هل من سبيل لتصعيب المهمة الإسرائيلية في غزة، والمتمثّلة بما صار واضحاً، أي الإبادة والترانسفير؟ هل من سبيل لعرقلتها وتأخيرها وإرباكها؟ ولن نقول منعها، طالما أننا في مجال التجريب والاختبار. مواصلة القتال لن تفضي إلى ما نطمح إليه، لا بل إننا اختبرنا أن القتال هو وقود المهمة الإسرائيلية.
إذاً المعادلة واضحة، وإن كانت غير بسيطة. إسرائيل ترغب في مواصلة القتال. حماس في وضع ميداني صعب، لا بل مستحيل. حوالى مليوني فلسطيني عالقون في هذا الاستعصاء. مهمة الجيش إحداث تغيير ديموغرافي يتمثل في أحسن الأحوال في نقل السكان إلى الجنوب، وفي أسوئها دفع أكثر من نصفهم إلى خارج القطاع. هذا بعد أن نمرّ على الثمن الإنساني لهذه المهمة الإبادية.
إذا أعلنت حماس عن موافقتها على الانسحاب من قطاع غزة وعلى صفقة تبادل للأسرى، فهل يوقف ذلك المهمة الإسرائيلية؟ الأرجح أنه لن يوقفها، لكنه من دون شك سيجعلها أصعب، وسيدخل عليها تعديلات ستكون بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس.
لم يبق أمامنا سوى أن نطمح إلى غزة محتلّة وغير مبادة. غزة محتلّة تعيدنا إلى نقطة مواجهة مختلفة. معادلة سكان في مواجهة احتلال. التفوق العسكري الهائل يفقد جزءاً من فعاليته، وقرار الترانسفير يفقد مبرراً جوهرياً له. هذا نوع من تجرّع لكأس سمّ يبقي على أفق وعلى أمل. إنه الأمل في العودة إلى معادلة جيش يحتل مدناً وسكاناً ومواطنين، وحاكم عسكري يتعرض لضغوط هذه الحقيقة، ومدنيين متاح لهم أنواع من المواجهات المدنية.
استدراج إسرائيل إلى احتلال بحد أدنى من شروط المسؤولية عن المنطقة المحتلة، يبقى أفضل من الوضع الكارثي الراهن، وطبعاً أفضل من الاحتمالات التي تأخذنا إليها الرغبة الإسرائيلية في مواصلة القتال.
لنكن واضحين، هذا خيار سيواجه محاولات تعطيل إسرائيلية، لكن الأهم والأكثر مأساوية أنه لن يجد ترحيباً من حماس. نعم هو قد يعني نهاية تراجيدية للحركة في القطاع، إلا أنه الأفق الوحيد الذي يمكن أن يلوح منه أمل ببقاء السكان. مهمة تدمير المدن أُنجز منها نحو 60 في المئة، لكن بقي 40 في المئة قائماً، وهذه نسبة تستحق أن نحاول حمايتها. الهزيمة كبيرة وعميقة، ونحو مئة ألف قتيل مرشحون لأن يتضاعفوا. نعم العالم مع المرتكبين والقَتَلة، لكننا يجب أن نحاول، وأن نفاتح أنفسنا بأننا لا نملك الكثير من الخيارات. ومرة أخرى خيار القتال سيكون هدية ثمينة لبنيامين نتانياهو ولحكومته الجابوتنسكية.
إقرأوا أيضاً:
نتانياهو لم يكن ملاكاً قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وحكومته ضمّت من يُجمع العالم على أنهم أشرار، إلا أننا وضعنا بين يديه ما مكّنه من تسويق الإبادة بوصفها رداً على مجزرة، واحتفلنا بما جرّ علينا كارثة غزة، وكشفنا عن ضعف كبير في حساسيتنا حيال المدنيين الأغيار، الأمر الذي ارتد على روايتنا وعلى حقوقنا.
كتبنا الكثير عن العالم المتخاذل، وعن الظلامة الفادحة، وهذا لم يجد نفعاً لأهل غزة. الوضع هناك خرافي. المجاعة تشطب وجوه الأطفال، والإنذارات الإسرائيلية تتعقب السكان من مدينة إلى مدينة، وبدأت أصوات المستغيثين بمناشدة حماس بالمبادرة إلى إنهاء القتال وإلى المغادرة.
حزب الله في لبنان وقّع على اتفاق وقف القتال الذي ظهر لاحقاً أنه يتضمن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. حماس في وضع أسوأ من وضع حزب الله، سياسياً وميدانياً، ويبدو أنها أسوأ شعبياً أيضاً. الفلسطينيون يستحقون أن تُقدم حماس على مغادرة القطاع، وأن يبدأ البحث في التعامل مع الخسائر الهائلة، لا في مواصلة تكبّد الخسائر. العالم كله تغير منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وحتى اليوم، وهو تغيير في غير الوجهة التي كانت تنتظم فيها الحركة. الهزائم تحاصرنا، وعلينا أن نلتقط أنفاساً لكي نعيد تموضعنا وفق شروط الخسائر التي مُنينا بها.
قد نؤجل النقاش في حقيقة فشل النموذج “الإسلامي” في المقاومة (لبنان وغزة)، وفي تحوّله إلى مشروع هيمنة فئوية ومذهبية (العراق واليمن)، لكن الضروري والملحّ الآن هو الراية البيضاء بانتظار بلورة أشكال جديدة لتعقّب الحقوق والمطالبة بها.
الهزيمة ليست آخر المطاف، ولدينا الكثير لنعيد ترتيبه ونستأنف من اللحظة التي ردتنا إليها أحداث 7 أكتوبر. أي من القناعة بأن التفوق العسكري الهائل لا يمكن مواجهته بآلة أيديولوجية لم يبقَ لديها سوى غيبيات ستفضي إلى قرار بالانتحار الجماعي.
إقرأوا أيضاً:













