في السابع من تموز/ يوليو الحالي، انقطعت الاتصالات كليًا في السودان، قبل دقائق، وربما تزامنًا، مع انقطاعها كليًا عن مصر. في السودان، لا يُعدّ الأمر مستغربًا، بخاصةً مع تكراره، ومع انهيار البنية التحتية في بلد أنهكته الحرب.
لكن في مصر، الأمر قطعًا مختلف، لأن الانقطاع الكارثي في شبكات الاتصالات وضعنا جميعًا في صدمة. لماذا نصل إلى هذه المرحلة من انهيار البنية التحتية الخاصة بالاتصالات ونحن لسنا في حالة حرب أو تحت استهداف سيبراني معلن؟
في شارع الجلاء، بوسط العاصمة، توقّفت حركة السيارات للحظات عند تقاطع رمسيس، قبل أن تندفع موجة كثيفة من الدخان الأسود من مبنى شاهق يطل على التقاطع، موقعةً كل من في محيطها تحت وطأة مشهد غير مألوف. رجال ونساء يتطلّعون إلى السماء بحثًا عن تفسير، عن هوية هذا الدخان الذي يخنق وسط المدينة.
لم يكن كثيرون يعرفون حينها أن السنترال المحترق هو قلب البنية التحتية الرقمية في العاصمة، وأن النيران لم تلتهم مبنى فحسب، بل حقول بيانات لملايين المستخدمين، وخرائط اتصال تشبه شرايين المدينة.
وحدهم من عملوا داخل الجدران الأسمنتية الرمادية لذلك المبنى الضخم، يعرفون أن ما احترق لم يكن مجرد طابق إداري، بل بوابة تربط مصر بعالمها الإلكتروني، ومحورًا حساسًا لا يحتمل الاشتعال ولا التعطيل.
ومع توالي الفيديوهات من شهود عيان، بدأ يتشكّل سرد غير رسمي موازٍ للبيانات الرسمية. البعض قال إن السنترال احترق بسبب “ماس كهربائي”، وهي العبارة التي باتت تُستخدم في مصر لتفسير كل ما لا يُفهم.
داخل المبنى، كانت الأمور أكثر تعقيدًا. وبحسب مصدر فني عمل لسنوات في أحد أقسام السنترال، فإن الطابق العلوي الذي بدأ فيه الحريق كان يُستخدم في السابق كمخزن لمعدات الشبكة، لكنه تحوّل خلال الشهور الأخيرة إلى نقطة مركزية للربط بين وحدات التحويل في وسط القاهرة.
يقول المصدر: “شوفت حاجات خلتني عارف إن البلد ماشية على سلك عريان، لو اتفرك شوية، هيولّع. واللي بيقول (ده عادي)، عمره ما قعد في غرفة سيرفر تحت الأرض، وسقفها فيه شبك بلاستيك، وسلك الألياف مكشوف، وعليه شريط لاصق مكتوب عليه (ممنوع اللمس)”.
في اليوم التالي للحريق، أصدرت الشركة المصرية للاتصالات بيانًا قالت فيه إن الحريق “تمت السيطرة عليه”، وإنه “لم يؤثر على الشبكة”. لكن كثيرين لاحظوا توقفًا في خدمات الإنترنت الأرضي، واستمر ذلك لساعات طويلة. كما اشتكى عملاء من انقطاع خدمات الهاتف الأرضي، وتعطّل بوابات الدفع الإلكتروني.
في المقابل، صمتت وزارة الاتصالات لأكثر من 24 ساعة، قبل أن تُصدر بيانًا جاء فيه أن التحقيقات جارية، وأن فرق الوزارة تتعاون مع النيابة العامة لتحديد الأسباب. الغريب أن البيان لم يوضح حتى اللحظة طبيعة النشاط الذي كان يحصل في الطابق الذي اشتعل، ولا ما إذا كان يحوي معدات استراتيجية أو بيانات حساسة.
في ظل هذا الفراغ المعلوماتي، طُرحت أسئلة عدة منها: هل هناك علاقة بين الحريق وبين التحديثات الجارية على نظام المراقبة الرقمي للاتصالات؟ هل كانت هناك وحدات خادم (سيرفرات) حكومية تستخدم السنترال كمقر مؤقت؟
ببساطة نشب حريق هائل في سنترال رمسيس “الذي يعالج ويغذي نحو 40 في المئة من حركة الاتصالات المحلية والدولية في مصر، وفقًا لمركز معلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، الذي أوضح أنه يضم أكبر غرف الربط البيني في مصر، وتستخدمه كبرى شركات الاتصالات في مصر، لتوجيه المكالمات وربط خدمات الإنترنت محليًا ودوليًا”.
الحريق أسفر عن وفاة 4 أشخاص وإصابة 27 آخرين، وتسبب في قطع خدمات الاتصالات والإنترنت والخدمات المصرفية وتعطيل رحلات الطيران وعمل البورصة المصرية، وتوقّف عمل أرقام طوارئ الإسعاف والشرطة ليضع الدولة ومواطنيها أمام شلل تام لأكثر من 48 ساعة بحسب “نت بلوكس”.
بحسب منطمة “نت بلوكس”، المتخصصة في الحقوق الرقمية والأمن السيبراني، تراجعت نسبة الاتصال الوطني بالإنترنت، على مستوى البلاد، بعد ساعات من “الحريق” إلى 62 في المئة من معدلها الطبيعي، ثم انخفض في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء إلى 44 في المئة.
كما أصدر مركز “مسار لتعزيز الحقوق الرقمية” تقريراً بعنوان “اختناق الشبكة”، والذي أوضح أن الحريق تسبب في تراجع واضح في حجم البيانات التي تمر عبر الشبكة المصرية. ولم يكن هذا التراجع محدودًا بشركة أو مزوّد خدمة واحد، بل طاول مزوّدين عدة في الوقت نفسه، وهو ما يعكس الدور المركزي الذي يلعبه سنترال رمسيس في توزيع حركة الإنترنت في البلاد، وحجم الأضرار التي لحقت بالبيانات الخاصة بالمستخدمين أثر هذا الحريق.
المفارقة أنه قبل أقل من عام، شاركت مصر في معرض بلاك هات المتخصص في الأمن السيبراني، بتنظيم ودعم ومشاركة من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لمساعدة الشركات المصرية في تصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني إلي السوق السعودي!
وفي العام ذاته، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات المصري أن مصر تقع ضمن الفئة الأعلى دوليًا بالمؤشر العالمي للأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، إذ جاءت ضمن 12 دولة فقط نجحت في تحقيق 100 نقطة من مجموع نقاط المؤشر، من أصل 47 دولة مصُنفة بالفئة الأولى، وذلك مُقارنًة بـ 95.48 نقطة في عام 2020.
مستشار الحماية المدنية، أيمن سيد الأهل، قال في تصريحات صحافية لـ”الشرق الأوسط”، إنه طلب خلال فترة عمله من إدارة السنترال تنفيذ بعض الإجراءات الخاصة بالحماية المدنية، لكن ما يظهره الحريق يشير إلى عدم تنفيذها، في ظل وجود أعداد كبيرة من الأجهزة والسيرفرات من دون توافر منظومة الإطفاء الإلكترونية التي يمكنها التعامل التلقائي مع الحرائق.
وأضاف أن السنترال يُفترض تزويده بأجهزة إطفاء تلقائية تكون متناسبة مع ما تحتويه كل غرفة من معدات، وهو أمر لم يكن متوافراً بالفعل؛ الأمر الذي ساهم في تفاقم النيران وامتدادها بشكل سريع.
لكن الحريق لم يبقَ محصورًا في المبنى، بل امتدّ إلى مسارات رقمية لم تُصمَّم كي تُقطع، مثل العطل المفاجئ في أنظمة الدفع الإلكتروني الحكومية، والمنصات الرسمية التي تعتمد على الربط المباشر بقواعد بيانات البنية الرقمية – مثل بوابة خدمات المرور، وخدمة الدفع الفوري للمخالفات، وحجوزات العيادات التابعة للتأمين الصحي، بالإضافة إلى الوزارات، والبنوك، والمؤسسات السيادية.
في سوق المال، كانت الصدمة أكبر. فمع بداية جلسة التداول، تأخّر ربط بعض شركات السمسرة بمنصة البورصة، ما أدى إلى بطء في تنفيذ أوامر البيع والشراء، وتسجيل أحجام تداول أقل من المعدلات اليومية، من دون صدور أي توضيح فوري.
بدا أن القاهرة قد تلقّت ضربة في شبكتها العصبية، كشفت عن هشاشة الترويج لمشروع “التحوّل الرقمي”، في حين تبقى هذه الشبكات مرهونة بمبنى قديم، متهالك، غير مؤمّن، وغير مزوّد بأجهزة استشعار مبكر.
سنترال رمسيس لا يُخزّن البيانات فقط، بل يُدير تدفّقها. هو عقدة مركزية في منظومة التحكّم في البيانات، ومسار رئيسي تمرّ من خلاله خطوط ربط مؤمّنة، تُستخدم في التنسيق بين المؤسسات، وبعضها يمتدّ إلى قواعد بيانات سيادية مرتبطة بالبطاقات القومية، والسجلات الجنائية، وخدمات التأمين الصحي، ومنظومة العدالة الإلكترونية. حين يُضرب هذا النوع من البنية، لا تكون الخسارة في البنية الفوقية فقط، بل في إمكانية اختراق العمق.
وما يدعو الى القلق، أن الانقطاع المفاجئ للكهرباء في السنترال – والذي وقع أثناء الحريق – قد عطّل أنظمة الاستشعار الرقمي المرتبطة بكشف محاولات الاختراق أو الدخول غير المشروع.
أسوأ ما قد يحدث في هذا السيناريو هو اللحظة التي تتوقّف فيها الأنظمة عن تسجيل كل ما يحدث، ويغيب السجل، وتُفتح الفجوات الزمنية التي يمكن أن تستغلّها أطراف معادية.
هل تم استغلال تلك الثغرة المؤقتة؟ لا نعرف. لم يُصدر المركز القومي لتنظيم الاتصالات، ولا الجهاز القومي للأمن السيبراني، أي بيان عن مراجعة السجلات أو احتمالات الاختراق. ولم يتم الإعلان عن أي نتائج تحقيق جنائي رقمي في آثار الحريق حتى هذه اللحظة.
خلال أسابيع قليلة، اندلعت حرائق متفرقة في عدد من المحافظات، من بينها حريق ضخم بمصنع بلاستيك في القليوبية، وآخر بسوق التوفيقية، وآخر داخل كراج سيارات بمنطقة إمبابة، وحريق بمستشفى في منطقة حلوان، وأخيرًا — وليس آخرًا — الحريق المرعب الذي اشتعل في سنترال رمسيس.
لم يكن هناك نمط واضح، سوى أن درجة الحرارة أعلى، والرطوبة أشدّ، والأنظمة الوقائية غائبة.
منظومة الإنذار المبكر في مصر ضد الحرائق تكاد لا تُرى. لا في المباني الحكومية، ولا في المنشآت الصناعية، ولا حتى في المدارس والمستشفيات. وعلى رغم هذا، تبدو الدولة في كل مرة وكأنها “تُفاجأ”، كأن النار جاءت من خيال، لا من تقصير.
المفارقة، التي تمثل واحدة من أكثر صور التناقض المريرة، فإن مصر، التي استضافت مؤتمر قمة المناخ في شرم الشيخ منذ أقل من عامين، ووقّعت فيه على التزامات بالتكيّف مع التغيّر المناخي، لا تزال لا تمتلك خطة طوارئ لمواجهة آثار الحرارة المتطرفة على البنية التحتية.
أين ذهبت تلك الاستراتيجيات التي أعلنتها وزارة البيئة عن “المرونة المناخية”؟ أين التقييم المدروس لمخاطر التغير المناخي على المناطق الحضرية؟ أين تقرير الإنذار المبكر الذي كان يُفترض أن يُفعَّل في الأحياء القديمة المكتظة؟ ولماذا تحترق الأحياء السكنية قبل الغابات في بلد لا يملك غابات أصلًا؟
تكشف حرائق هذا الصيف أن الدولة المصرية لا تزال تعتبر المناخ “ترفًا بيئيًا”، لا خطرًا وجوديًا. تُحمّل الأفراد مسؤولية الأعطال، بينما تتجاهل البنى التحتية المتهالكة، وغياب أنظمة الإنذار والإطفاء، والتخطيط العمراني الذي صنع من المدينة فرنًا مغلقًا. تتحدث عن “التحول الأخضر” بينما تُضاعف الإنفاق على الطرق الخرسانية، وتزيل الأشجار، وتترك الأحياء التاريخية بلا صيانة.
إقرأوا أيضاً:












