في لبنان، لا يحتاج التضييق على حرية التعبير دائماً إلى قانون واضح. أحياناً، تكفي موجة تحريض، حملة تخوين، ضغط سياسي، أو استدعاء أمني، كي يُحذف محتوى، أو يعتذر صاحبه، أو يتعلّم الآخرون درساً مفاده أن هناك آراء مسموحة، وآراء قد تكلّف أصحابها الكثير.
هذا ما أعادته أخيراً قضية الـ”إل بي سي” إلى الواجهة. ففي مطلع أيار/ مايو، نشرت القناة محتوى ساخرًا مستوحى من لعبة Angry Birds، تناول الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. لم يصمد الفيديو طويلًا. فقد حذفته القناة بعد إشارة من مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، وبعد مثولها أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، وفق ما أعلنته القناة وما نقلته وسائل إعلام لبنانية ودولية.
لكن بعد نحو اسبوعين عاد وسمح المدعي العام نفسه بإعادة بث الفيديو وهو ما اعتبرته القناة انتصارا لحرية التعبير..
لكن هذا وإن كان خطوة مهمة لكنه لا يعني بعد طيّ صفحات من الصدام والسجال بين حرية التعبير ومحاولات التضييق القانونية والسياسية والمجتمعية.
المادة 13 من الدستور اللبناني تكفل حرية الرأي والتعبير قولًا وكتابة، وحرية الصحافة والاجتماع وتأسيس الجمعيات، “ضمن نطاق القانون”. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا “النطاق” إلى أداة انتقائية لتقييد النقد بدل حمايته، خصوصاً في ظل ضغط سياسي حزبي تحت وطأة السلاح.
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، ففي عام 2006، أثار برنامج “بس مات وطن” الذي كان يُعرض على شاشة الـ”إل بي سي” أيضاً، موجة احتجاجات بعد تقليد حسن نصرالله في مشهد ساخر. آنذاك، قطع مناصرون لحزب الله طرقات وأحرقوا إطارات في محيط الضاحية الجنوبية وطريق المطار، واعتبر نائب من الحزب أن البرنامج جزء من “حملة تهدف إلى تصفية المقاومة”. منذ تلك الحادثة، بدأت تُرسم خطوط حمراء بسطوة القوة والتهديد ضد تناول ساخر لزعامة حزب الله، وهو أمر حاولت أطراف مقابلة تعميمه لا تحدّيه، بمعنى باتت هناك محاولات لتوسيع دائرة المحظورات من تناول شخصيات وزعامات استناداً الى سابقة حزب الله.
ومذاك، ترسّخت أكثر فأكثر فكرة “الخطوط الحمراء”: زعيم سياسي لا يُمس، مرجعية دينية لا تُنتقد، حزب لا يُسخر منه، طائفة لا تُغضب. هكذا لا تعود حرية التعبير حقاً عاماً، بل تصبح امتيازاً مشروطاً، يحق لك أن تتكلم ما دمت لا تقترب من المحرمات التي يحددها الطرف الأقوى.
هنا يصبح السؤال أبعد من الفيديو المحذوف، فهل نحن أمام حرية تعبير فعلية، أم أمام حرية انتقائية تُمنح حين يكون النقد مريحاً، وتُسحب حين يصبح مزعجًا؟
دوليًا، لا يقف حق التعبير عند حدود الآراء اللطيفة أو المقبولة. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان عام 1972، تكفل حرية اعتناق الآراء من دون تدخل، وحرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بأي وسيلة. صحيح أن هذا الحق ليس مطلقًا، لكنه لا يُقيّد إلا وفق شروط صارمة، أن يكون التقييد منصوصاً عليه في القانون، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً لحماية حق محدد، لا لحماية هيبة زعيم أو صورة حزب أو حساسية شارع.
هذا الفارق أساسي، فالقيود المشروعة على التعبير، في القانون الدولي، تختلف جذرياً عن استخدام القضاء أو الأجهزة الأمنية لإسكات النقد. هناك توافق دولي ضمن الأطر الديمقراطية، على أن التعبير السياسي والنقاش العام حول الشخصيات العامة يجب أن يحظيا بأعلى درجات الحماية، وأن مجرد اعتبار تعبير ما “مهيناً” لشخصية عامة لا يكفي لتبرير العقاب. كما حذرت من تحوُّل قوانين القدح والذم عمليًا إلى وسيلة لخنق حرية التعبير.
في لبنان، هذا التحذير ليس نظرياً. فمنذ سنوات، يتكرر مثول صحافيين وناشطين ومواطنين أمام مكاتب أمنية، وخصوصاً مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، في قضايا تتعلق بالنشر والتعبير. تقول منظمة العفو الدولية إن قوى الأمن الداخلي كشفت لها أن مكتب جرائم المعلوماتية حقق في 1684 قضية قدح وذم وتحقير بين كانون الثاني/ يناير 2019 وآذار/ مارس 2024.
كما تؤكد نقابات ومنظمات معنية بحرية الصحافة أن القضايا المرتبطة بعمل الصحافيين والنشر يفترض أن تُحال إلى محكمة المطبوعات، لا أن تتحول إلى استدعاءات أمنية. الاتحاد الدولي للصحافيين أشار في 2025 إلى أن القضاء اللبناني، وخصوصًا النيابات العامة، بات يلجأ بصورة متزايدة إلى استدعاء الصحافيين عبر أجهزة أمنية، ومنها مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، على رغم أن محكمة المطبوعات هي المرجع المتخصّص قانونياً في قضايا النشر.
تؤكد الأرقام هذا المسار. فبحسب قاعدة بيانات مؤسسة سمير قصير SKeyes لرصد الانتهاكات، سُجّل 880 انتهاكاً ضد الحريات الإعلامية والثقافية في لبنان منذ 1 كانون الثاني/ يناير 2012، ضمن قاعدة تشمل أيضاً سوريا وفلسطين والأردن. ولا تقتصر هذه الانتهاكات على الملاحقات القضائية، بل تمتد إلى الاعتداءات الجسدية، والتهديد، والتحريض، وحتى القتل.
في الفكر الديمقراطي، لا تُقاس حرية التعبير بحماية الكلام الذي يوافق عليه الجميع، بل بحماية الكلام الذي يصدم ويزعج ويتحدّى. هذه الفكرة نجدها بوضوح في التراث الليبرالي الكلاسيكي، من جون ستيوارت ميل إلى الاجتهادات القضائية الأوروبية. ففي قضية Handyside ضد المملكة المتحدة، كرّست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأً شهيراً مفاده أن حرية التعبير لا تحمي فقط الأفكار المقبولة أو غير المسيئة، بل أيضاً تلك التي “تصدم أو تزعج أو تسيء” الى الدولة أو الى جزء من المجتمع، لأن التعددية والتسامح والانفتاح هي شروط أساسية لأي مجتمع ديمقراطي.
هذا لا يعني أن التعبير بلا حدود. فالقانون الدولي يميز بين النقد، ولو كان قاسيًا أو ساخرًا، وبين التحريض على العنف أو الكراهية أو التمييز. المادة 20 من العهد الدولي تلزم الدول بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية حين تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. أما السخرية من شخصية سياسية أو دينية عامة، فلا يجوز أن تُعامل تلقائياً كتحريض أو كتهديد للسلم الأهلي.
لهذا تبدو حجة “حماية المقدسات” خطرة حين تُستخدم لإسكات النقد. فالقضية في لبنان ليست فقط دينية، إنها أيضًا سياسية. كثيراً ما يتحول الزعيم إلى مقدّس، والحزب إلى عقيدة، والنقد إلى “تجديف سياسي”. وعندها لا يُحمى الإيمان ولا السلم الأهلي، بل تُحمى الهالة المحيطة بأصحاب السلطة.
إقرأوا أيضاً:
لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة كانت واضحة في هذا المجال: قوانين ازدراء الأديان أو حظر “عدم الاحترام” تجاه دين أو معتقد لا تنسجم مع العهد الدولي إلا في الحالات الضيقة المرتبطة بالتحريض على الكراهية كما تشرحها المادة 20. ولا يجوز استخدام هذه القوانين لمنع أو معاقبة نقد الزعماء الدينيين أو التعليق على العقائد والأفكار الدينية.
في حالة مجلة شارلي إيبدو الساخرة تبدو القضية أعقد. في 7 كانون الثاني/ يناير 2015، تعرّض مقر المجلة الساخرة في باريس لهجوم إرهابي قُتل فيه 12 شخصًا، بينهم رسامون وصحافيون، على خلفية نشر رسوم ساخرة للنبي محمد. وقد أدانت منظمات حقوقية الهجوم باعتباره اعتداء مباشرًا على حرية التعبير، مؤكدة أن الحق في التعبير يشمل أيضا الآراء التي “تصدم أو تزعج أو تسيء”، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة حماية المسلمين من أي ردود انتقامية أو تعميمات عنصرية بعد الهجوم.
لكن النقاش الذي تلا الهجوم لم يكن بين من يبرر القتل ومن يدافع عن الحرية فقط. فقد ظهر اتجاهان واضحان، الأول رأى أن التراجع أمام العنف يعني مكافأة الترهيب، وأن السخرية من الدين أو السلطة، مهما كانت جارحة، يجب أن تبقى محمية ما لم تتحول إلى تحريض مباشر على العنف أو الكراهية. أما الاتجاه الثاني، فلم يبرر العنف، لكنه سأل عمّا إذا كانت بعض الرسوم، في سياق فرنسي مشحون بالإسلاموفوبيا والتهميش الاجتماعي للمسلمين، تمارس نقدًا للسلطة الدينية أم تضرب جماعة ضعيفة أصلًا. هذا الخلاف برز بوضوح حين احتج عشرات الكتّاب على منح PEN America جائزة حرية التعبير لشارلي إيبدو، إذ قالوا إن الدفاع عن حق المجلة في النشر لا يعني بالضرورة الاحتفاء بكل ما نشرته، خصوصًا عندما يستهدف “قسمًا مهمشًا ومتضررًا” من المجتمع الفرنسي.
جادل مدافعون عن حرية التعبير بأن تحويل “الإساءة إلى المشاعر الدينية” إلى معيار قانوني أو سياسي قد يفتح الباب أمام الرقابة، خصوصًا حين تستخدمه السلطات أو الجماعات الأقوى لإسكات النقد.
الخلاف حول السخرية لا يعني تجاهل أثرها الاجتماعي، بل حثّ على أن يبقى هذا الخلاف داخل المجال العام، فالنقد والاعتراض والمقاطعة جميعها ردود مشروعة، أما تحويل الغضب إلى قتل، أو تهديد، أو استدعاءات أمنية، أو حذف قسري للمحتوى، فهو اللحظة التي تنتهي فيها حرية التعبير وتبدأ سلطة الترهيب.
هذا هو الاختبار الحقيقي، فالحرية ليس أن تحمي الدولة الكلام الذي يرضي الجميع، بل أن تحمي الحق في الكلام حين يغضب الأقوياء، وليس أن تمنع الناس من الاعتراض على محتوى ساخر أو مستفز، بل أن تمنع تحويل الاعتراض إلى ترهيب، وتحريض، واستدعاءات، وحذف قسري.
في لبنان، النصوص موجودة، دستور يتحدث عن حرية الرأي والصحافة، وقوانين يفترض أن تنظّم لا أن تخنق، والتزامات دولية يفترض أن تحمي المجال العام. لكن الواقع يقول شيئًا آخر، وهو أن هناك سلطة سياسية وطائفية وقضائية وأمنية تتعامل مع التعبير لا كحق، بل كخطر يجب ضبطه.
لذلك، لم تعد المشكلة في غياب النصوص فقط، بل في غياب الإرادة لحمايتها. فحين تصبح حرية التعبير خاضعة لميزان القوة، وحين يُستدعى الصحافي أو المواطن لا لأنه حرّض على العنف بل لأنه أزعج زعيمًا أو حزبًا أو جمهورًا ما، يصبح وصف لبنان بأنه “بلد الحريات” أقرب إلى الذاكرة منه إلى الواقع.
السؤال في النهاية ليس ما إذا كان الفيديو ساخرًا أو مستفزًا أو رديئًا أو أو حتى موفقًا، السؤال هو، من يقرر حدود السخرية؟ القانون؟ القضاء المستقل؟ أم الشارع المسلح بالتحريض والقداسة والخوف؟
حرية التعبير التي لا تحمي إلا الكلام المهذب والمضمون والمقبول، ليست حرية، إنها إذن مسبق بالصمت.
إقرأوا أيضاً:












