ”مخالفة قواعد المحتوى”، كان شوبير تحدّث بصراحة عن أندية كرة القدم المصرية، والصراعات داخل الاتّحاد المصري لكرة القدم، والنفوذ الرياضي، فكان القرار سريعاً بإيقاف البرنامج.
لم يعلّق شوبير كثيراً على إيقاف برنامجه، واكتفى بالانسحاب، والتفرّغ لمنصّاته الخاصّة، لكنّ المتابعين فسرّوا الإيقاف بأنه رسالة إلى كلّ من يخرج عن النصّ، حتى في الرياضة.
الإعلامي إبراهيم عيسى، أحد أبرز الأصوات الحوارية أُوقف برنامجه “حديث القاهرة”، الذي كان يُعرف سابقاً “مع إبراهيم عيسى” على قناة “القاهرة والناس”، على خلفيّة انتقاداته للبرلمان وتعديله قانون دور العبادة. وصف عيسى موقفه لاحقاً بأن هناك “توافق أجهزة” لإيقاف برنامجه، وأنه يعيش “ضغوطاً مشتركة من جهات مختلفة داخل الدولة”.
وفقاً لـ”صحيح_مصر” فإن قائمة البرامج المتوقّفة شملت “برنامج “التاسعة”، الذي كانت تنتجه الشركة لصالح التلفزيون المصري، ويُذاع عبر القناة الأولى ويقدّمه الإعلامي يوسف الحسيني، إلى جانب برنامج “في المساء مع قصواء” الذي كانت تقدّمه الإعلامية قصواء الخلالي على شاشة CBC، كما توقّف برنامج “المغامر” من تقديم الإعلامي أحمد البرماوي، بالإضافة إلى برنامج “لايت شو” على قناة “الحياة”، وكشف عدد من الإعلاميين عن الضغوط التي تمارسها الشركة للاستغناء عنهم دون دفع حقوقهم”.
يبدو أن دماء فتيات السنابسة التي سالت على الطريق الإقليمي، لم تسل فقط فوق رصيف غير آمن، بل فوق ملفّين ضخمين وحسّاسين.
الملف الأول هو ملفّ جهاز تنمية المشروعات التابع للقوّات المسلّحة وسطوته على قطاعات الاقتصاد، ومنع وصول المعلومات الدقيقة حتى إلى مؤسّسات الدولة نفسها، وهو الجهاز الذي يدير استثمارات بعشرات المليارات في الزراعة والبنية التحتية والصناعة، ويعمل خارج رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، ويخضع لقوانين عسكرية تُعفيه من الإفصاح أو المحاسبة، ولا تُعلن ميزانياته، ولا تُنشر تفاصيل تعاقداته، والمواطن لا يعرف من يربح ومن يخسر، ومن يُنفّذ المشروعات ومن يُقصى عنها، حيث استُبدلت المنافسة بالمباشرة، والشفافية بالصمت، فأصبح الجهاز الاقتصادي امتداداً للجهاز الأمني، ولكن بصيغة مالية.
الملفّ الثاني هو ملف الإعلام الذي يُعاقَب وهو يتحدّث عن مأساتهن، والمطلوب منه أن يعزّي أهالي الضحايا لا أن يحاور أو يُسائل المتورّطين في قتل المواطنين، بعد أن تحوّلت القنوات إلى قسم شبه رسمي من جهاز المخابرات، الذي يدير رسالة الدولة عبر ذراع إداري مركزي ومحكم.
هكذا تصبح الكلمة الأخيرة للميس الحديدي: “هنحاسب مين على حادث الطريق الإقليمي؟ هو في حد أصلا هيتحاسب؟ هنحاسب مين؟ الطريق أكيد سبب رئيسي في الحادثة لأنه كل يوم فيه حوادث”.
إقرأوا أيضاً:












