في الساعات الأخيرة، التي سبقت الموعد الذي ضربه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقضاء على “الحضارة الإيرانية”، كان الحديث الأكثر تداولاً بين اللبنانيين هو عن قرب نهاية العالم، في حال استهدفت الصواريخ الأميركية والإسرائيلية مخزونات نووية داخل إيران، وتسرّبت إشعاعاتها لتصل إلى لبنان.
على مواقع التواصل الاجتماعي، تبادل كثيرون عبارات الوداع المغلّفة بنوع من السخرية السوداء، فيما تخيّل آخرون سيناريوهات لاختفاء منطقة الشرق الأوسط بالكامل، حتى التحذيرات الرسمية التي أطلقتها الدول المجاورة لإيران لمواطنيها بالتزام منازلهم، بدت وكأنها جزء من مشهد القيامة المفتوح… نهاية العالم.
في روايته الملحمية “حرب نهاية العالم”، يضيء الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا على إشكاليّة مستترة تحصل داخل صراع دموي بين قوّتين حاكمتين، حيث تسود الأولى بالتطرّف الديني فيما الثانية تمارس عنفاً سياسياً، الأمر الذي يجعلهما متماهيتين، فيضيع بينهما الحقّ والباطل!
ثمّة ما يعزّز هذا المنطق، حين تكشف أحداث الرواية، أن فئات المجتمع كلّها تقع ضحيّة هذا الصراع من دون أيّ تمييز: المدنيون والجنود والمتديّنون واللصوص والتجّار وغيرهم، وهذا بدوره يؤدّي إلى إرباكنا وإغراقنا في بحر من الحيرة: مع من نتعاطف؟ مع من نقف؟ إلى أيّ فئة ننحاز؟
في الحروب، لا سيّما حين يتساوى طرفا الصراع في ممارسة الهمجية، تاريخاً وحاضراً، ويبرّران تجاوزهما القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية والدوس عليها بزعم الدفاع عن الوجود، يصبح التفريق بينهما أمراً عسيراً، ولا يعود المطلوب هو التمييز بين الخير والشرّ فحسب، أو بين الحقّ والباطل، إنما إعادة تعريفهما، حتى لا تتحوّل فكرة الانحياز نفسها إلى أزمة أخلاقية إضافية.
ربما هذه هي الحال التي نعيشها اليوم حيال الحرب الدائرة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إذ إنها توقع من آثر البقاء على قيد الحياد، حفاظاً على قيمه الإنسانية ما فوق السياسية، في حيرة من أمره، فيضيع ما بين رفض غطرسة ترامب ونتانياهو وارتكابات الحرس الثوري الإيراني في بلاده وبلادنا، ولولا الضحايا المدنيين الذين يدفعون ثمن مغامرات قادة هذا الصراع “القذر” وقرارتهم المتهوّرة، لقال الواحد منّا بضمير مرتاح: هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل.
عموماً، يُقال إنه لا يبدأ صراع من فراغ… ففي السنوات الأخيرة كانت كلّ المؤشّرات تفيد بأن هناك حرباً ستندلع بين إيران والولايات المتّحدة ومعها إسرائيل، على رغم المفاوضات النشطة ومحاولات الاحتواء والتحذيرات التي يبذلها المجتمع الدولي، إذ عكف “العاقلون” على تحذير الطرفين من الدخول في هذا المسار، لذلك يمكن القول إن ما نشهده أو نشاهده اليوم ليس انفجاراً مفاجئاً، بل نتيجة متراكمة لنمط طويل من الاحتقان والاستفزاز الذي مارسه الطرفان.
وبالنظر إلى الآثار المترتّبة على هذا الانفجار، لا تكفي إدانة همجية الأميركي والإسرائيلي وتبرير انتقام الإيراني أو العكس، فالدمار الذي حصل بفعل الصواريخ الأميركية والإيرانية، هو الأعمق والأكثر تأثيراً وأذية للبنية الإنسانية المدنية في المنطقة بكاملها.
وإذا أردنا تشريح هذه الحرب من منظور قيمي إنساني، لا بد أن نسأل لماذا أدخلت إيران دول المنطقة في هذه الحرب غصباً عن إرادتها وموقفها الرافض لها؟ لماذا عاقبت شعوبها؟ ولماذا على شعوب هذه الدول أن تقدّم قرابين بشرية ومادية بسبب رغبة أميركا وإسرائيل في إطاحة النظام في إيران؟
لماذا تتعامل أميركا وإسرائيل مع الشعب الإيراني على أنه هو نفسه النظام؟ ولماذا يحقّ لكلّ من أميركا وإسرائيل القضاء على أيّ نظام في دولة أخرى؟ ولكنّها تبقى أسئلة من دون إجابات، لا لصعوبتها بل لعبثيّتها…
إقرأوا أيضاً:
في قاموس الحروب، توجد قاعدة مهمّة، وهي ألا يكون هدف من يقترف الحرب سوى النصر، لكنّ النصر لا يعني التفوّق العسكري فقط، بل إرساء استراتيجيات أفضل ممّا كان قبل اندلاعها، وهذا ما يُطلق عليه “النصر الاستراتيجي”، الذي يدخل ضمن سياقه مبدأ الحفاظ على التحالفات المعقودة، وعلى بيئة وجوار صديقين وداعمين.
بهذا التصوّر لم تحقّق إيران في هذه الحرب إلا دماراً شاملاً معنوياً ومادياً، فالانتقام من العدو عن طريق الاعتداء على الصديق، يُقتطع من حساب “النصر الاستراتيجي”، ولا يختلف عن الهزيمة الساحقة، في حين أن ما حقّقته أميركا وإسرائيل حتى الآن لا يتجاوز كونه مأزقاً استراتيجياً.
علاوة على ذلك، ليس بإمكان أيّ نصر مفترض، تبرير الويلات التي أنزلتها هذه الحرب على شعوب المنطقة، باعتبارها ثمناً إلزامياً للصراع بين الخير والشرّ، بين الحقّ والباطل، لأن الصراع هنا كما يبدو هو بين قوّتين شرّيرتين تتقنان لغة العنف نفسها، وهذا يفرض موقفاً مركّباً: معارضة أطماع النظام الإيراني وحقده على دول المنطقة، وفي الوقت نفسه رفض الوحشية الأميركية – الإسرائيلية التي تستهدف الشعب الإيراني وحضارته.
بكلّ بساطة، يمكننا أن نجمع بين العداء للنظام الإسلامي والولايات المتّحدة وإسرائيل في موقف واحد، وألا ننحاز إلى أيّ منهما، بعدما أثبتا بشكل قاطع أنهما متساويان في الشرّ والعنف والدموية.
وعلى طريقة أحداث رواية “حرب نهاية العالم”، قد تخرج المنطقة من هذه الحرب، لكنّها لن تخرج من منطقها… منطق الالتباس بين الحقّ والباطل والخير والشرّ…
لكنّها في الوقت نفسه، حتى لو انتهت اليوم، فلن تُعيد لإيران ما خسرته، بل ستصبح دولة أكثر عزلة وضعفاً ممّا كانت عليه من قبل، ولن تصنع من ترامب بطلاً قومياً يُعيد “أميركا عظيمة مجدّداً”، وستجعل الدول المحايدة التي تضرّرت أكثر حذراً وأقلّ تسامحاً.
أمّا في حال تزايدت احتمالات استمرارها، واتّساع رقعتها لتشمل أهدافاً أوسع، فذلك يجعل المنطقة برمّتها تقف عند واحدة من أكثر لحظاتها الوجودية خطراً، لحظة قد يمهّد فيها فشل المسارات التفاوضية أو حتى تعثّرها، الطريق نحو نهاية العالم حقيقةً لا خيالاً، تكون فيها الحضارات والمجتمعات الإنسانية والتجربة البشرية هي الضحيّة.














