ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“حرية التعبير” مطيّة حزب الله الجديدة للاستقواء والتهديد

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فرض الجدل حول قضية الحريات نفسه مع انتشار أخبار عن استدعاء الصحافي في قناة “المنار” علي برو إلى التحقيق على خلفية ظهوره في فيديو إلى جانب مسؤول وحدة التنسيق في حزب الله، وفيق صفا، خلال فعالية إضاءة صخرة الروشة بصورتي الأمينين العامين السابقين لحزب الله، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي نُظّمت بحضور صفا، في تحدٍّ لقرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع إضاءة الصخرة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في كتابه الشهير “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، قدّم الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر ما أسماه “مفارقة التسامح”. يقول بوبر إن التسامح غير المحدود لا بدّ أن يؤدي في النهاية إلى زوال التسامح نفسه. وكتب: “إذا مددنا التسامح حتى لمن هم غير متسامحين، ولم نكن مستعدين للدفاع عن مجتمع متسامح ضد هجوم المتعصبين، فسيدمَّر المتسامحون، ويسقط معهم التسامح. لذا يجب، باسم التسامح، أن نطالب بالحق في عدم التسامح مع المتعصّبين”.

هذه المفارقة الأخلاقية والفكرية تطرح سؤالًا مركزيًا في النقاشات حول حرية التعبير: إلى أي مدى يمكن الدفاع عن حرية من يستخدمها لتقويضها؟ وهل يمكن تسويغ خطاب الكراهية والتهديد باسم الحريات نفسها؟

من هنا يمكن النظر إلى الجدل الذي تشهده الساحة اللبنانية أخيرًا حول ما يسمى الدفاع عن “حرية التعبير”، والذي تحوّل في الواقع إلى محاولة لتبرير التحريض والتهديد باسم الحرية، وإلى مطالبة المجتمع بتقبّل خطاب عنيف وعنصري واستعلائي على أنه تعبير مشروع عن الرأي.

تُطرح قضية الحريات في لبنان، لكن هذه المرة من موقع مختلف عن السابق. فهي لم تُطرح من موقع مناصرة ناشط أو صحافي لا حول له ولا قوة يُقمع بسبب قدح أو ذمّ أو فضح فساد، بل من منطلق الدفاع عن حرية التهديد تحت مسمّى “حرية التعبير”، والتي أصلًا لا تؤمن بها الجهة التي ترفع شعارها اليوم، بل لطالما عملت على تقويضها وإضعاف أبسط أساليب التضامن. ومع ذلك تدعو من اضطهدتهم وتَضطهدهم في خطابها إلى التضامن مع لغة الاستقواء والتحريض والتهديد والتنمر، محاولةً إشعارهم أن مصداقيتهم اليوم تحت الاختبار.

فرض الجدل حول قضية الحريات نفسه مع انتشار أخبار عن استدعاء الصحافي في قناة “المنار” علي برو إلى التحقيق على خلفية ظهوره في فيديو إلى جانب مسؤول وحدة التنسيق في حزب الله، وفيق صفا، خلال فعالية إضاءة صخرة الروشة بصورتي الأمينين العامين السابقين لحزب الله، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي نُظّمت بحضور صفا، في تحدٍّ لقرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع إضاءة الصخرة.

في الفيديو، يتوجّه برو إلى سلام بالقول: “نواف بيسلّم عليك الحاج وبيقلك ح نضويها يا نواف وح نطفيك”، في عبارة فُهمت كتهديد واضح. ثم يضيف: “نواف، انت متخايل إنو بعد ما استشهد (نصرالله)، إصبعو كسرلك راسك، وكسرلك رقبتك، وكسر لك قرارك، هوّي ومستشهد إصبعو فوق راسك”.

صدر هذا الكلام بحضور صفا، الذي ظهر متجاوبًا مع برو، وكرّر المسؤول في حزب الله عبارة “يا علي سيكي لح لح” — وهي عبارة شاعت أخيرًا يطلقها مناصرو الحزب على السلاح.

إثر ذلك تم استدعاء الشاب إلى التحقيق، لكنه رفض الامتثال متذرّعًا بأنه صحافي ولا يمثل سوى أمام محكمة المطبوعات، لتصدر بحقه مذكرة بحث وتحرٍّ. وكان المستدعى قد برز أخيرًا من خلال مقاطع مصوّرة يهاجم فيها شخصيات وإعلاميين، لا تقتصر على الإسفاف والابتذال، بل تتعدّاها إلى خطاب ذكوري وعنصري وتحريضي ضد أشخاص بسبب مواقفهم السياسية، وتسخيف التهديدات والاعتداءات التي تطاولهم.

تهديد برعاية وفيق صفا

هكذا صار أن يقف عنصر في حزب الله بالقرب من وفيق صفا، القيادي المعروف في الحزب والغنيّ عن التعريف، الذي يحاول حتى اليوم أن يظهر أنه لا يزال متحكّمًا بمفاصل أمن البلاد، وأن يهدد بمباركته وباسمه وعلى مسامعه بـ”إطفاء” رئيس حكومة لبنان، متفاخرًا بـ”تكسير رأس ورقبة وقرار” نواف سلام، وضمن فعالية أراد الحزب من خلالها أن يوصل رسالة بأن مصير البلد لا يزال بيده، وأنه فوق كل السلطات، وإرادته فوق إرادة الجميع، في بلاد تحاول لملمة كارثة أدخلتها بها قراراته.
صار كل هذا “حرية تعبير” و”عملًا صحافيًا” لا يمثل صاحبه إلا أمام محكمة المطبوعات!

كل هذا صادر عن جهة لطالما فرضت قراراتها بالعنف والقوة، متهمة بارتكاب جرائم اغتيال لمعارضيها، وبات اليوم حرية تعبير، ومحاولة مواجهته تُعدّ استضعافًا! بل ذهب البعض حد اعتبار رفض التضامن مع محرضين تخاذلًا عن نصرة حرية التعبير! وكأن الحاج وفيق ومن يقفون إلى جانبه لطالما كانوا من أعلام الدفاع عن هذه الحرية.

لو قال القائل ما قاله بعيدًا عن وفيق صفا، وليس نقلًا عن لسانه، ولو لم يكن صفا في كادر الصورة، لكان من الممكن ربما النقاش في جدّية التهديد أو محاولة قراءة المشهد بشكل مختلف. لكن لا يمكن فصل المشهد عن سياقه، ولا إخراج صفا منه، ولا التعاطي مع القائل من موقع الضعف وكأنه ناشط تعاكسه علاقات القوة. لقد كانت الرسالة واضحة: نحن السلطة الفعلية، نفعل ما نشاء بمن نشاء، ونكسر رأس أيٍّ كان مهما علا شأنه.

لا يمكن النظر إلى الأمور خارج سياقاتها، ولا يمكن إغفال دور أدوات حزب الله في التحريض والتجييش وشنّ الحملات الموجّهة ضد أشخاص بخطابات مليئة بالكراهية، وصولًا إلى التهديد والابتزاز والأذى الجسدي. إنها أفعال تنتج منها ضحايا، وتدفع باتجاه التدمير المعنوي والجسدي لمن لا يملكون سلطة، ومن لا يملكون فعليًا سوى التعبير عن مواقفهم أو القيام بمهامهم.

القضاء على التسامح باسم التسامح

هذه المرة بدا واضحًا كيف يحاول حزب الله استخدام بعض المدافعين عن حرية التعبير، ودفعهم إلى التضامن مع منطق التحريض من دون تقدير عواقب ذلك على الأفراد والمجتمع. وهو يستغل محاولة هؤلاء إثبات موضوعيتهم، ولو أمام جهة ستستمر في محاربتهم وتجريدهم من القدرة على التضامن.
إنه إثبات أمام حزب يحاول فقط أن يحافظ على قدرته على البلطجة والاستقواء والتهديد. فحزب الله حريص على الحفاظ على قدرته على التحريض والتجييش من دون محاسبة، ولطالما شكّل ذلك إحدى أهم أدواته للهيمنة عبر القمع والترهيب.

على من يرفض استدعاء من يهدد أو من ينطق باسمه أن يخبر ضحايا هذا المنطق وحملات التحريض والتهديد، والذين يعانون ما يعانونه من ذلك، كيف لهم أن يواجهوا التحريض والتهديد؟
وهل على الجميع أن ينزلق إلى هذا الخطاب الذي له تداعيات فعلية على الأرض وعلى الأفراد، فلا يكون من حلّ سوى الرد على التحريض بآخر، في محاولة للدفاع أو لردع المحرّض الأول؟
فتكون النتيجة دوامة استقواء وتحريض مدمّرة، نُحَيّد فيها النقاش عن مواجهة التحديات الأساسية.

التطبيع مع خطاب حزب الله

عادةً ما يُميّز المدافعون عن حرية التعبير بين الحق في التعبير وخطاب الكراهية والتحريض على القتل والتهديد به. فماذا حصل في لبنان ليصبح بعض المدافعين عن الحريات، كما يقدمون أنفسهم، مدافعين عن البلطجة والتهديد والتحريض والذكورية والتنمر ضد الأضعف؟
وكأن هناك تطبيعًا مع خطاب الحزب ولغته، بل وأسوأ من ذلك، يظهر البعض كمؤمن بحق الحزب وأنصاره وحدهم بقول ما يشاؤون، بينما يُنتقد الخطاب نفسه، بل وأقل منه، إن تفوه به معارض للحزب.

يذكّر كل ما يحدث بنظرية كارل بوبر، التي طرحت مسألة “التسامح مع اللاتسامح”، وكيف يمكن للدفاع عن اللاتسامح أن يقضي على التسامح. فالتسامح اليوم مع لغة الاستقواء والتهديد والتحريض، وخصوصًا في مرحلة تتطلب التسامح للدفع باتجاه إصلاح بعض الممارسات والسعي إلى فرض المساواة بين المواطنين، سيؤدي إلى القضاء على التسامح ذاته.

كما أن الرسالة التي تُوجّهها هذه الممارسات إلى ضحايا التهديد والتحريض والحملات، هي أن من يهددكم ما زال وسيبقى فوق المحاسبة. وهي الرسالة التي يريدها حزب الله، لأنها رسالة قوة يبعث بها إلى الداخل اللبناني. وعلى من يحرص اليوم على منح غطاء لهذه الرسالة وتعزيز حصانة حملتها، أن يدرك مسؤوليته عن التهديدات التي ستطاول لاحقًا أناسًا في موقع ضعف.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
08.10.2025
زمن القراءة: 5 minutes

فرض الجدل حول قضية الحريات نفسه مع انتشار أخبار عن استدعاء الصحافي في قناة “المنار” علي برو إلى التحقيق على خلفية ظهوره في فيديو إلى جانب مسؤول وحدة التنسيق في حزب الله، وفيق صفا، خلال فعالية إضاءة صخرة الروشة بصورتي الأمينين العامين السابقين لحزب الله، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي نُظّمت بحضور صفا، في تحدٍّ لقرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع إضاءة الصخرة.

في كتابه الشهير “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، قدّم الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر ما أسماه “مفارقة التسامح”. يقول بوبر إن التسامح غير المحدود لا بدّ أن يؤدي في النهاية إلى زوال التسامح نفسه. وكتب: “إذا مددنا التسامح حتى لمن هم غير متسامحين، ولم نكن مستعدين للدفاع عن مجتمع متسامح ضد هجوم المتعصبين، فسيدمَّر المتسامحون، ويسقط معهم التسامح. لذا يجب، باسم التسامح، أن نطالب بالحق في عدم التسامح مع المتعصّبين”.

هذه المفارقة الأخلاقية والفكرية تطرح سؤالًا مركزيًا في النقاشات حول حرية التعبير: إلى أي مدى يمكن الدفاع عن حرية من يستخدمها لتقويضها؟ وهل يمكن تسويغ خطاب الكراهية والتهديد باسم الحريات نفسها؟

من هنا يمكن النظر إلى الجدل الذي تشهده الساحة اللبنانية أخيرًا حول ما يسمى الدفاع عن “حرية التعبير”، والذي تحوّل في الواقع إلى محاولة لتبرير التحريض والتهديد باسم الحرية، وإلى مطالبة المجتمع بتقبّل خطاب عنيف وعنصري واستعلائي على أنه تعبير مشروع عن الرأي.

تُطرح قضية الحريات في لبنان، لكن هذه المرة من موقع مختلف عن السابق. فهي لم تُطرح من موقع مناصرة ناشط أو صحافي لا حول له ولا قوة يُقمع بسبب قدح أو ذمّ أو فضح فساد، بل من منطلق الدفاع عن حرية التهديد تحت مسمّى “حرية التعبير”، والتي أصلًا لا تؤمن بها الجهة التي ترفع شعارها اليوم، بل لطالما عملت على تقويضها وإضعاف أبسط أساليب التضامن. ومع ذلك تدعو من اضطهدتهم وتَضطهدهم في خطابها إلى التضامن مع لغة الاستقواء والتحريض والتهديد والتنمر، محاولةً إشعارهم أن مصداقيتهم اليوم تحت الاختبار.

فرض الجدل حول قضية الحريات نفسه مع انتشار أخبار عن استدعاء الصحافي في قناة “المنار” علي برو إلى التحقيق على خلفية ظهوره في فيديو إلى جانب مسؤول وحدة التنسيق في حزب الله، وفيق صفا، خلال فعالية إضاءة صخرة الروشة بصورتي الأمينين العامين السابقين لحزب الله، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي نُظّمت بحضور صفا، في تحدٍّ لقرار رئيس الحكومة نواف سلام بمنع إضاءة الصخرة.

في الفيديو، يتوجّه برو إلى سلام بالقول: “نواف بيسلّم عليك الحاج وبيقلك ح نضويها يا نواف وح نطفيك”، في عبارة فُهمت كتهديد واضح. ثم يضيف: “نواف، انت متخايل إنو بعد ما استشهد (نصرالله)، إصبعو كسرلك راسك، وكسرلك رقبتك، وكسر لك قرارك، هوّي ومستشهد إصبعو فوق راسك”.

صدر هذا الكلام بحضور صفا، الذي ظهر متجاوبًا مع برو، وكرّر المسؤول في حزب الله عبارة “يا علي سيكي لح لح” — وهي عبارة شاعت أخيرًا يطلقها مناصرو الحزب على السلاح.

إثر ذلك تم استدعاء الشاب إلى التحقيق، لكنه رفض الامتثال متذرّعًا بأنه صحافي ولا يمثل سوى أمام محكمة المطبوعات، لتصدر بحقه مذكرة بحث وتحرٍّ. وكان المستدعى قد برز أخيرًا من خلال مقاطع مصوّرة يهاجم فيها شخصيات وإعلاميين، لا تقتصر على الإسفاف والابتذال، بل تتعدّاها إلى خطاب ذكوري وعنصري وتحريضي ضد أشخاص بسبب مواقفهم السياسية، وتسخيف التهديدات والاعتداءات التي تطاولهم.

تهديد برعاية وفيق صفا

هكذا صار أن يقف عنصر في حزب الله بالقرب من وفيق صفا، القيادي المعروف في الحزب والغنيّ عن التعريف، الذي يحاول حتى اليوم أن يظهر أنه لا يزال متحكّمًا بمفاصل أمن البلاد، وأن يهدد بمباركته وباسمه وعلى مسامعه بـ”إطفاء” رئيس حكومة لبنان، متفاخرًا بـ”تكسير رأس ورقبة وقرار” نواف سلام، وضمن فعالية أراد الحزب من خلالها أن يوصل رسالة بأن مصير البلد لا يزال بيده، وأنه فوق كل السلطات، وإرادته فوق إرادة الجميع، في بلاد تحاول لملمة كارثة أدخلتها بها قراراته.
صار كل هذا “حرية تعبير” و”عملًا صحافيًا” لا يمثل صاحبه إلا أمام محكمة المطبوعات!

كل هذا صادر عن جهة لطالما فرضت قراراتها بالعنف والقوة، متهمة بارتكاب جرائم اغتيال لمعارضيها، وبات اليوم حرية تعبير، ومحاولة مواجهته تُعدّ استضعافًا! بل ذهب البعض حد اعتبار رفض التضامن مع محرضين تخاذلًا عن نصرة حرية التعبير! وكأن الحاج وفيق ومن يقفون إلى جانبه لطالما كانوا من أعلام الدفاع عن هذه الحرية.

لو قال القائل ما قاله بعيدًا عن وفيق صفا، وليس نقلًا عن لسانه، ولو لم يكن صفا في كادر الصورة، لكان من الممكن ربما النقاش في جدّية التهديد أو محاولة قراءة المشهد بشكل مختلف. لكن لا يمكن فصل المشهد عن سياقه، ولا إخراج صفا منه، ولا التعاطي مع القائل من موقع الضعف وكأنه ناشط تعاكسه علاقات القوة. لقد كانت الرسالة واضحة: نحن السلطة الفعلية، نفعل ما نشاء بمن نشاء، ونكسر رأس أيٍّ كان مهما علا شأنه.

لا يمكن النظر إلى الأمور خارج سياقاتها، ولا يمكن إغفال دور أدوات حزب الله في التحريض والتجييش وشنّ الحملات الموجّهة ضد أشخاص بخطابات مليئة بالكراهية، وصولًا إلى التهديد والابتزاز والأذى الجسدي. إنها أفعال تنتج منها ضحايا، وتدفع باتجاه التدمير المعنوي والجسدي لمن لا يملكون سلطة، ومن لا يملكون فعليًا سوى التعبير عن مواقفهم أو القيام بمهامهم.

القضاء على التسامح باسم التسامح

هذه المرة بدا واضحًا كيف يحاول حزب الله استخدام بعض المدافعين عن حرية التعبير، ودفعهم إلى التضامن مع منطق التحريض من دون تقدير عواقب ذلك على الأفراد والمجتمع. وهو يستغل محاولة هؤلاء إثبات موضوعيتهم، ولو أمام جهة ستستمر في محاربتهم وتجريدهم من القدرة على التضامن.
إنه إثبات أمام حزب يحاول فقط أن يحافظ على قدرته على البلطجة والاستقواء والتهديد. فحزب الله حريص على الحفاظ على قدرته على التحريض والتجييش من دون محاسبة، ولطالما شكّل ذلك إحدى أهم أدواته للهيمنة عبر القمع والترهيب.

على من يرفض استدعاء من يهدد أو من ينطق باسمه أن يخبر ضحايا هذا المنطق وحملات التحريض والتهديد، والذين يعانون ما يعانونه من ذلك، كيف لهم أن يواجهوا التحريض والتهديد؟
وهل على الجميع أن ينزلق إلى هذا الخطاب الذي له تداعيات فعلية على الأرض وعلى الأفراد، فلا يكون من حلّ سوى الرد على التحريض بآخر، في محاولة للدفاع أو لردع المحرّض الأول؟
فتكون النتيجة دوامة استقواء وتحريض مدمّرة، نُحَيّد فيها النقاش عن مواجهة التحديات الأساسية.

التطبيع مع خطاب حزب الله

عادةً ما يُميّز المدافعون عن حرية التعبير بين الحق في التعبير وخطاب الكراهية والتحريض على القتل والتهديد به. فماذا حصل في لبنان ليصبح بعض المدافعين عن الحريات، كما يقدمون أنفسهم، مدافعين عن البلطجة والتهديد والتحريض والذكورية والتنمر ضد الأضعف؟
وكأن هناك تطبيعًا مع خطاب الحزب ولغته، بل وأسوأ من ذلك، يظهر البعض كمؤمن بحق الحزب وأنصاره وحدهم بقول ما يشاؤون، بينما يُنتقد الخطاب نفسه، بل وأقل منه، إن تفوه به معارض للحزب.

يذكّر كل ما يحدث بنظرية كارل بوبر، التي طرحت مسألة “التسامح مع اللاتسامح”، وكيف يمكن للدفاع عن اللاتسامح أن يقضي على التسامح. فالتسامح اليوم مع لغة الاستقواء والتهديد والتحريض، وخصوصًا في مرحلة تتطلب التسامح للدفع باتجاه إصلاح بعض الممارسات والسعي إلى فرض المساواة بين المواطنين، سيؤدي إلى القضاء على التسامح ذاته.

كما أن الرسالة التي تُوجّهها هذه الممارسات إلى ضحايا التهديد والتحريض والحملات، هي أن من يهددكم ما زال وسيبقى فوق المحاسبة. وهي الرسالة التي يريدها حزب الله، لأنها رسالة قوة يبعث بها إلى الداخل اللبناني. وعلى من يحرص اليوم على منح غطاء لهذه الرسالة وتعزيز حصانة حملتها، أن يدرك مسؤوليته عن التهديدات التي ستطاول لاحقًا أناسًا في موقع ضعف.