يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“حتى لو بقي رجل واحد” مثل حسّان عقّاد…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو أن سوريا محكومة بمنظومة فساد متكاملة لا يمكن اختراقها حتى بيد رجل مثل حسّان عقّاد..

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

حسّان عقّاد الناشط والمخرج والمؤثّر الأكثر تأثيراً، هو الرجل الذي وحّد صفّ الكثير من السوريين، جمع حوله ناشطين وصحافيين وأناساً عاديين يرغبون في العدالة، في زمن كاد أن يفقد كل شيء قيمته الأساسية.

وسط تخبّط المشاعر نحو طريقة جديدة في الحكم وسياسات مختلفة عمّا اعتاده شعب عاش في ظلّ نظام قمعيّ لعقود طويلة، وانعدام المعلومات الموثّقة، وانتشار حوادث السرقة والخطف والقتل من دون رادع ولا تفسير، وفوضى التعميمات والقرارات التي تتغيّر كل يوم، وجد كثيرون في الحملة التي أطلقها هذا الرجل والتي أسماها “هاتوا الفلوس اللي عليكم”، قُبلة منطقية للتوجّه نحوها .

بدأت القصّة برجل يخاطب أفراداً وجماعات وشركات تعهّدت بالتبرّع بملايين الدولارات لإعادة إعمار محافظات سورية، في مهرجانات نظمّتها سلطات الحكومة الانتقالية وغطّاها الإعلام الرسمي، وتحمّس لها الناس حيث تابع التعهّدات المالية المعلنة لدعم المشاريع الخدمية في كافّة المحافظات السورية.

 كشف الرجل أن معظم ” أصحاب التبرّعات الكبيرة” كانوا فقط يستغلّون المناسبة لتبييض سمعتهم والتملّق لأصحاب القرار، وأن أحداً منهم لم يسدّد ما عليه من أموال!

اتّبع عقّاد أسلوباً جريئاً، مباشراً وساخراً، وكان الناس في لحظة انتظار “بطل” يعبّر عن شعورهم بالخزي والعار، تجاه إبرة تخدير أحسّوا بنشوتها قبل أن يفيقوا على واقعهم الذي لم يتغيّر.

وفجأة صار همّ غلاء المعيشة واضطراب القوانين وضبابية المشروع السياسي وحتى الفتن الطائفية، قضايا جانبية أمام تأثير الكشف ومواجهة أصحاب الملايين الذين لم تتغيّر وجوه بعضهم بعد تغيّر كل نظام البلد .

 أحسّ الناس أنهم يريدون أن يشاركوا بطريقة ما في محاربة الخديعة، حيث أطلق  عقّاد فيما بعد حملة لمقاطعة رجل الأعمال محمّد حمشو المدرج على قوانين العقوبات الدولية بسبب ارتباطه بماهر الأسد .

 صار لعقّاد فريق يتعاون معه على مستويات مختلفة، فمن مجموعة تتابعه وتتابع نشاطه وهي تبتسم برضى في بيوتها، إلى مجموعة تشارك منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أخرى نزلت إلى الشارع معه لتؤازر حملته بكل حماسة، وأسمى مساعديه وفرقه التطوعية بـ “الجرابات” بألوان مختلفة، متمّاً ما بدأه بأسلوب السخرية المرّة نفسه.

وتطوّرت القصّة حين قُبض عليه فجأة بسبب دعوى قضائية رفعها عليه الإعلامي ورجل الأعمال موسى العمر، الذي ورد اسمه ضمن نفس الفئة التي لم تسدّد ما تعهّدت به، وكانت تهمته القدح والذمّ، وسيق إلى الحجز بموجب قانون الجرائم الألكترونية الذي أصدره بشّار الأسد قبل أن يسقط لقمع الحرّيات، وهذه مفارقة زادت من شعبيته في الوسط. فكيف يُتّهم ويُقبض عليه وهو يسعى في قضيّة تحصيل أموال تخصّ الدولة الفتيّة، عدا تاريخه النضالي الذي لا يخفى على أحد!

كان عقّاد من ضحايا النظام الساقط، اعتُقل مرّتين أثناء محاولاته تغطية  المظاهرات السلمية وتصويرها في بداية أحداث 2011، وتعرّض للانتهاكات التقليدية في المعتقل كما جاء في مقابلته الشهيرة مع بيرس مورغان، التي روى فيها تفاصيل عن حياته بعدما نجا وخرج من سوريا وفاز بجائزة “بافتا”، وبهذا الاعتقال أثبتت المقولة الشهيرة: الثورة كالقطة تأكل أبناءها!

ثم أُفرج عنه وسجّل أوّل انتصار لنشاطه حيث صدر قرار بمنع الاحتجاز لمرتكبي الجرائم الألكترونية ويكتفى بالمساءلة أمام القضاء، وعاد إلى نشاطه ليكتشف أنه مطلوب للعدالة بقضايا رفعها عليه رجال أعمال وجهات بالتهمة نفسها: “التشهير”،  وهكذا فإن  القرار بإلغاء العمل بقانون الجرائم الألكترونية الشهير الذي أُوقف بموجبه أوّل مرّة بسابقة هلّل لها الشارع السوري لم يكن فعّالاً.

يبدو أن هذه البلاد محكومة بمنظومة فساد متكاملة لا يمكن اختراقها حتى بيد رجل مثل حسّان عقّاد، ومع أنه ما زال يمارس نشاطه لمقاطعة شركات رجل الأعمال محمّد حمشو، وتتبّع شركاته التي ما زال بعضها فاعلاً، كما قدّم وثائق مفصّلة لأملاك وشركات محمّد حمشو لجهات رسمية، محاولاً بشتى الطرق مقاومة الضغوط التي تمارس على حملته المتواضعة مالياً، أمام حيتان يمكنهم شراء الذمم بأموالهم المسروقة من دم الناس. 

ما زال عقّاد يؤمن  ويبشّر بأن العدالة الانتقالية تحتاج إلى نضال مستمرّ، لكنّ حملته بدأت تفقد تسارعها الحماسيّ السابق. فقد أصبح إنجاز المهامّ في “كشف المستور”، أكثر صعوبة في ظلّ حملات تشهير تقودها أموال تخشى ممّا قد تؤدّي إليه هذه  الشفافية في فضح سرقات قديمة هنا، وكشف استغلال مبطّن هناك، وفي ظلّ منظومة حكومية تديرها مؤسّسات ما زالت حتى اليوم تخضع لنظام الولاءات، وقوانينها لم تحدّد بشكل نهائي بعد. 

ومع ذلك فإن ما يثيره عقّاد اليوم هو محاولة لتشكيل وعي ورأي عامّ جمعيين للشعب السوري، وهو تعبير عن شعور المواطن بحاجته للاعتراف بحقوقه وتطلّعه لتبنّي الطرق  القانونية للمطالبة بهذه الحقوق. 

وعلينا أن نعترف أن هناك حالياً مناخاً يسمح بإثارة قضايا إشكالية ومساحة حرّية كافية، لإثارة قضايا تنتقد تصرفات رجال أعمال دعمتهم الحكومة الانتقالية بدعوى ” المصالحة”، والجرأة على اتّهامهم.

وعلينا أن ندرك أن هناك في الأجواء هواءً نظيفاً  أدخله شباب هربوا من ذلّ الديكتاتورية، وتعلّموا معنى المواطنة الحقيقي وطرق تحصيل الحقوق بالقانون، وعادوا ليمارسوا حقوقهم المدنية كما لم يمارسها آباؤهم قبلهم.

وبعد، ماذا تبقّى من الوطن غير الأمل بجيل واعٍ وجريء ومستعدّ للتضحية من أجل بناء وطن؟

19.09.2026
زمن القراءة: 4 minutes

يبدو أن سوريا محكومة بمنظومة فساد متكاملة لا يمكن اختراقها حتى بيد رجل مثل حسّان عقّاد..

حسّان عقّاد الناشط والمخرج والمؤثّر الأكثر تأثيراً، هو الرجل الذي وحّد صفّ الكثير من السوريين، جمع حوله ناشطين وصحافيين وأناساً عاديين يرغبون في العدالة، في زمن كاد أن يفقد كل شيء قيمته الأساسية.

وسط تخبّط المشاعر نحو طريقة جديدة في الحكم وسياسات مختلفة عمّا اعتاده شعب عاش في ظلّ نظام قمعيّ لعقود طويلة، وانعدام المعلومات الموثّقة، وانتشار حوادث السرقة والخطف والقتل من دون رادع ولا تفسير، وفوضى التعميمات والقرارات التي تتغيّر كل يوم، وجد كثيرون في الحملة التي أطلقها هذا الرجل والتي أسماها “هاتوا الفلوس اللي عليكم”، قُبلة منطقية للتوجّه نحوها .

بدأت القصّة برجل يخاطب أفراداً وجماعات وشركات تعهّدت بالتبرّع بملايين الدولارات لإعادة إعمار محافظات سورية، في مهرجانات نظمّتها سلطات الحكومة الانتقالية وغطّاها الإعلام الرسمي، وتحمّس لها الناس حيث تابع التعهّدات المالية المعلنة لدعم المشاريع الخدمية في كافّة المحافظات السورية.

 كشف الرجل أن معظم ” أصحاب التبرّعات الكبيرة” كانوا فقط يستغلّون المناسبة لتبييض سمعتهم والتملّق لأصحاب القرار، وأن أحداً منهم لم يسدّد ما عليه من أموال!

اتّبع عقّاد أسلوباً جريئاً، مباشراً وساخراً، وكان الناس في لحظة انتظار “بطل” يعبّر عن شعورهم بالخزي والعار، تجاه إبرة تخدير أحسّوا بنشوتها قبل أن يفيقوا على واقعهم الذي لم يتغيّر.

وفجأة صار همّ غلاء المعيشة واضطراب القوانين وضبابية المشروع السياسي وحتى الفتن الطائفية، قضايا جانبية أمام تأثير الكشف ومواجهة أصحاب الملايين الذين لم تتغيّر وجوه بعضهم بعد تغيّر كل نظام البلد .

 أحسّ الناس أنهم يريدون أن يشاركوا بطريقة ما في محاربة الخديعة، حيث أطلق  عقّاد فيما بعد حملة لمقاطعة رجل الأعمال محمّد حمشو المدرج على قوانين العقوبات الدولية بسبب ارتباطه بماهر الأسد .

 صار لعقّاد فريق يتعاون معه على مستويات مختلفة، فمن مجموعة تتابعه وتتابع نشاطه وهي تبتسم برضى في بيوتها، إلى مجموعة تشارك منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أخرى نزلت إلى الشارع معه لتؤازر حملته بكل حماسة، وأسمى مساعديه وفرقه التطوعية بـ “الجرابات” بألوان مختلفة، متمّاً ما بدأه بأسلوب السخرية المرّة نفسه.

وتطوّرت القصّة حين قُبض عليه فجأة بسبب دعوى قضائية رفعها عليه الإعلامي ورجل الأعمال موسى العمر، الذي ورد اسمه ضمن نفس الفئة التي لم تسدّد ما تعهّدت به، وكانت تهمته القدح والذمّ، وسيق إلى الحجز بموجب قانون الجرائم الألكترونية الذي أصدره بشّار الأسد قبل أن يسقط لقمع الحرّيات، وهذه مفارقة زادت من شعبيته في الوسط. فكيف يُتّهم ويُقبض عليه وهو يسعى في قضيّة تحصيل أموال تخصّ الدولة الفتيّة، عدا تاريخه النضالي الذي لا يخفى على أحد!

كان عقّاد من ضحايا النظام الساقط، اعتُقل مرّتين أثناء محاولاته تغطية  المظاهرات السلمية وتصويرها في بداية أحداث 2011، وتعرّض للانتهاكات التقليدية في المعتقل كما جاء في مقابلته الشهيرة مع بيرس مورغان، التي روى فيها تفاصيل عن حياته بعدما نجا وخرج من سوريا وفاز بجائزة “بافتا”، وبهذا الاعتقال أثبتت المقولة الشهيرة: الثورة كالقطة تأكل أبناءها!

ثم أُفرج عنه وسجّل أوّل انتصار لنشاطه حيث صدر قرار بمنع الاحتجاز لمرتكبي الجرائم الألكترونية ويكتفى بالمساءلة أمام القضاء، وعاد إلى نشاطه ليكتشف أنه مطلوب للعدالة بقضايا رفعها عليه رجال أعمال وجهات بالتهمة نفسها: “التشهير”،  وهكذا فإن  القرار بإلغاء العمل بقانون الجرائم الألكترونية الشهير الذي أُوقف بموجبه أوّل مرّة بسابقة هلّل لها الشارع السوري لم يكن فعّالاً.

يبدو أن هذه البلاد محكومة بمنظومة فساد متكاملة لا يمكن اختراقها حتى بيد رجل مثل حسّان عقّاد، ومع أنه ما زال يمارس نشاطه لمقاطعة شركات رجل الأعمال محمّد حمشو، وتتبّع شركاته التي ما زال بعضها فاعلاً، كما قدّم وثائق مفصّلة لأملاك وشركات محمّد حمشو لجهات رسمية، محاولاً بشتى الطرق مقاومة الضغوط التي تمارس على حملته المتواضعة مالياً، أمام حيتان يمكنهم شراء الذمم بأموالهم المسروقة من دم الناس. 

ما زال عقّاد يؤمن  ويبشّر بأن العدالة الانتقالية تحتاج إلى نضال مستمرّ، لكنّ حملته بدأت تفقد تسارعها الحماسيّ السابق. فقد أصبح إنجاز المهامّ في “كشف المستور”، أكثر صعوبة في ظلّ حملات تشهير تقودها أموال تخشى ممّا قد تؤدّي إليه هذه  الشفافية في فضح سرقات قديمة هنا، وكشف استغلال مبطّن هناك، وفي ظلّ منظومة حكومية تديرها مؤسّسات ما زالت حتى اليوم تخضع لنظام الولاءات، وقوانينها لم تحدّد بشكل نهائي بعد. 

ومع ذلك فإن ما يثيره عقّاد اليوم هو محاولة لتشكيل وعي ورأي عامّ جمعيين للشعب السوري، وهو تعبير عن شعور المواطن بحاجته للاعتراف بحقوقه وتطلّعه لتبنّي الطرق  القانونية للمطالبة بهذه الحقوق. 

وعلينا أن نعترف أن هناك حالياً مناخاً يسمح بإثارة قضايا إشكالية ومساحة حرّية كافية، لإثارة قضايا تنتقد تصرفات رجال أعمال دعمتهم الحكومة الانتقالية بدعوى ” المصالحة”، والجرأة على اتّهامهم.

وعلينا أن ندرك أن هناك في الأجواء هواءً نظيفاً  أدخله شباب هربوا من ذلّ الديكتاتورية، وتعلّموا معنى المواطنة الحقيقي وطرق تحصيل الحقوق بالقانون، وعادوا ليمارسوا حقوقهم المدنية كما لم يمارسها آباؤهم قبلهم.

وبعد، ماذا تبقّى من الوطن غير الأمل بجيل واعٍ وجريء ومستعدّ للتضحية من أجل بناء وطن؟

19.09.2026
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية