“الشعب يريد إسقاط الفساد”، “الصحة أولًا… ما بغيناش كأس العالم”، (الصحة أولًا… لا نريد كأس العالم)، “التيرانات هاهوما… السبيطارات فيناهوما؟”، (الملاعب هاهي المستشفيات أين هي؟).
شعارات واضحة كررتها حناجر شبابٍ وشابات في المغرب؛ ينتمون إلى “جيل زد”، وهو جيلٌ طالما نُعت بأنه لا رأي له في واقعه، واتُّهم بأنهُ جيلٌ يعيش في بيئة رقمية؛ وسط شبكة الإنترنت والهواتف الذكية، ملتصق بوسائل وشبكات التواصل الاجتماعي منذ صغره.
في المغرب، كانت لشبان هذا الجيل كلمتهم في شوارع المغرب، معلنين انتماءهم إلى القضايا الاجتماعية والسياسية مثل العدالة، المساواة، حقوق الإنسان، الصحة والتعليم.
أمس الإثنين، ولليوم الثالث على التوالي، يطوق المئات من عناصر الشرطة بالزي الرسمي والمدني، مرفوقين بالقوات المساعدة؛ وسط الرباط، ويعتقلون عشرات الشباب الذين خرجوا للتظاهر منذ مساء السبت الماضي، مطالبين بتحسين قطاعَي الصحة والتعليم، وتوفير فرص عمل أكثر، إضافة إلى وضع حدّ للفساد.
“طلقوا مني باقين مادويناش” (أطلقوني لم نتحدث بعد!)، هكذا كانت تصرخ شابة مغربية في شوارع الرباط، وهي تقاد بين نساء ورجال الأمن، ليجيبها أحدهم مخاطبًا زميله “ديها دوز”، (اعتقلها).
كانت تلك الصورة تعكس القمع الذي وُوجهت به هذه الاحتجاجات والاعتقالات، والتي تكررت في مدن عدة من البلاد، بخاصة في الدار البيضاء، طنجة، أكادير ومراكش، إلى جانب العاصمة الرباط، بعد دعوة أطلقتها مجموعة GENZ212، التي تقدم نفسها كـ”جيل زد” في المغرب.
يتابع هذه المجموعة الآلاف على الشبكات الاجتماعية، تقول إن هذا مجرد “بداية طريق نضال سلمي، يظهر عزمنا على تحقيق مطالب مشروعة”، كما جاء في تصريحها بعد التظاهرات، داعيةً مجدداً إلى تنظيم مزيد من الاحتجاجات.
أحد المشاركين في احتجاجات وسط الرباط، قال إنهم يطالبون بـ”إصلاح النظام التعليمي والصحي، نطالب بحريتنا في التعبير ونهاية القمع، لا نطلب أشياء مستحيلة”، معبراً عن أسفه لرد فعل الشرطة، “لم نغلق الشوارع، ولم نخرب شيئًا، جئنا فقط لنعبر بشكل عادي وسلمي”.
في الرباط وحدها، وحسب “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، اعتُقل أكثر من 80 شخصاً عندما حاول الشباب الاقتراب من مبنى البرلمان، أُطلق سراح بعضهم خلال الليل.
وبعد تفريقهم، حاولت مجموعات أصغر التجمع وهي تردد شعاراتها، لكن الشرطة تدخلت في غضون ثوانٍ لإبعاد المتظاهرين أو اعتقالهم. ولا تزال الحصيلة النهائية للاعتقالات في عموم البلاد مجهولة، على رغم أن الكثير ممّن اعتُقلوا أُفرج عنهم بعد ساعات قليلة، فيما لم تُقدم السلطات أي معلومات.
“نطالب بالعدالة الاجتماعية”
“رسالة إلى وزير الصحة، قلت مرة إن من يريد أن يشتكي فليذهب إلى الرباط. ها نحن الشباب نشتكي في الرباط”، يقول واحد من شباب “جيل زد” خلال احتجاجات الرباط لوسائل الإعلام.
ويضيف آخر، “في دستورنا هناك مادة تدافع عن حقنا في التعبير”، مشيراً إلى أنه يتم اعتقال الأشخاص الذين يتحدثون مع الصحافة، وبعد لحظات، وصلت الشرطة وبدأت المطاردة، قبل أن يعود ليتحدث مجدداً أمام الميكروفونات على بعد عشرات الأمتار، “لا نعرف لماذا يريدون اعتقالنا، لم نكن نتوقّع ذلك”.
ويتابع: “لا أخاف أن أقول ما قاله الكثير من الناشطين؛ لقد وصلنا إلى لحظة فراغ. نحن نطالب بالعدالة الاجتماعية والشفافية، وهو ما نفتقده حالياً”.
ومن بين الشعارات المتكررة أيضاً، انتقاد المشاريع الكبرى لبناء ملاعب كرة القدم أو البنى التحتية الضخمة استعداداً لكأس العالم 2030، “ماذا نحتاج؟ ملعب كرة قدم أم مستشفيات؟”، يهتف المحتجون.
يقول أحد الشباب المتظاهرين: “المستشفيات غير مجهزة، بينما ملاعب كرة القدم مزودة بأحدث التقنيات، والفرق واضح”، ليُعتقل في اليوم نفسه.
ويؤكد المتظاهرون مراراً أن مطالبهم تستند إلى الدستور المغربي، معربين عن أسفهم لمحاولات بعض الأوساط “تشويه رسائلهم وإضعافها، بهدف النيل من مطالبهم التي تركز على تحسين قطاعات التعليم والصحة ومحاربة الفساد”.
إقرأوا أيضاً:
هذه الرسائل ذكّرت كثيرين في المغرب بـ”حركة 20 فبراير”، التي شهدتها البلاد في سنة 2011، والتي خرجت إلى الشارع للمطالبة بمزيد من الحقوق، في خضم احتجاجات “الربيع العربي”.
وردد المتظاهرون اليوم في كل المدن أحد الشعارات الشهيرة للحركة آنذاك، “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”.
وعلى رغم أن احتجاجات 2011 قُمعت في مناسبات كثيرة، إلا أن السلطات حينها تحركت لخفض التوتر، إذ ألقى الملك محمد السادس آنذاك خطاباً متلفزاً وعد فيه بدستور جديد، صُودق عليه بعد أشهر.
اعتقالات تعسّفية وتدخلات قمعيّة
“الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، نددت بـ”اعتقالات تعسفية وتدخلات قمعية وعنيفة غير مسبوقة، من السلطات ضد احتجاجات سلمية”.
واعتبرت المنظمة الحقوقية الأكثر شهرةً في المغرب، أن ما حدث يمثل “انتهاكاً صارخاً لحق التظاهر والتعبير”.
كذلك أصدرت منظمات شبابية مختلفة، بعضها تابع لأحزاب سياسية، بياناً يدين موجة الاعتقالات، وأوضحت أن بين المعتقلين عدداً من الناشطين، إلى جانب الكاتب العام لشبيبة حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، المحامي فاروق المهداوي، الذي أُطلق سراحه لاحقاً.
القمع يضاعف المقاومة
ترى الناشطة الحقوقية إبتسام تبات، أن “الحركات الاحتجاجية التي عرفتها بلادنا، حدث يحمل دلالة قوية على أن شروط النزول إلى الشارع أصبحت ناضجة أكثر من أي وقت مضى”.
وتقول إن “جيل Z، الذي صُوِّر في أحيان كثيرة كجيل غارق في الشاشات والسطحية، أبان عن وعيه وشجاعته، وأثبت أن الكرامة والعدالة الاجتماعية مطلب جماعي ملحّ”.
“في مشاهد الأمس، ظهرت ابتسامة تتحدى الهراوات، وارتفعت عبارة ‘بلاتي ماما جايا’، (انتظر ماما قادمة)؛ لتتحول إلى رمز للمقاومة، شابة نحيفة واجهت الشرطي بإصرار فقط لتستعيد هاتفها، كأنها تستعيد حقها في الصوت والكلمة”، تضيف الناشطة إبتسام.
“نساء جُررن على الأرض وتعرضن للإهانة، ومع ذلك ظللن ثابتات يبرهنّ أن الصلابة الحقيقية تنبع من الإيمان بالحق”، توضح الناشطة التي كانت قبل نحو 15 سنة من شباب “20 فبراير”، النسخة المغربية من “الربيع العربي”.
وتعتبر تبات أن هذا الجيل “تَشكَّل وعيه من تناقضات الحياة اليومية: من طلاب ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة، إلى تيارات حزبية ترى في الشارع مدرسة أخرى للسياسة، إلى فنّانين صدحت حناجرهم بأغانٍ ملتزمة، إلى شباب دفعتهم همومهم اليومية المباشرة… بعضهم جاء بأمه لتقوّي حضوره، وليجعل صرخته مُحمَّلة باعتراف عائلي فخور به كما فخرت به عائلته يوم نال شهادة البكالوريا”.
“الاحتجاج عبر التاريخ لم يكن سوى لحظة مواجهة بين إرادة الشعوب، وإصرار الدولة على الصمت أو الإنكار. ومنذ أن وُجدت السلطة، كانت تستقبل صوت المواطن بالقمع، كأنها تعتقد أن العنف قادر على إخماد الأسئلة. لكن التجربة الإنسانية تُعلّمنا أن القمع يضاعف المقاومة، وأن الشعوب كلما تعرّضت للظلم ازدادت إيمانًا بعدالة قضيتها”، تؤكد الناشطة.
وخلصت إلى أن “ما شهدناه البارحة درس بليغ؛ فالمقاومة تكبر حين يتحول الوعي إلى إيمان، والإيمان إلى فعل، والفعل إلى حركة جماعية مؤمنة بالعدل، وجيل Z أعلن أنه حاضر، مُصمِّم، متجذر في حب الوطن. لم يخرج ليهدم، بل ليبني طريقًا آخر، ليقول بجرأة: نحن هنا، نحب هذا الوطن أكثر مما تفعلون، ولن نسكت عن قهره”.
“القمع لا يوقف الأجيال الجديدة”
يقول حمزة محفوظ، الناشط السياسي، والصحافي المغربي، أن “السلطة، حتى وإن تمكنت من ضبط بعض الفضاءات والوسائل والتحكم فيها، فإن الواقع يثبت أن الناس سرعان ما يبتكرون وسائل وفضاءات جديدة للتعبير، تتجاوز الرقابة وتفتح آفاقًا أخرى للمقاومة والمطالبة بالحقوق”.
ويشير محفوظ إلى أن هذا النمط يتكرر بشكل مستمر، فـ”كلما سعت السلطة إلى إغلاق مجال ما، تولد مجالات أخرى بديلة، لتعود لاحقًا لمحاولة السيطرة عليها من جديد، في دورة لا تنتهي”.
ويوضح أن “الخطاب الرسمي، بما في ذلك الخطب الملكية والتصريحات السياسية، يقوم على تعهد أساسي مفاده أن التنمية ستتحقق من دون الحاجة إلى ديمقراطية، وكأن الإصلاح السياسي يمكن أن يُستغنى عنه؛ غير أن السنوات التي تلت ما سُمي بالعهد الجديد أثبتت عكس ذلك، وبات واضحًا أنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية من دون إصلاح ديمقراطي شامل”.
ويشدد محفوظ على أن تجربة “20 فبراير”، “جسدت إدراكًا جماعيًا لهذه الحقيقة، إذ رفعت الديمقراطية كحلّ محوري، وأجبرت الدولة حينها على تقديم بعض التنازلات الشكلية في هذا الاتجاه”.
لكن هذه التنازلات وفق محفوظ؛ لم تُترجم إلى مكاسب فعلية، إذ “لم تحقق الدولة لا الديمقراطية ولا التنمية، ولا حتى الحد الأدنى مما تعهدت به في مجالات الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية… وهذا هو ما دفع شباب جيل زد الى الاحتجاج”.
ويعتبر أن تجاوز الأزمة الراهنة “يتطلب الاعتراف بأن التنمية لا تنفصل عن الديمقراطية، وأن أي مشروع وطني جاد لا بد أن يضع الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في قلب أولوياته، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بشكل ظرفي يعيد إنتاج الأعطاب نفسها”.
وفي تصريحه لـ”درج”، يؤكد محفوظ، وهو أحد أوجه حركة “20 فبراير”، أن “ما تقوم به السلطة في مواجهة احتجاجات الشباب لا يعدو أن يكون حلولًا مؤقتة قوامها العنف والاعتقال وإسكات الأصوات الحرة، بينما المشكل الحقيقي سياسي وبنيوي لا يمكن تجاوزه بمثل هذه المقاربات”.
ويلفت محفوظ الى أن “القمع، التعنيف والزج ببعض الناشطين في السجون، أو دفع آخرين إلى المنافي، قد يخنق غضب فئة محدودة لفترة قصيرة، لكنه لا يمنع بروز أجيال جديدة تحمل المطالب نفسها وتتجدّد معها المواجهة ذاتها”.
ويشير إلى أن “السلطة تسعى الى الاستمرار على المدى الطويل، خصوصًا في ظل نظام ملكي، فتظل مضطرة لبناء قواعد متينة للعيش المشترك بينها وبين المواطنين. هذه القواعد لا يمكن أن تقوم إلا على الفصل الواضح بين السلطة والثروة، وضمان التوازن والعدالة في توزيع الموارد، بدل تركيز القرار الاقتصادي والسياسي في يد طرف واحد، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام الفساد والأزمات”.
كما يوضح لـ”درج”، أن المطالب الاجتماعية التي يرفعها الشباب، وعلى رأسها الحق في الصحة والتعليم وفرص العمل، “ليست قضايا قطاعية معزولة، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة النظام السياسي القائم؛ فالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية ليست إلا نتيجة لتأزم الحقل السياسي وانغلاقه”.
ويضيف أن السلطة “اعتادت، كلما ارتفعت حدة الاحتجاجات، أن تضحي ببعض الوجوه السياسية أو الحكومات كما حدث بعد حراك 20 فبراير، إذ أقيلت حكومة عباس الفاسي، مع إمكانية تكرار السيناريو مع حكومات لاحقة. غير أن هذا الأسلوب لا يعدو أن يكون تنازلًا شكليًا، لأنه لا يقدم إجابات حقيقية أو مستدامة على مطالب الشارع”.
ويختم محفوظ بالتشديد على أن “أولويات البلاد لا يمكن أن تُرسم استنادًا إلى قرارات فردية أو رهانات شخصية، بل يجب أن تكون نتاجًا لحوار وطني جامع تشارك فيه كل الأطراف؛ وحده النقاش الديمقراطي المسؤول يمكن أن يؤسس لمسار تنموي عادل ومستقر، يجمع بين الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويؤمن مستقبل الأجيال القادمة”.
غياب رسمي وسط احتجاجات الشارع
على رغم هذه الاحتجاجات التي يعم صداها البلاد؛ ظل رئيس الحكومة المغربي عزيز أخنوش وأعضاء حكومته غائبين، وكأن “ما يحدث في الشارع لا يعنيهم، فيما بدا البرلمان وكأنه في سبات، والأحزاب والنقابات بلا موقف، تاركين الساحة لمطاردات بين شباب غاضب وقوات أمن متشنّجة. الصمت نفسه التزمته وسائل الإعلام الرسمية، وكأن الذي يحدث ليس في المغرب بل في عالم موازٍ”، هكذا لخص الوضع الكاتب الصحافي علي أنوزلا.
أنوزلا يرى أنه في لحظة كان يُفترض أن تتكلم السياسة، “لم تظهر لا حكومة ولا برلمان ولا أحزاب ولا نقابات؛ وحده الشارع كان مسرحاً للكلمة المخنوقة التي حاول الشباب المحتج التعبير عنها على رغم المنع والقمع والاعتقالات التي طاولت بعض المحتجين”.
ويعتبر أن “هذا الغياب الصارخ لكل مؤسسات الدولة الرسمية المنتخبة يختزل مأساة السياسة في المغرب: مؤسسات قائمة شكلاً، عاجزة مضموناً، ويٌبرر سبب عزوف الأجيال الجديدة وفقدانها كامل الثقة في كل وساطة أو تمثيلية سوى في صوتها المباشر، الى درجة أنها لم تعد ترى أمامها سوى الشارع كفضاء للتعبير عن غضبها”.
“العنف يقود إلى الباب المسدود”
في قراءتها للحراك، اعتبرت الناشطة النسوية والأستاذة الجامعية لطيفة البوحسيني، أن لجوء الدولة إلى ما اعتبرته “العنف العاري”، كشف بشكل صادم جوهر الصراع في المغرب، “صراع بين من يسعى إلى الاستفادة من ثروات البلاد بشكل مشترك، وبين من يقبضون ويعضون بأسنانهم وضروسهم على السلطة لضمان احتكارها وحدهم”.
البوحسيني شددت على أن هذا المنطق القائم على التحكم بالعنف “يقود البلاد إلى باب مسدود، حيث لن يربح أحد”، مؤكدة أن “الحل يكمن في التفكير في وسائل أنجع لامتلاك القوة السياسية والشعبية، والقدرة على التعبئة الواسعة، مع الاستعداد لتحمّل التكلفة مهما كان الثمن”.
وعلى رغم أن الشباب هم من بادروا بالدعوة والتعبئة لهذا الحراك، رافعين مطالب اجتماعية بالأساس، إلا أن البوحسيني اعتبرت أن هذه المطالب “تقع في عمق السياسة، وتشكل جوهر اختيارات النظام الاستراتيجية. ومن ثمة، لا يمكن فصلها عن طبيعة الحكم ولا عن أولويات السياسات العمومية”.
وأضافت أن الأمر لم يعد يخص جيلاً واحدًا فقط، بل “يعني جميع الأجيال والفئات الاجتماعية، إذ إن السياسة هي الشأن الذي يهتم بك حتى وإن رفضت الاهتمام به”.
لهذا، فإن ما وقع وفق البوحسيني “يطرح أسئلة حارقة على النخب والأحزاب وكل الفاعلين السياسيين، سواء داخل المؤسسات أو خارجها”.
ولم تكتف البوحسيني بالتنديد بالعنف أو إعلان التضامن المبدئي، بل دعت إلى “توافق وطني جديد يجمع مختلف القوى التغييرية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمرجعيات المتنافرة، لصياغة إجابات ملموسة عن مطالب الشارع”.
كما طالبت بـ”تحويل المشاورات الانتخابية المقبلة، من مجرد مسرحيات بائسة إلى محطة حقيقية؛ لبناء تعاقد سياسي صادق ينهي أسباب الاحتقان ويضع حدًا لتغوّل الفساد السياسي والاقتصادي والإداري”.
وختمت البوحسيني بالتحذير من أن “القمع قد ينجح مرحليًا، لكنه لن يحل الأزمات، بل قد يفاقمها إلى مستويات يصعب معها التدارك”، قائلة إن “حراك جيل Z ليس سوى حلقة ضمن سلسلة من الإنذارات التي إما أن نلتقط إشاراتها، أو نكرر خطيئة التفريط، لنجد أنفسنا غارقين في مستنقعات لا يعلم إلا الله حضيضها وقذارتها”.
تصاعد وتيرة الاحتجاجات
هذا الحراك والغضب الشعبي تشكّل على نار هادئة، فالأسابيع الأخيرة شهدت زيادة في وتيرة الاحتجاجات أمام عدد من المستشفيات، ومن أبرزها احتجاج في مدينة أكادير قبل أسبوعين، حيث تجمع عشرات المواطنين للتنديد بوفاة ثماني نساء خلال أسبوع واحد، بعد تلقّيهن جرعات أقل من المسكنات أثناء وجودهن في قسم الولادة، بحسب ما أكده الناشطون ونقلته الصحافة المحلية.
كما خرج إلى الشارع، مطلع الشهر الحالي، متضررو زلزال الأطلس للمطالبة بحلول حقيقية، بعد عامين من الكارثة انتظروا خلالهما من دون أن تصلهم المساعدات. وكان من بين الشعارات التي رُفعت حينها، “أين ذهبت أموال الزلزال؟ إلى مهرجانات الموسيقى وملاعب كرة القدم”.
من جهة أخرى، برز جيل من الشباب في البلاد، وجد في شبكات التواصل الاجتماعي فضاءً للتعبير عن غضبه وإحباطه. وهو جيل على رغم حصوله على نسب مرتفعة من الشهادات الجامعية، لكنه لا يجد مكانه في سوق العمل.
فوفقاً للبيانات الرسمية، فإن 37 بالمائة من الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و23 سنة يعانون من البطالة، وأكثر من 25 بالمائة في الفئة العمرية نفسها يصنفون في خانة “NEET” (لا يدرسون، لا يعملون، ولا يتلقون تكويناً)، أي ما يعادل 1.5 مليون شاب في البلاد.
ومقابل اتهامات “جيل زد” بأنهم مُوجهون ويتم تحريضهم ضد بلادهم، يقول الأستاذ الجامعي خالد البكاري، “أتفق مع من يقولون إن هناك محرضين على الاحتجاج، وهناك ثلاثة من أهم رؤوس التحريض أصبحوا اليوم مكشوفين، وقد كشفهم والي بنك المغرب في آخر ظهور له قبل أيام قليلة”.
ويوضح البكاري أن المحرض الأول هو “البطالة، فـ47 بالمائة من الشباب هم عاطلون عن العمل، والمحرض الثاني هو فقدان العمل، أي الفئات التي لم تكن عاطلة عن العمل، ولكن فقدته بسبب قصور السياسات الاقتصادية والمالية والفلاحية، إذ إن 108 آلاف مواطن فقدوا عمله، فقط في العالم القروي، ما يعني ارتفاع نسبة الهجرة نحو مدن عاجزة عن استيعاب أي مدّ جديد للاستقرار بها”.
أما المحرض الثالث، حسب البكاري، فهو “التضخّم، الذي ببساطة يؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار، وتدنّي القدرة الشرائية للأسر، وقد وصل معدل ارتفاع التضخم إلى 90 بالمائة”.
وخلص الناشط الحقوقي إلى أنه “يجب توقيف هؤلاء المحرضين الثلاثة”، والكشف عن “علاقتهم بالطابور الخامس، وخونة الداخل والخارج، ممن يستفيدون من هذه الأوضاع الصعبة، لمراكمةِ ثرواتهم، خدمة لأجنداتِ أعداء الوطن”.











