إذا كان لا يزال لدى “حزب الله” ما يمكن اعتباره “نقطة قوّة” هذه الأيّام، فهي دون شكّ قدرته الفريدة على نسج الروايات وتسويقها. في كلّ مرّة تظنّ أن السقف بلغ حدّه الأقصى، يفاجئك بابتكار سردية جديدة، محكمة الإخراج، متكاملة الأدوات، ومدروسة بعناية لدرجة تستحقّ، بحدّ ذاتها، بعض الإعجاب… لو لم تكن تُستخدم في هذا السياق بالذات.
بعد المجزرة الإسرائيلية في بيروت ولبنان، حيث سقط أكثر من ثلاثمئة ضحيّة ونحو 1100 جريح خلال دقائق، كان يُفترض – نظرياً على الأقلّ – أن ينشغل الخطاب السياسي بإدانة المعتدي الإسرائيلي، وبمراجعة الخيارات التي أوصلت البلاد إلى هنا. لكن، وعلى نحو يكاد يصبح تقليداً، انطلقت سريعاً حملة منظّمة لتحميل رئيس الحكومة نوّاف سلام مسؤولية الدم. جريمته؟ تصريحه بأن “الدولة وحدها تفاوض باسم لبنان”.
بقدرة ساحر، ربطت مكنة “حزب الله” الإعلامية هذا التصريح بـ”استثناء” لبنان من اتّفاق الهدنة الأميركي–الإيراني والتصعيد الإسرائيلي، وكأنّ الرجل يملك مفاتيح التفاوض في واشنطن وطهران معاً، أو أنّ توقيع الاتّفاق كان ينتظر رأيه الأخير. أما الإخراج، فكان على مستوى الحدث: مروّجون رسميون على وسائل التواصل، مقابلات “عفوية” على الأرصفة، وفيديوهات مصقولة بعناية. حملة متكاملة… ينقصها فقط شيء واحد: المنطق.
لكن، إذا تجاوزنا سريالية المشهد، يظهر الهدف الفعلي بوضوح: تحوير المسؤولية بعيداً عن إيران. فالمشكلة، في نهاية المطاف، ليست في غياب ردّ إيراني على تدمير بيروت خلال دقائق، ولا في سقوط عشرات الضحايا دون أيّ توازن ردعي، بل في تصريح رئيس حكومة لبناني قال فيه إن التفاوض يتمّ عبر الدولة، هكذا ببساطة.
الواقع أقلّ قابلية للتجميل. فغياب الردّ الإيراني أمام هول ما جرى في بيروت ليس تفصيلاً في العلاقة بين إيران والحزب. وهو يشير، بوضوح يصعب تجاهله، إلى أنّ الحفاظ على الحزب – ناهيك بلبنان – لم يعد أولوية في الحسابات الإيرانية. وأيّ انخراط لاحق لن يكون بدافع “الدفاع عن لبنان”، بل وفق حسابات إيرانية بحتة، كما جرت العادة.
في هذا الإطار، تبدو الحملة على نوّاف سلام محاولة استباقية لإعادة ترتيب المسؤوليات داخلياً، وإقناع البيئة الحاضنة بأنّ المشكلة ليست في الخيارات الاستراتيجية، بل في “الداخل” اللبناني، والهدف مفهوم: الحفاظ على ما تبقّى من شرعية، ولو على أنقاض بيروت والجنوب… وربما أكثر.
المفارقة أنّه، وسط كلّ هذا، لم نسمع أيّ مراجعة، ولو خجولة. لا اعتراف بخطأ، ولا حتى تساؤل بسيط حول جدوى إدخال لبنان في مواجهة غير متكافئة مع أكثر الحكومات تطرّفاً وتسلّحاً في تاريخ إسرائيل. بدلاً من ذلك، استمرّ العرض: اتّهامات، تخوين، وإعادة تدوير للرواية نفسها، مع بعض التعديلات التقنية.
الأخطر اليوم أن محاولة تحميل الداخل اللبناني مسؤولية استمرار الحرب ليست مجرّد مناورة إعلامية، بل تمهيد لإعادة تثبيت معادلة سياسية وأمنية، حتى لو كان الثمن مزيداً من التفكّك… أو حتى انزلاقاً نحو مواجهة داخلية.
في المقابل، تبدو العبارة التي أثارت كلّ هذا الجدل أقرب إلى بديهة: نعم، الدولة وحدها تفاوض باسم لبنان. لكنّ المشكلة أنّ هذه البديهة لا تُستعاد بالشعارات، بل بوقائع تبدأ من مكان محدّد جدّاً: فرض السيطرة الأمنية الكاملة للدولة، أوّلاً في بيروت وضواحيها، تسمح بعودة الأمان إلى العاصمة والناس إلى بيوتهم، تحضيراً لاستعادة السيادة على كامل الأراضي اللبنانية.
وحده الواقع الملموس يلغي مفعول الرواية الكاذبة… بقدرة ساحر.
إقرأوا أيضاً:










